مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




٢٩ أيلول ٢٠١١

أدب أبليسي

عندما تجتمع الغرابة والهدوء والصلابة في شخص.. مترافقة مع لحية بيضاء توحي بخبرة صاحبها الذي عركته السنون، مع صمت مطبق يشعرك بان صاحبه من أولئك الناس الذين ما زالوا يؤمنون أن الكلمة سيف ذو حدين، وأنها ما أن تخرج من بين الشفتين حتى يصعب استرجاعها أو إصلاح أثرها...مع نظرة عميقة تشعرك بالرهبة من ناظرها، مع قدرة فائقة على تجنب الجدل والصيام عن الكلام الذي لا طائل منه.. مع جزالة في الحديث وبراعة في الأسلوب ..مترافقة بقدرة على تضمين الجملة الواحدة عشرات المعاني حتى ليكاد كل من الجالسين يفهم الجملة الواحد فهما خاصا به يميزه عن غيره...فأنت أمام الشيخ بكري.

يكاد المسجد الصغير الذي يدرس فيه الشيخ ينطق بتاريخ سلسلة المشايخ التي عمرّته على مدى القرون من الزمان والتي عاصر خلالها هذا المسجد الحياة المتقلبة للمدينة القديمة، بكل ما فيها من تناقضات الحكم والطباع والعادات وتغيرات البشر..يبدو أن الخشب له قدرة كبيرة على تذكر التفاصيل والبوح بها للزائر.. أيقنت بأن حديث حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم صادق لا محالة عندما رأيت الغرفة الخاصة بالشيخ بكري...كانت تلك غرفة الخلوة في ذلك المسجد الأثري، لكنها كانت على بساطتها العمرانية قطعة أدبية تكاد تنطق بالعثمانية، يفوح منها شذى ماضي قريب، وتكاد تسمع منها دبيب رقصات جلال الدين الرومي على إيقاع الحضرة.

كنت قد نشأت في هذا المسجد منذ طفولتي، دخلته لأول مرة عندما كنت في الخامسة من العمر لأحفظ القرآن. وتعلقت به منذ ذلك الوقت، وإن كنت لست مواظبا على دروس الشيخ.. أذكر أول مرة دخلت فيها المسجد برفقة أبي، وأذكر كم هو غريب إحساس الطفل برهبة الدخول لمكان مقدس ، يكون هذا الإحساس عظيما جدا في تلك الفترة، ثم ما يلبث أن يتلاشى رويدا رويدا مع بلوغ الطفل سنة الفتوة والشباب حتى يتحول أخيرا إلى عمل روتيني يؤديه كل يوم... كان الشيخ بكري يعلمنا أن السنة النبوية التي تقضي بضرورة دخول المسجد بالرجل اليمنى وقراءة الدعاء المأثور هدفها الأساسي خلع الإنسان من جو الروتين هذا ودفعه للإحساس بأنه يدخل مكانا مميزا سيلاقي فيه ربه.. ، وهذا ما كان يسميه بحضور القلب .. والذي يؤدي لتحويل العادة إلى عبادة. لم يكن الشيخ بكري متصوفا بالمعنى الدارج للكلمة، لكنه كان مربيا فاضلا يستغل القصة والحكمة مهما كان مصدرها ليوصل فكرة عميقة المعنى بعيدة التأثير في النفس معتمدا المنهج القرآني في اقتضاب القصص وحذف التفاصيل التي تبعد المستمع عن المعنى.

كنت أشعر بأن الشيخ كتلة من الأدب والعلم والأخلاق، لا أكاد أحدثه في أمر إلا وأعطاني فيه من فيض علمه ملخصا موجزا يكفيني سؤال غيره. حتى جاء ذلك اليوم الذي التقيت فيه بمازن..
مازن هذا شاب من حارتنا درس الثانوية في نفس المدرسة التي درست فيها، لكنه أكمل تعليمه في ألمانيا، وانقطعت أخباره منذ ذلك اليوم عني.. لكن شاء الله تعالى أن أراه في دائرة حكومية بعد حوالي سبع سنين فأسأله عن أخباره و ما حصل معه.. أخبرني عن شهاداته ودراساته وعمله الحالي في شركة أجنبية تعمل في البلد، وتطور الحديث إلى دعوة للغداء انتهت عند أذان العصر.. ركبنا في سيارتي و توجهت تلقائيا لأقرب مسجد لأداء الصلاة، لكنه لم ينزل منها، أخبرني انه لم يعد مهتما بهذه التعاليم البالية التي يدين بها العالم الإسلامي، وأنه قرر أن يكون جزءا من ركب الحضارة التي تمارسها الإنسانية جمعاء، والتي يعاديها الإسلام ويتمنى زوالها بسبب ضيق نظرته وعداءه لكل ما هو حديث.

لا أنكر أنني شعرت بخنجر يغرز في قلبي من كلام مازن، فهو صديق مقرب، ورغم شكوكي بأن أغلب الشباب الذين يسافرون لأوربا يعودون وهم يحملون هذا الفكر الغبي، إلا أن مساس هذا الجنون لصديق مقرب لي كان صاعقا.. أنهيت الصلاة وعدت إلى السيارة لاستأذنه في إكمال الحوار معه بخصوص آراءه الشاذة .. تجادلت معه لساعتين متواصلتين، ثم ولما عجزت عن التوصل لاتفاق قررت التوجه معه إلى منزل الشيخ بكري، فكلام مازن فلسفي يحمله كأسفار يحفظها ولا يفهم منها شيئا، وتفنيدها يتطلب رجلا خبيرا باستخدام الألفاظ، الأمر الذي لم أتقنه، والذي أدى لدوراننا في دوامة من الألاعيب اللفظية لم نخرج منها بشيء.

استأذنت بالدخول إلى مجلس الشيخ، فإذن لي ابنه الأكبر محمد.. سلمت على الشيخ وللغرابة سلم مازن أيضا على الشيخ بأدب واحترام..ثم ابتدأت التعريف بالمتحاورين ومن ثم بأطراف الحوار... وبدأ مازن بعدها يطرح شبهاته.. والشيخ كعادته يستمع باهتمام كبير وكأنه يستمع لهذه الأفكار لأول مرة في حياته..انتهى مازن من طرح أفكاره، ولكن الشيخ بقي صامتا، ثم سأل مازن سؤالا غريبا ظننته لأول وهلة مناورة لكنه تبين انه غير ذلك.

سؤال الشيخ بكري كان: ما عدد ركعات سنة تحية المسجد يا مازن؟ تلعثم مازن ورد باقتضاب :أظنها اثنتين!

الشيخ بكري: وهل صليتها قبل الدخول إلى مجلسي؟ فمجلسي كما ترى في المسجد!
مازن: أنا لا أؤمن بالصلاة لأنها تمثل طقوس التبعية للمؤسسة الدينية التي تحاول السيطرة على عقول البشر.

الشيخ: هل تؤمن بوجود الله؟

مازن: ليس هذا موضع حديثنا، أنا أتحدث عن سيطرة لدين على مناحي الحياة العامة وكيف يعادي القائمون على المؤسسة الدينية تطور مجتمعاتهم ...

الشيخ مقاطعا: سؤالي واضح.. هل تؤمن بوجود الله؟

مازن: لنفترض أنني أؤمن به، هذه علاقة شخصية لا دخل لها بنقاشنا؟
الشيخ: آخر مرة صليت فيها قيام الليل قبل أن يصيبك ما أصابك...متى كانت؟

واستمر الشيخ في سؤال مازن أسئلة من هذا النمط..ومازن يجيب إجابات غير قطعية ويراوغ كيلا يدخل في نقاش مع الشيخ حول انتماءه للإسلام.. ثم يعود مازن ليسأل واحدا من أسئلته الكثيرة، ولا يجيبه الشيخ إلا بسؤال عن حاله مع الله..ومدة التزامه بالإسلام قبل ارتداده .

