مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




٢٩ أيلول ٢٠١١

إيه يا بلد الأرقام


..عالم أرقام..


في بلاد تتحدث عن المستقبل...
رغم أن الحاضر انتحر على أعتابها.. قرفا من ساعات الكسل المسترسل.
في بلاد تتحدث عن أهمية الثواني والدقائق...في عالم البورصة والمال والعمل
رغم أن الأيام تموت جوعا ..وهي تنتظر من