لا أنكر أنني كنت اشعر بالدم يتدفق في عروقي من طريقة إدارة الشيخ للحوار..فكلنا يعلم ان العلماني شخص لا يمارس في العادة التعاليم الإسلامية لان يعتبرها السبب في تخلف الأمة.. وبالتالي لا فائدة من نقاش مدى التزامه بالإسلام قبل تحوله إلى العلمانية...كانت لدي مئات الأجوبة لكل سؤال سأله مازن، وكنت على يقين بأن الشيخ يملك إجابات أفضل بكثير..لكنه أصر على إتباع هذه الطريقة التي –بقناعتي-لن تؤدي لشيء.
أنهى مازن الحوار فجأة صارخا.. : أنت تعبث بالكلام وتضيع وقتي.. من الواضح أنه ليس لديك إجابات شأنك في هذا شأن بقية المنتمين للمؤسسة الدينية..أعذرني فأنا سأغادر..

رد الشيخ بهدوء: لقد غادرت منذ اللحظة التي تبين لي فيها انك لا تعرف الإسلام أصلا..ولم تمارسه لا قبل انتماءك للعلمانية ولا بعدها.. أنت تعجز عن الانخراط في تجربة الإسلام.. ولهذا تريدنا أن نخرج منه لعجزك أنت عن الدخول إليه وممارسته.. أنت يا ولدي لم تعش لحظة في الإسلام.. ولا تدري شيئا عنه إلا ما أخبرك معلموك العلمانيون عنه..لم تذق معنى "واتقوا الله ويعلمكم الله" ولهذا تعتقد أن ما توصلت إليه من شبهات حول الإسلام كافية لنقضه. نصيحتي لك أن تقف بين يدي خالقك لحظة في جوف الليل وتسأله الهدى، مستحضرا عظمة الآية الكريمة "ففروا على الله" ومتأدبا في حضرته متذللا له طالبا الغفران لقلة أدبك معه.. وأعلم ان ما أنت فيه من حال هو حال استدراج رحماني من باب قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم:

إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (5)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (6) البقرة.

يا بني مازن، لست بدعا من الناس ولست أول من يظن انه جاء بدعوة الإصلاح لأهله، لكن أنظر عمن أخذت هذه الدعوة؟ إنها عن نفس الفئة التي حاربتك واضطهدتك وسرقت خيرات بلادك مدعية انها جاءت لتعمّر البلاد وترشد العباد.. فلا تكن ممن قال الله عنهم في نفس السورة:
ومن الناس من يقول أمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين (7) يخادعون الله والذين أمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون (8) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (9)وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (10) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (11) وإذا قيل لهم أمنوا كما أمن الناس قالوا أنؤمن كما أمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (12) وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا أمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (13) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (14) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (15)

التطور المادي ليس مقياسا لصحة الحضارة، وليس كل من يملك السلاح والقوة يملك مفاتيح الصواب ويسير على جادة الهدى، فالله تعالى يقول انه سيمد الكافرين والمنافقين في طغيانهم يعمهون..ويقول ايضا:

مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا.(18) الكهف..

واستمر الشيخ يرقق قلب مازن بهذه الطريقة، وأنا ومازن نكاد ننفجر من هذا النقاش..حتى إذا ما انتهى سلمت على الشيخ وخرجت مع مازن لنكمل جولة أخرى من النقاش لم تنته حتى قبيل صلاة الفجر بدقائق.

لم التق مازن بعد هذا أبدا، لكن عجز الشيخ وعجزي عن إقناع مازن كان مؤلما جدا بالنسبة لي، وبقي هاجس هذا الحوار يدور في خلدي ويؤرق منامي أياما حتى قررت أن أذهب إلى الشيخ فأخرج له مكنونات صدري وأسأله لم عجز عن الرد على مازن..
دخلت حجرة الشيخ فتبسم.. بقيت لحظات الصمت بيننا بانتظار من يبدأ الحوار.. ثم بادرني الشيخ بسؤال: من أول كافر بالله؟
ردد بسرعة: إبليس!
قال: دليلك؟
حار ذهني وإنا استذكر الآيات المتعلقة بإبليس.. ولكن الشيخ قاطعني قائلا: لم يكفر إبليس بالله طرفة عين، ولم يرفض السجود لله طرفة عين.. إبليس هو رمز للتفكير المنطقي غير المستند على أسس شرعية....هل وجه الله أمرا لإبليس بالسجود له فرفض؟
قلت: لقد رفض السجود عندما أمره الله بذلك.

قال: أمر الله الملائكة بالسجود ولم يوجه الأمر لإبليس به، لكن لم يعرف عن إبليس في ذلك الوقت رفضه لأوامر الله.. لهذا جاءت الآية لتقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ( الكهف)

فأبليس لم يكن من الملائكة وبالتالي لم يتلق أمرا مباشرا، لكن توجب عليه أن ينصاع للأمر كما انصاعت بقية المخلوقات.. رفضُ إبليس للسجود لم يكن على رفضا لأمر الله بقدر ما كان مقارنة عقلية بليدة منه..فهو يرفض السجود لمخلوق آخر معتقدا انه بهذا يحافظ على ترتيب الأفضليات داخل المملكة الألهية:

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) سورة ص..

الأفضلية عند إبليس كانت في الخلق.. ولهذا رفض السجود لمخلوق أدنى منه.. لكن هذا الرفض تميز بأدب إبليسي يفتقر إليه الكثير من البشر.. فأول من كفر بالله هم بنو آدم .. وأول من رفض أوامر الله هم بنو آدم..بل و أول من رفض فكرة وجود إله هم بنو آدم.. انظر إلى أدب إبليس في حواره مع ربه حين ينسب الخلق لله.. لم يقل أبليس مثلا: أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ فأنا مِن نَّارٍ وهو مِن طِينٍ... بل نسب الفضل في تفضيله نفسه على آدم إلى الله تعالى ..فهو يعتقد بأفضليته على آدم لكنه ينسب هذه الأفضلية لخلق الله تعالى له على هذه الصورة لا لنفسه.. وهذا ما يفتقده الكثير من علمانيي هذا العصر..
حتى عندما تحدى أبليس أنه سيغوي آدم، لم ينكر انه ما زال مخلوقا خلقه الله فلا يستطيع أن يخرج عن مراد الله فيه..لهذا نراه يقول في نفس السورة:

قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (78) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (77) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (78) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (79) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (80) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (81)

لقد علم أبليس انه سيأتي يوم معلوم تنتهي فيه مرحلة اختبار آدم المخلوق.. وأن هذا الوقت يعلمه الله فطلب من الله أن ينظرنه إلى ذلك الوقت، وهدفه من هذا إثبات أن ليس لآدم أفضلية عليه، فهو جاهل يستطيع إبليس إغواءه وتضليله، لكن أدب إبليس ما زال مستمرا ليقر أن كيده لم يكن ليبلغ كل بني آدم ..لهذا استثنى إرادة الله في عباده بقوله: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ!

بل علم إبليس انه أعجز من أن يتحدى إرادة الله في إغواء من يشاء، لهذا حلف بعزة الله أنه سيفعل هذا وهذا إقرار منه بعجزه وبقدرة الله على منعه من تنفيذ ما أراد، بينما لا يرى ملحدو وعلمانيو هذ العصر مكانة لإرادة الله وعلم الله وقدر الله في عباده.. لهذا فإبليس أكثر أدبا من جميع هؤلاء..
قلت مستغربا: أتريد أن تقول أن إبليس خير منهم؟
قال: انظر إلى أدب إبليس في استئذان ربه بان يسمح له بتنفيذ خطته..

قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) الأعراف

لقد استأذن ربه في تنفيذ خطته ليثبت عجز آدم وعدم أفضليته، ثم شرح لربه كيف سينفذ خطته بالتفصيل.. ثم كان من الأدب بحيث لم يذكر انه سيأتي لبني آدم من فوقهم لأن هذا مكان إلقاء الله هداه في صدر بني آدم..وليس لإبليس السيطرة على موقع هذا التلقي..ثم أخبره أن نقطة الفساد العظمى التي سيبدأ بها هي جعل بني آدم ينسى فضل الله عليه (وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) .. وهذا ما فعله مع سيدنا آدم حيث جعله يبحث عن الملك والخلد بينما هو في الجنة حيث الملك والخلد أصلا.. فعدم قدرة آدم آنذاك على تمييز فضل الله عليه هي ما دفعه لإتباع إبليس... والخلاص من هذه التبعية هي بالتوبة إلى الله والالتجاء إليه.
.
فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) البقرة

لقد تجاوز الملاحدة واللادينيون والعلمانيون حدود أحلام إبليس ..لهذا وصف الله تعالى كيد إبليس بأنه ضعيف..فلم يكن إبليس يريد إلا إثبات عدم أهلية آدم أن يفضله.. لكن بني آدم أثبتوا ان كيدهم وكفرهم عظيم..أعظم من تخيلات إبليس ومخططاته!

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) مريم

صمت الشيخ قليلا ثم سألني: لماذا اعتُبر اعتراض إبليس فسقا عن أمر الله ولم يعتبر اعتراض الملائكة على خلق آدم فسقا؟
أجبت: لم يعص الملائكة أمرا مباشرا لله عز وجل؟
رد علي: لكن الاعتراض على إرادة الله معصية، وقد أراد الله خلق آدم وجعله خليفة له في الأرض..

لم أجب كعادتي، فأنا اعلم أن الشيخ يطرح سؤالا ثم يجيب عنه بتفصيل ..وأي جواب مني سيؤخر حصولي على جوابه.. وبالفعل فقد تابع الشيخ كلامه قائلا: لم يكن كلام الملائكة عن خلق آدم اعتراضا.. بل استفسارا عن الحكمة من خلقه... فهو مخلوق قادر على الاختيار بطبيعته، حر الإرادة، ومن الطبيعي لكل حر في الاختيار غير منضبط بتبعية لله، لا يرى الله ويؤمن حقا بوجوده أن ينتهي في حفرة إنكار وجود الله أصلا.. آدم كان قادرا على رؤية الملائكة وعلى الاتصال بعالم الألوهية والخطاب المباشر مع الله، يقينه بوجود الله كان مطلقا لكنه تعرض للخديعة من الشيطان من خلال جدلية فارغة تمنح آدم شيئا كان يملكه أصلا.. حرية الاختيار هذه هي مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، هي المدخل الذي وعد إبليس أن يلج منه إلى بني آدم ..لكن إبليس اقر بعجزه عن الولوج إلى نفس تتصل بالله.. ولهذا قرر ان مداخله للنفس البشرية هي من أمامها وخلفها ويمينها وشمالها، لكنه لم يذكر انه قادر على الدخول إليها من فوقها.. فنقطة الاتصال هذه هي نقطة التكليف.. وقطع الإنسان لجهة الاتصال العلوية بربه او وصله لها حرية شخصية يبين إبليس بوضوح عجزه عن التحكم بها.. بل أن إبليس ينكر أنه كان مشركا بالله وأنه كان السبب المباشر في كفر أحد ما بالله .. قدرته وقفت عن حدود الدعوة بالكلمة، أما بقية الكفر فهو قرار شخصي يتخذه الإنسان بعيدا عن تحكم إبليس

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) إبراهيم

عجيب حديث إبليس في القرآن، فهو لا يستنكف عن إظهار ضعفه في مواطن الضعف، وعن الإقرار بعجزه عن إقامة الفعل في مواطن العجز، بل يسأل الله تعالى ان يسمح له بإغواء بني آدم، ويقر أنه عاجز عن قطع صلة الإنسان المباشرة بربه.. بل ويقر أن الأفضلية التي يظنها في نفسه على آدم كونه مخلوق من نار وآدم خلق من طين هي أفضلية غير أصيلة فيه كونه مخلوق تماما كآدم.. وكون الله تعالى هو من أودع لحظة الخلق فيه هذه الصفة التي يفضل –بزعمه- بها عن آدم..

صمت الشيخ قليلا ثم قال: هل عرفت لماذا أصر على إعادة فتح باب الصلة بين مازن وبين ربه؟ لقد أخبرنا الله أن لا جدوى من نقاش الملحدين والكافرين، لان الجدل ومجانبة الحق طبع فيهم..

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا (55)وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) الكهف

الأصل إقامة الحجة عليهم وإنا أعلم أنك قد فعلت هذا سابقا.. لكن يكفينا ان نوصلهم إلى مرحلة التزام الأدب مع الله .. ولو كان هذا الأدب أدبا ابليسيا!

بني! لو أردت الخير لمازن فساعده على إعادة هذه الصلة بينه وبين ربه، تجنب محاورته في ما هو فيه، حاول فقط إعادة تلك الصلة بينه وبين ربه، والله هو من يتدبر باقي الطريق..

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) الكهف

خرجت من غرفة شيخي وانأ أفكر في الموضوع.. فلسفة القرآن وفلسفة السلوك إلى الله في القرآن أمر يخفى على الكثير.. لكنه هناك بين ثنايا الآيات ... لا يعرفه إلا الراسخون في العلم..

بقيت أتذكر تفاصيل تلك المحاورة مع شيخي أياما... وما زلت اقر أنني عاجز عن فهم الأمور كما يريد القرآن أن يوصلها لي..إلا أن أنيسي وسلواي عن جهلي بفهم بواطن القرآن في هذا قوله تعالى: وأتقوا الله ويعلمكم الله..


كان إحساسي بأني قد أفقد مازن تجاوز كل حدود.. بقيت أمشي في الشوارع التي كانت تضمنا في صبانا أياما أبحث عنه..ألاحق آثار الأقدام على رصيف الحارة متسائلا عن مكانه..كنت أتوقع أنني قد زرعت في نفسه بذرة شك ستجعله يأتي للبحث عني ليكمل ما سبق لنا من حوار...كنت أمنّي النفس أن هناك أملا ما في كون حججي وردودي على شبهاته من المنطق والإبهار ما يجعله لا يهنأ له رقاد في ليل ولا يستقيم له نهار ..دأبه يفكر في حوارنا وكم هي واهية شبهاته..تلك الشبهات التي أبعدته عن الله سنوات..فيأتي ليبحث عني أو حتى عن الشيخ ليعلن توبته عن ما هو فيه..أو على الأقل كي يطرح بقية الشبهات التي في نفسه لنخلصه منها... لكن عبثا... ثم جاء ذلك اليوم الذي رأيته فيه قابعا في زاوية مقهى الحارة، ملتحفا ستار الظلام في زاويته ، يعلب النرد هو وبعض الشباب وكأن شيئا لم يكن... سلمت عليه فرد السلام ساخراً: أهلا بشيخ الاسلام! كيف حال شيخك اللجوج؟
اكتفيت بما قال وتابعت طريقي وإحساس الألم يعتصر قلبي..مؤلم أن تكون مقهورا وأنت غالب... مؤلم أن تشعر بالخسارة وأنت رابح.. بالهزيمة وأنت منتصر.. بأن ظهرك مكشوف وأنت تستند إلى أقوى حصن في الوجود..ثم لمع في بالي خاطر..فهرولت إلى المسجد ملتحفا به من قارس أفكاري..... أحسست أن هذا الإحساس بالانهزام هو بداية الطريق التي تؤدي إلى هاوية مازن.. تخيلت مازن وقد طرحت عليه ملايين الشبهات التي عجز عن رد بعضها ولكنه دافع عن دينه قدر ما استطاع... ثم تلاقى مع نفس الشخص الذي حاوره فوجد أن الحوار الذي ظن انه قاصم جازم لا يمكن لسامعه إلا أن يقتنع به لم يؤثر بشيء على محاوره. بل لربما سخر منه محاوره كما فعل مازن معي.. فأصبح مازن يتهيب فتح الموضوع ثانية.. أما تلك النقاط التي لم يحر لها مازن جوابا فما فتأت تعشش في باله وتنخر فيه كما السوس.. حتى إذا أخذت منه كل مأخذ تجرأ وبحث لها عن جواب.. فلما وجده ذهب به إلى ذلك المحاور ليطرح الردود وينتقم لنفسه...ولدينه... فتلقى وابلا من الشبهات... فإذا ما تم عليه شهر وهو على هذه الحال من الأخذ والرد بدأ يشعر بالانهيار وبالضعف.. يشعر بأنه وحيد في مكان لا يؤمن أحد بما يؤمن به إلا هو.. يستند إلى كتاب مقدس هو كالألغاز بالنسبة له.. وعلى موروثات مملوءة بالكذب والتلفيق والأحاديث الموضوعة.. والتأويلات والتفسيرات التي لا مكان لها.. فلما استقر في باله انه قد لا يكون على الحق تماما..بل قد يكون هناك شيء بحاجة للتفصيل والتنظيف والعلاج والاقتطاع من هذا الموروث.. عاد ذلك المحاور ليكيل لمازن الأسئلة التي تتعلق بإنسانية الإسلام ومدى حضارته.. ظلمه للمرأة وللعبيد وللرق، مقارنا ذلك كله بعدالة العلمانية والروح الإنسانية التي تسيطر على كل شيء.. رابطا هذا كله بالتخلف الذي تعيشه الأمم الإسلامية ... وذلها أمام أكبر أعدائها ..إسرائيل.. معتبرا أن زمان الكهنوت والروحانيات الفارغة ولى.. وجاء أوان التفكير المنطقي والعمل الدؤؤب على التطور والنجاح لبلوغ مجتمع العدالة والعلم والمساواة..
تخيلت مازن وقد استقر في فؤاده كل هذا.. وبقيت نفسه الأمارة بالسوء تصارع نفسه اللوامة.. وتتجادل مع روحه التي لم تقبل يوما أن تكفر بالله.. حتى إذا ما بلغ الأمر ذروته.. انطلق إلى محاوره ينعته بالكافر ويقول له لو أنك فهمت الإسلام حقا لما قلت ما قلت لكنك جاهل..فتلقاه الأخير بصبر ووجه مبتسم.. حالفا بالله أنه مؤمن كما هو مؤمن.. يعتقد أن لهذا الكون ربا لا يشرك به غيره.. لكنه يعتقد أيضا أن الإسلام الذي بين أيدينا إسلام مزيف حوره رجال الكهنوت الإسلامي ليصبح على ما هو عليه من التخلف.. مسيطرا على كل منحى من مناحي الحياة مانعا للمسلم من التطور بحجة غضب الله عليه.. وطالما أن رجال الكهنوت المسيحي قدروا على تحريف كلام الله لفظا ومعنى.. فما الذي يمنع رجال الكهنوت الإسلامي من تحريف القرآن معنى والإبقاء عليه لفظا؟
تخيلت هذا المحاور البغيض وقد أنهى كلامه بقوله: أنا يا مازن كنت مثلك في البداية، مخدوعا برجال الدين هؤلاء..ظانا أنهم خلفاء الله في الأرض.. لكنني اكتشفت أنهم رجال مصالح ودول.. لا يقصدون الله .. وبقاء التخلف في الأمة ضامن لبقاءهم في دوام السيطرة على المسلمين.. أنا يا مازن أدعوك لأن تبقى مسلما..لا أريدك أن تكفر بالله.. لكنني أدعوك لمساعدتي في إقصاء سارقي الدين هؤلاء.. الذين سرقوا القرآن وسخروا يوم الجمعة لخدمة مصالحهم..محولين المسجد لإذاعة تخدم أهدافهم السياسية.. دعنا يا مازن نتعاون على أخراجهم من أنفسنا أولا قبل إخراجهم من الحياة الاجتماعية وتحرير المجتمع منهم..
تخيلت مازن وقد استقر في خلده أنه بتبني العلمانية فأنه يخدم الإسلام الصحيح.. الإسلام الذي حرفه علماء الدين ليخدمهم ويخدم مصالحهم.. وأنه بهذا يقوم بالصواب.. ثم تخيلته وقد تعارضت لديه لاحقا مفاهيم العلمانية مع جميع المسلمات الإسلامية التي يؤمن بها.. وفي لحظة وضع نفسه على المحك... إما هذا وإما ذاك..إما الاسلام وما يعنيه من تخلف وجهل وإرهاب في عيون الغرب المتحضر..أو المدنية والحضارة والانترنت.. والاختيار بينهما صعب.. في بلد يعني قبول الخيار الأول فقدان كل شيء آخر..بما في ذلك "هايدي".. تلك الشقراء الألمانية التي تعرف عليها أثناء حواراته المطولة.. والتي تحول تعلقه بها وتعلقها به فكرا.. إلى عشق يولع فؤاده كل يوم فلا يفيق من آلامه إلا ليزيده لقاؤها ألما وحرقة..يمنعه عنها خوف الحرام.. ويقربه منها إيمانه بحرية الفرد وقناعاته بأنه طالما أنه وهي مقتنعان بما يفعلان..فما الضير في هذا؟
تخيلت مازن وقد انتهى به الأمر إلى قرار..قرار أن يلحق بركب الإنسانية..وقد تفاقمت لديه بقية الشبهات –على صغرها- وتكاتفت مع حبه لهايدي وحبه لنمط الحياة الغربية..لتصبح قناعة بأن الإسلام كان قادرا على خلق حضارة عندما كان الإنسان يبيع زوجته، وكان الجدل قائما حول هل المرأة إنسان أم حيوان ناطق..أما الآن ..فالإسلام بالنسبة للحضارة الإنسانية يشكل نفس التحدي الذي كانت الحضارات السابقة تشكله بالنسبة للإسلام.
تخيلت مازن وقد تحولت قناعاته هذه إلى حقد على كل ما يمت للإسلام.. مقنعا نفسه اللوامة أنه لا يحارب الله..بل يحارب المنافقين.. ومطمئنا النفس الأمارة بالسوء أنه لن يعود للاسلام حتى ولو اكتشف الاسلام الحقيقي.فالعلمانية منهج حياة تماما كما هو الاسلام..فلماذا التشتت والضياع ..وتبني هذه الأفكار القديمة؟

لقد أصبح مازن مؤمن بعظمة الإنسان..مقتنعا أن هذا العصر يختلف عن العصور السابقة بقدرة الانسان على اختلاق الأنظمة والقوانين.. تلك الأنظمة والشرائع التي أضطر خالق هذا الكون لوضعها بنفسه عندما كانت الإنسانية في بداية مراحلها ..تحبو كطفل صغير..لا تميز الخير من الشر... وتماما كما ينهى الأب الطفل عن العبث بمقبس الكهرباء، ثم يشجعه على استخدامه عندما يكبر... آن للإنسانية أن تلقي بكل تلك المحرمات الطفولية وراء ظهرها..
تراكمت كل هذه الأفكار في بالي وأنا اقترب من مجلس الشيخ وقد اقترب وقت صلاة العشاء.


دخلت على الشيخ بعد صلاة العشاء.. كان جالسا في غرفته مواجها القبلة ..يتمتم بورده من الأذكار والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتظرت حتى انتهى من دعاءه والتفت إلي.. كانت الأفكار المتلاطمة في نفسي قد منعتني حتى من إتمام هذه الأدعية والتسابيح بصورتها الصحيحة.. اقتربت من الشيخ حتى جلست بين يديه.. بادرني بالسؤال: هل يشغلك حال مازن؟
قلت:نعم..فهو صديق عمري
قال: فأدع له بالتوفيق...
قلت : إلا يتوجب علي أن أقوم بمناصحته؟ ألا يتوجب عليه واجب الدعوة لدين الله.. أليس واجبا علي أن انتشله مما هو فيه؟
قال: اتق الله في نفسك يا بني.. وأبعد هذه الأفكار عن رأسك.. فلست أهلا لهذا.. كل ما يليق بهذا المقام هو الدعاء..
رددت بحرقة: وماذا لو كان مازن ممن ران على قلبه ما كان يفعل، فختم الله عليه بذنبه؟ ألا يتوجب علي مساعدته للتخلص مما هو فيه و لدلالته على طريق التوبة؟
- استغفر الله من هذا الخاطر...وهل بيدك التوبة لتعطيها من تشاء؟ بل هل بيد مازن التوبة ليتوب متى ما شاء؟
- يا شيخ لا استطيع أن أفهم هذه السلبية تجاه مازن بالذات! إن كان من المبعدين فأخبرني لأتبرأ منه.. وإلا فساعدني علّ الله يهديه على يدينا!
- ومن أنا ومن أنت لنعرف هل هو من المبعدين؟ أن للجنة بابا يدعى باب التوبة لا يغلقه الله أبدا..فكيف نضع أنفسنا في مكان نحدد فيه من يدخله!؟
- يعني هذا أن بمقدارنا مساعدة مازن ليدخله؟
- "ثم تاب عليه ليتوبوا"
- والمعنى؟
- التوبة ابتداءاً من الله
- احترت في أمري ..هل التوبة بيد مازن لنعينه عليها.. أم هي بيد الله فلا حيلة لنا ولا لمازن في بلوغها؟ هل نحن مسيرون أم مخيرون في هذا؟
- الإنسان طين بث فيه بعض من روح الله.. فهو طين وروح.. التوبة امتزاج الروح بالعمل.. وكثرة الذنوب تغلب الطين على الروح.. حتى إذا ما أصبحت مرادات الإنسان طينية .. قرنه الله بالحجارة حين جعله وإياها وقودا لجهنم..
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ "(البقرة:74)...
والتوبة لا تمازج قلبا لا يعمره إلا الطين..
قلت: وما الحل أن ننعش ذلك الجانب الروحي من الإنسان؟
قال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ " (الحديد آية: 16).
قلت: أرجعتني لنقطة الوصل بالله.. فيكف نوصله بها؟
قال: الحوار ليس بينك وبين مازن.. بل بينك وبين نفسه الأمارة بالسوء من جهة.. ونفسه اللوامة من جهة.. حوارك مع أحدى هاتين دونا عن الأخرى لا يفيد..
ثم بادرني الشيخ بالسؤال: لماذا نرى اندفاع الشباب المسلم المثقف لحوار العلمانيين ، بينما الكثير من الشباب المسلم لا يدري شيئا عن إسلامه ويعيش في مطالب نفسه لا يحدوه سوى تلبية شهواتها وإشباع نزواتها؟ ولا نرى من الشباب المسلم الواعي أي التفات لهم ولا مناصحة؟ كم نسبة هؤلاء لهؤلاء؟ أكاد أجزم أن في كل حارة بل في كل مبنى شاب أو فتاة ضائعة لا تعرف عن دينها إلا الصلاة والصيام.. بينما يعد علمانيو الشرق على الأصابع!
قلت: لربما هي حمية الدفاع عن الدين..
قال: فهل تلبي داعي الجهاد إذا نادى وأنت لا تعرف كيف تحمل السلاح؟
قلت: لا.. لكني سأسعى لأتعلم؟
قال: وتترك الجبهة لتبقى في معسكر التدريب؟
قلت: وجودي على الجبهة وأنا لا أعرف شر من بقائي في المعسكر.. فالجهاد يحتاج لتنسيق وتنظيم بين الفرق.. ولعل جهلي بهذا يوقع فينا من القتل والأسر ما هو أضعاف ما ينقذ وجودي من أرواح وأعراض!
قال: فما بال الجهاد بالكلمة أصبح مفتوحا لكل من هب ودب؟ سواء أعرف استخدام سلاح الكلمة أم لم يعرف؟!
آثرت الصمت كعادتي.
تابع وكأنه لم يسأل سؤالا للتو..: عندما نتحدث عن محاورة أحد العلمانيين يرى البعض – من الجانب المسلم- في هذه المحاورة بابا للجهاد بالكلمة، وقد يستمتع آخر بالجدل لمجرد الجدل، وأما الثالث فيرى فيها مناسبة لامتحان عقيدته وفهمه لها، ويرى الرابع في هذا الحوار بابا للتمرن على الدعوة لله، وهكذا تتعدد الفهوم بتعدد الأشخاص والنوايا.. والسؤال المطروح هنا: من هو الأحق ببدء هذا الحوار ومن هو الأحق بالاستمرار فيه؟
قلت: الأقدر والأعلم ..والأخبر بهذه الساحات بالطبع!
قال: مررتُ بحالات كثيرة ناقشت فيها علمانيين في أوقات كنت لا امتلك الوقت الكافي ولا الذهن الصافي لهذا النقاش..فالنقاش مع العلماني والملحد نقاش مهم جدا لا يجوز أن يُطرح كدردشة لا تنتهي بالضرورة إلى قناعات كما يحب العلمانيون أن يُطرح.. فغاية العلماني ليس الوصول إلى نتيجة بل طرح الشبهات، لهذا يطرح مئات الشبهات دون أن يهتم كثيرا بالحصول على رد عليها بل لعله يتعمد أن يمنع محاوره من الاسترسال في الرد كيلا يفقد جزءا من سلاحه ألا وهو كم الشبهات التي يحفظها.. وآثرت في هذه الحالات اقتضاب الحوار كي لا أفسد الأمور .. وجعلت عذري بين يدي خالقي واثقا أن لو شاء الله هداية هذا العلماني لهداه سواء بوجودي أو بغيره..
نظر الشيخ للشباك متأملا في البدر الوليد ..بينما كنت استذكر في خاطري تلك الفكرة الرهيبة التي جالت به عند سماعي لسخرية مازن..
تابع الشيخ قائلا..: أهم شيء في مثل هذا الحوار هو النية.. نيتك أنت ومقصدك ومبتغاك من هذا الحوار.... هل أخلصت النية لله ..أم أنه انتصار لنفسك؟ أم سعي وراء شهرة؟ أم إرضاء لغرور عقلك؟.. يا بني.. لقد قال القوم قبلنا: البدايات تحدد النهايات.. بداية عصيان آدم جهل..ونهايته إقرار وتوبة.. وبداية عصيان إبليس غرور واستكبار.. ونهايته الخلود في النار..صدقك مع الله يجعلك تراقب نفسك أثناء الحوار.. فإذا ما تحول الحوار لجدل فارغ فالأفضل إنهاؤه.. وتمثل قوله تعالى:
(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني )يوسف [106]
وقوله:
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )النحل [125]
ولا تعتقد أن بيدك الهدى.. ما أنت إلا وسيلة بيد الله.. إن شاء أجرى الهدى على يدك.. وإن شاء جعل حوارك حجة على محاورك.. وإن شاء جعله ينكت في قلب محاورك نكته فيجعلها منفذا لغيرك ليدخل منه فينتهي كل هذا بهداية المحاور.. ألم يقل الله عز من قائل:
(ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) البقرة [272]
قلت: كلٌّ منا يتمنى لو كان هذا الهدى على يديه فيفوز بخير الدارين كما فاز التائب!
قال: أحذر من هذا.. فهذا تلبيس إبليس.. من قال أن الله لا يقبل ذودك عن دينه إلا إن انتهى بتوبة المحاور؟ ألم يقبل الله الشهداء في المعارك التي لم يكن النصر فيها للمسلمين؟ ألم يقبل الله جهاد النبي في حوار أبي لهب وأبي جهل رغم عدم انتهاءه بإيمانهما؟ فلماذا تضع لنفسك غايات لم يضعها الله لك؟ هذا من عمل إبليس ليدخل الغرور إلى نفسك ويمزج صالح عملك بشهوة الشهرة وحب الجدل فيفسد باقي عملك وتخسر أجره.. احذر يا بني من مداخل الشيطان في حوارك مع العلمانيين .. بل في أي حوار دعوي تقوم به.
قلت: فهلا علمتني يا شيخنا كيف أحاور هؤلاء؟
قال: أوتصبر وتنفذ؟
قلت: ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
قال: حوارنا مع العلماني والملحد هو حوار الوصول لفهم لفكرة محددة.. ولعلي لا أفرق كثيرا بين العلماني والملحد لان كليهما لا يحتكمان لشرع الله .الفرق بينهما أن الملحد لا يؤمن بالله ولا يريدك أن تؤمن بالله، بينما العلماني فلا يهتم إن أنت آمنت بالله أم لا، المهم أن يكون إيمانك في منزلك وبينك وبين نفسك لا يتعدى لجوارك حتى لو كان هذا الجوار هم أهل بيتك وأولادك. النتيجة التي يريد كلا الفريقين أن يصل لها هي إقصاء الوازع الديني والشرع الإلهي من المجتمع ووضع القوانين البشرية التي يمكن صياغتها بطريق تجعل ما يضر البلاد والعباد ينفذ كقانون تحت شعار حرية التعبير والرأي و تحرير المجتمع وغيرها من الأكاذيب التي نعرفها عنهم.
حوارنا مع اللاديني بشكل عام يجب أن يتركز على نقطة محددة لا نسمح للمحاور بالخروج عنها أبدا ، و أن لا نجد ضيرا من تجنب الإجابة عن سؤال حتى لو كنا نستطيع الإجابة عليه قبل أن ننهي نقاش الفكرة الأساس.. كما يجب علينا أن نحذر من اختيار فكرة ثانوية كثيرة الوجوه والأفرع في بدء النقاش، بل أن نبحث عن أساسيات الخلاف لنتناقش فيه..
لعلني أبدأ بتعريف فالعلماني حتى يتسنى لنا أن نعرف كيف نتعامل معه:
هناك صنفان من العلمانيين: أولاهما العلماني الغربي المفكر.. وهو في حالة الغرب الفكر الإلحادي أو الوجودي أو ذاك المؤمن بعظمة الإنسان ..والعلماني الشرقي ..
يمكنني أن أفهم سبب نشوء الفكر العلماني في المجتمعات الغربية، فهو نتاج طبيعي وسليم للفكر المنطقي الذي ابتدأه المفكرون الغربيون كأمثال ديكارت وغيرهم، ل هو النتيجة الحتمية لأي رجل يفكر بعقله لا بقلبه..فالتفكير المنطقي البسيط يجعل أي عاقل يفكر في إقصاء الكنسية التي تؤمن بان الأرض منبسطة ولها زوايا أربعة وأن الأرض هي مركز الكون .. الآلهة في الفكر الكنسي والمشتقة من الكتاب المقدس والمشتق بدوره من الأساطير اليونانية والشرقية القديمة في أغلب أجزاءه هي كائنات تشبه البشر. تعشق وتغضب وتندم وتفرح وتفكر..وتطيش.. وتظلم ..الإله في المفهوم الكنسي شيخ كبير طاعن في السن أبيض اللحية كثها، يجلس على عرش خشبي، صنع كونا لا يتقن إدارته، ولهذا تراه يتصارع مع مخلوقاته كل بضعة قرون من الزمان، فنراه يقتل كل البشر بطوفان نوح لأنه ندم أنه خلقهم، ثم يختار من بقية الناجين شعبا سماه بشعبه المختار، ثم يستمر يتصارع مع شعبه المختار يوما بعد يوم ويلعنه فيكفرون هم به، وكلما أرسل لهم رسولا قتلوه وعذبوه...حتى ملّ منهم وملوّا منه.. فقرر أخيرا أن ينزل ليتفاهم معهم بنفسه..بصورة المدعو يسوع.. وهو بالتأكيد ليس نبينا عيسى بن مريم صلوات ربي وسلامه عليه وهذا يتبين من سيرته- ولكن .. ويا للأسف.. لقد صلبوه هو أيضا..بعد ما عرّوه وبصقوا عليه وسخروا منه.. فالنسبة للمفكر الغربي اللاديني - بل وحتى لعالم الطبيعة ذي الأصول المسيحية وقد التقيت منهم الكثير وجها لوجه أو نُقل لي رأيهم- لقد قام شعب الإله المختار باغتيال الإله، ثم نصبّوا يهوديا اسمه بولص بدلا عن الإله الفقيد -رحمة الله عليه- ليشرع ويحكم باسمه، وتلا ذلك سلسلة من الحكام البشر الذي يحكمون باسم المغفور له معتمدين على السلطة الإرهابية للكنيسة المستمدة من المدد الذي تتلقاه الأخيرة من الملوك والأباطرة.. وبالتالي وطالما أن الإله قد قُتل على الصليب ومن يحكم باسمه بعد وفاته هم من قتله أصلا.. وهم نفس المجرمين الذي يسعون لقتل كل ما يعارض سلطتهم المطلقة على البشر باعتبارهم الآلهة بالنيابة..فمن الطبيعي أن يكون"إكرام الميت دفنه" ومن هنا جاءت فكرة "دفن الإله" التي لطالما نعق بها الغربيون ونهق بها قرود الشرق.
يا بني...إن قراءة الفكر العلماني اللاديني الغربي ضمن سياقه التاريخي والفكري يبرر لنا وجوده بشكل أو بآخر..
أما العلماني الشرقي – ولأن فكرة دفن الإله لا تنطبق على الدين الإسلامي- فهو أحد ثلاثة أصناف:
1- مسيحي أو يهودي متعصب يعتقد أن خروج المسلم عن دينه مهم تماما كدخوله المسيحية.. وكشف هذا الكائن بسيط للغاية ..وذلك بإعادة شرح فكرة دفن الإله التي ذكرتها أعلاه أو انتقاد العهد القديم واعتبار أن العلمانية وفكرة المساواة هي وليدة للظلم الناجم عن فكرة شعب الله المختار لتجده يندفع كالمحموم ليدافع عن الكنيسة والمسيحية أو اليهودية .... كما تلاحظ العلاقات الوطيدة بين هذا النوع من العلمانيين والكنيسة والحركات التبشيرية .. والرد على هذا الكائن بسيط جدا ولا يتطلب إلا بعض المعرفة بالمسيحية أو اليهودية والكتاب المقدس وخزعبلاته.. فهو لا يملك أساسا استيعابا لفكرة العلمانية ولا لأي شيء يتعلق بفلسفتها..بل يبتدئ الحوار بالهجوم على الإسلام بدل طرح فكر العلمانية
2- طالب سلطة: ,اغلبهم من المنتسبين للأحزاب اللادينية كالأحزاب القومية والأممية والشيوعية وغيرها.. فكرة هؤلاء تتركز على أنه لا يمكن الوصول إلى السلطة عبر الإسلام لما فيه من نظام يمنع تسلطهم على مقدرات البلاد والعباد.. ويثير حنق الغرب الصليبي عليهم..فلا مندوحة من التزام فكرة أخرى تسمح لهم بركوب الموجة.. ولهذا تراهم يؤمنون بالعلمانية بلسانهم.. وقلوبهم ملكية ديكتاتورية
3- طالب شهوة: رغبته هي في نشر الرذيلة بين المجتمع، وكشف مستور النساء والتمتع بالموبقات..بعيدا عن رقابة الشرع و عقوبة الله.. وكأن عفو الله مرتبط بكون جميع البشر يرتكبون نفس المعصية، فيستحيل عليه عقابهم كلهم!

وجميعهم وصفهم الله فأجاد وصفهم إذا قال في محكم تنزيله:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾( الجمعة : 5 )

نظر الشيخ في ساعته ثم استأذنني قائلا: آن أوان وردي من قراءة القرآن.. فلنؤجل إتمام هذا الحديث لوقت لاحق..
قلت ..على بركة الله


لم تكد شمس اليوم التالي تستقر في خاصرة الأفق الغربي حتى كنت في مجلس الشيخ بكري.. منظر الحجرة الخشبية وشمس الأصيل تخترقها بلون وردي جميل يبين لي مصدر هذا الصفاء الذهني العالي الذي يمتلكه الشيخ.. كان مفهوم الخلوة التي يمارسها البعض في المسجد بالنسبة لي غير مقبول شرعا.. لكنني لا أنكر أن بقاء الإنسان في مثل هذا الجو الهادئ الذي تتميز به حجرات طلاب العلم في هذا المسجد (أو كما تسمى بالعامية "الخلوات") يشحن روحه بالكثير من المعاني الروحية الراقية.. قدرة إنسان صفىّ ذهنه من بقايا هموم الدنيا أو كما يسميها الشيخ " إخلاء القلب من السوى" على فتح قناة الاتصال العلوية التي وصفها لي الشيخ أكبر بكثير من قدرة شخص يقف بين يدي الله عز وجل وعقله في مشتروات المنزل وحليب طفله الرضيع والخضار والفواكه ومديره في العمل ومخطط عمله ليوم الغد.. كان الهدف الأعظم بالنسبة لمدرسة السلوك عند الصحابة هي إخلاء القلب من الغير حتى لو كان في السوق.. لهذا سمعنا عن زهدهم ونقاء قلوبهم رغم أن الكثير منهم تجار وعمال ومزارعون لم ينقطعوا عن العمل ساعة.. كان الشيخ يقول: وصول المريد إلى حالة يكون فيها قلبه على صلة دوما مع الله في يومه وليلته هي أرقى حالات حضور القلب.. فالله تعالى في الحديث القدسي يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ..وقد عرفنا المستغفرين بالليل عن ذنوب النهار.. ولكن ندر حال مستغفري النهار عن ذنوب الليل! فحضور القلب في النهار أصعب بكثير من حضوره في الليل.
دخل الشيخ بعد إنهاءه لدرس العصر ..ولما رآني تبسم من جديد قائلا: تغيب تغيب ثم تلازمنا ليلا ونهارا.. جزى الله عنك مازنا كل خير أن جعلك تلازم مجلسنا!
تبسمت ابتسامة المقر بذنبه..
قال: ما حالك مع الله اليوم؟
قلت: عن مراده فّي ...راض بما قسم لي... وعن سعيي إليه..مقصر مذنب..لكن عذري أن تقصيري ناجم عن عجز وكسل لا عن إعراض وجهل..
قال: ما سبب قدومك علينا؟
قلت: طلبك مني أن اصبر وأنفذ!
رد ضاحكا: جزى الله عني مازن كل خير!
فابتسمت!
نظر لي سائلا: لماذا تتبسم؟
قلت: تبسمت تبسم المعترف بتقصيره.. الراضي بعتاب الحبيب له..
قال: أوتذكر كلامي لك عن تقصير الطبقة المسلمة الواعية في توعية الشباب المسلم؟
آثرت الصمت.. فسادت لحظات من الصمت طويلة قبل أن يخترقها صوت الشيخ بكري قائلا:
﴿ هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾( الجمعة : 2 )
نظرت إليه ولم أرد.. فقال: ماذا تفهم منها؟
قلت: منبع العلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم..
قال: منهاج التعليم عند الرسول صلى الله عليه وسلم هو التالي:
أولا: هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ
فالأساس هو أن تأتي الإسلام أميا.. جاهلا أو متجاهلا بكل شيء سواه.. فتتعلم ظاهر النص القرآني.. الشرع الظاهر..التوحيد..الشريعة..
قلت: وماذا بعد؟
قال: وَيُزَكِّيهِمْ! فطريق التزكية تال لتعلم الشرع... والتزكية هو التهذيب الرحماني لمسلك الإنسان ..وله أبواب كثير وعلوم جليلة ليس أوان ذكرها الآن..ثم قالت الآية الكريمة وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ..فينتهي من يتعلم الشرع.. ويغالب شهواته ومرادات نفسه ويصفع وسوسات قرينه بما يحمل من شرع وتوحيد بأن يصل لمرحلة التعليم الخاص.. وهو أن تفهم باطن الأشياء وتعرضها على مفهوم الآيات ..فتتفتح لك نفس الآيات بحكمة جديدة.. وتربط نفسها بنفسها بآيات آخرى تفتح لك عوالما جديدة أخرى.. وهكذا دواليك حتى ينتشر القرآن في نفسك فتصبح متحققا به كما جاء وصف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إذ وصفه من عرفه بأنه كان قرآنا يمشي على الأرض.. فيصبح كل ما تقول وتفعل محكوما بمراد الله تعالى فيك ..وهنا تنال مرتبة المحبوبية.. وهي المرتبة التي وصفها الله تعالى بقوله عز من قائل: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها.. فهل هذا الأخير حال إكرام وسلطة أم حال خضوع وسلب إرادة؟
قلت: بل حال إكرام وسلطة!
قال: فلو أراد هذا العبد ان يبطش بجاره ..وجاره مظلوم.. فهل يبطش بيد الله؟..وكيف يبطش الله بمظلوم؟
قلت: الأصل ان هذا العبد المتحقق بمرتبة المحبوبية لا يبطش بظلم! لأنه يرقب مراد الله فيه وفضله عليه في كل أعماله وأحواله.
قال: فهذا حال سلب إرادة وليس حال منحها وإمدادها! وهذا شأن الملائكة فهي لا تعصي لله أمرا... والمسلم الذي يلتزم بذاته بأمر الله دون ترهيب أو ترغيب أو شهود منّة هو أفضل من الملائكة..لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم جبلّة فيهم..بينما هو قادر على المعصية ممتنع عنها تقديرا لنظرة الله إلى قلبه وخشيته من يوم الحساب. وكذلك فلو أحببت الوصول لمرحلة الداعية يجب عليك أولا أن تصل لمرحلة التخلص من مرادات نفسك القبيحة وأهمهما حب الجدل وحب الظهور والشهرة..فمعركتك تبدأ من نفسك!


اتمم الشيخ كلامه قائلا: أهم ما تفعله أثناء الحوار مع غير المسلم –ودعني هنا أشمل جميع الطوائف تحت هذا المسمى بما في ذلك العلمانيين الذين يدّعون الانتساب للإسلام- أن تكون متمثلا للدين الإسلامي في جميع مناحي حياتك.. أفضل رد على جاهل بالدين هي أن يراك تمارسه يوميا بدون أن يؤثر هذا على حياتك..أن تكون عالما أو تاجرا أو وزيرا آو صناعيا أو أديبا.. وتمارس دينك فينعكس أثر ذلك على عملك وحياتك إيجابا لا سلبا..ولا يمكنك ذلك ما لم تكن مقتنعا أصلا بما تفعل..الكثير من الشباب يجادلون العلمانيين في أمور هم أصلا غير مقتنعين بها ولا يملكون عليها دليلا.. مثال ذلك حجاب المرأة أو قوامة الرجل أو حرمانية الاختلاط مثلا...بل وحتى قابلية الشرع الإسلامي للتطبيق على أرض الواقع..فكيف يدافع مثل هؤلاء عن الإسلام وعن مرجعية الإسلام في كل مناحي حياتهم؟
قناعتك بالإسلام تسهل عليك شرحه لغيرك..عمليا ونظريا..وما يفشل جهدك في شرح فكرة ما إلا اختلال ميزانها في عقلك.. وتشتت شواهدها في ذهنك..
الميزان الثاني: أن يكون مقصدك هو الله في حوارك.. فتعرف هدفك من الحوار.. عليك بمراقبة أحوال نفسك أثناء أي حوار... فما أسهل أن يُدخِل الشيطان على نفسك حب الجدل وحب الظهور ..أو يدفعك للغضب... أو يشتتك.. فتسقط في خطأ منهجي أثناء الحوار..أو يفسد عليك حضور قلبك مع الله.. ليس المهم أن يقتنع من هو أمامك بما تقول..المهم أن توصل الفكرة بشكل سهل يسير سلس.. وتكون هذه الفكرة نابعة عن حالك تتمثلها في جوانب حياتك..لا أن تتحدث عن شيء لا يخالج قلبك.. وتذكر أنك لا تخاطب العقل في غير المسلم بالضرورة..بل تخاطب أساسا نفخة الله في من هو أمامك..
صمت الشيخ قليلا وهو يرى في عيني الحيرة من كلامه..ثم قال: هل تعرف ما أعنيه بنفخة الله في الإنسان؟ إنها ذلك الجزء القادر على الاتصال بالله.. إنه ذلك العهد الذي قطعه بنو آدم على أنفسهم ألا يعبدوا إلا الله..ألا ترى قوله تعالى عز من قائل: واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين}.(الاعراف/172)
هذه الشهادة التي شهدتها جميع الأنفس حتى قبل أن تبث في الأجساد هي مناط التكليف.. ولهذا يسمى الله القرآن "بالذكر والتذكرة" لأنه يذكر الإنسان بهذه الشهادة - شهادة التوحيد- والتي شهدها وهو في صلب آباءه.. هدفك من الحوار إعادة نفس المتحاور معك للتتذكر هذه الشهادة.. وتعيد اتصالها بالله.. فقل بالله عليك كيف تصل غيرك بالله وأنت غير متصل بالله أصلا؟ كيف تخاطب أعمق مناطق النفس البشرية في نفس غيرك...تلك المنطقة المختصة بالتدين..وأنت غير قادر على مخاطبتها في نفسك؟

تبسمت تبسم المقر بعجزي عن فعل هذا وقلت: صدقت!

تابع الشيخ قائلا: الميزان الثالث: أن تكون فاعلا في الحوار لا منفعلا به.. هدفك أن تكون أنت مدير الحوار..أن تعرف كيف تبدأ وكيف تنتهي..وتعلم منطق الحوار الذي يؤدي لنتيجة منطقية.. متجنبا الجدل الطويل الفارغ الذي لا يؤدي إلى مكان.. كلما طُرِحت فكرة حاول أن تلخصها وتضع مقدماتها ودلائلها.. تعلم أن تطالب بالدليل قبل أن تناقش أي فكرة أو شبهة..لا تقبل كلاما من قبل "قيل لي"..أو "من المعروف أنه".. لقد حاورت الشباب والكبار والعلماء من العرب وغير العرب لسنوات.. وأسهل شيء لنقض شبهة هو أن تطالب بالدليل.. وسترى أن هذه الشبهة في الغالب ذهبت وذهب معها الكثير من الشبهات الأخرى التي يحفظها المحاور دون دليل.. أما إذا أتاك بدليل فحاول فهم الدليل وتفنيده أو شرحه بالصورة السليمة.. استخدم الحجج العقلية أولا ..لان حجج النقل تصعب على فهم غير المسلم ..فأغلب غير المسلمين لا يفقهون علم الجرح والتعديل ولا يتعاملون به..حتى في الأمور العلمية!

الميزان الرابع: انظر إلى من أمامك على أساس أنه يريد التعلم.. أنظر إليه على أساس انه أخ في الإنسانية تائه يبحث عن الحق... حاول ان تكسب وده وصداقته.. وتمثل قوله تعالى:

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ((النحل125)

حاذر أن تحكم على أحد حكما مسبقا حتى يتبين لك ما هو معدنه، فالكثير من الشباب يكون مشحونا بالكثير من الشبهات، وما أن ترد عليه بقليل من الوعي والصدق حتى يذوب كم الشبهات هذا فيصبح محاورك مطواعا لينا بين يديك.. ويصبح الحوار معه متعة وعبادة في ذات الوقت..

إما إن كان محاورك غير هذا فاعتمد على أن تدحض الشبهات بكلام مختصر ..عقلي ونقلي.. ولا تتفرع في الجدل لأنه لن يوصل إلى أي نتيجة.. فرصتك الوحيدة هي أن تذكر نفس محاورك بعهده مع الله بالعبودية له.. فلا يوصل العقل عادة إلى نتيجة بسهولة.. النفس البشرية تستخدم العقل لتحمي نفسها من أن تغير وضعها الذي ترتاح فيه... لقد توصلت النفس البشرية للإلحاد بتطبيق المقاربات العقلية ، وجميعها خاطئة معلولة هدفها الأساس التخلص من الأخلاقيات التي تمنعها من ممارسة الفساد.. لان الدين لا يمنع الإنسان عن التفكير ..بل لا يقدر على هذا حتى ولو حاول.. وبالتالي فلو كانت قضية الإلحاد أو اللادينية ناجمة عن معارضة العلم للدين، لكانت أهم النقاط المطروحة للنقاش هي مشكلات علمية يعارضها الدين.. ولكننا نرى أن أغلب الطروحات تصب في النهاية في خانة تحرير الإنسان من التزاماته الأخلاقية ..فما الداعي للدعوة إلى تحرير المرأة ومشاركتها الرجل في العمل في بلد تبلغ فيها البطالة نسبا عالية كأفغانستان مثلا؟ إذا كانت العلمانية عاجزة عن تقديم حلول للشباب العاطل عن العمل.. فهل سيؤبه لها وهي تسعى لإضافة نصف المجتمع الثاني إلى قائمة العاطلين.؟

الميزان الخامس: لا تتمسك بالحوار على حساب المبادئ.. أغلب المحاورين اللادينيين يحاولون شخصنة الحوار أو تحويله لمشاتمات أو للسخرية من الخالق عز وجل أو من الدين بغرض استفزازك... فإذا ما نجحوا في هذا عادوا لنغمتهم القديمة حول احترام الرأي الآخر والحوار... لهذا فعليك أن تتخلى عن حوار يسخر فيه محاورك من الله أو من مبادئ الإسلام..موضحا أن سبب انسحابك هو قلة أدب محاورك.. وتمثل قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا (136) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء

كلام الله إعلان مبين لحدود الحوار مع اللادينيين..مبتدأ الحوار هو معرفة موقف محاورك من شرع الله وكتبه المقدسة.. فلو كان منكرا لها فهو من الكافرين الضالين..حتى ولو قال بلسانه أنه ليس كذلك....بل يمكنك أعتباره من المنافقين- لو كان مصرا بعد إقامة الحجة عليه-....هؤلاء الذين يعلنون انتماءهم للإسلام ثم يكفرون به أثناء الحوار ..فإذا ما أحسوا أن كلامهم أخرجهم من الاسلام عادوا ليعلنوا انتماءهم إليه .مبررين كلامهم واستهزاءهم أو نقدهم بالغيرة على الإسلام..وبحرية الرأي وبغيرها من المسلميات...ولقد وصف القرآن هؤلاء بالمنافقين.. الذين يرون أن منطق القوة الذي يتبناه غير المسلمين ومعالم المدد الدنيوي هي مصدر العزة.. ويرون في ضعف المسلمين وقلة حيلتهم هوانا لا يرغبون في أن يكونوا جزءا منه..فهؤلاء لا يفقهون معنى العزة الحقيقي..العزة بالله.... حدودنا في الحوار مع هؤلاء النقاش المؤدب .. فإذا ما تجاوزوا حدود الأدب يتوجب عليك مغادرة المكان فورا.. متجاهلا أي حديث لنفسك يطالبك بالبقاء لإثبات وجهة نظرك والدفاع عن دينك.. وخروجك من هذا المجلس يعني أنك فوضت أمرك لله فيمن تجاوز الأدب معه.. ولما كان هدفك رضى الله تعالى لا الجدل ..فالتزامك بأمر الله بالمغادرة هو الأصل..لا البقاء لإقامة الحجة!

أنظر حديث الله تعالى عنهم لتعلم أنك لا تظلمهم بترك مجلسهم.. فالنص التالي استمرار للآيات السابقة في نفس السورة:

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) النساء..

المحاور الذي يستخدم أسلوب السخرية من الله ورسوله هو أسوأ من إبليس في خطابه مع الله.. فهو في الدرك الأسفل من النار.. مشاركا مردة الشياطين في عذابهم بفكرهم.


يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66) التوبة

يجب أن يتركز الحوار مع المنافقين من اللادينيين الذين يدّعون الإسلام على الأساسيات لا الفرعيات.. التوحيد والحاكمية لله وغيرها.. فإذا ما أنكرها أخرج نفسه من الإسلام.. وبالتالي يجب أن تعامله معاملة غير المسلم أثناء حوارك معه..لأنه أساسا لا يقرّ بصحة نصوص القرآن والسنة..لكن تأكد أن العلماني لن يخرج مخبوءات نفسه هذه بسهولة.. فدأبهم أن يخفوا البغضاء في قلوبهم.. وأن يبدوا المحبة والديمقراطية!!..فتأكد ألا يميل قلبك لدعواهم.. فهم منافقو هذا العصر

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنتُمْ أُولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120) آل عمران

ليست هناك تعليقات: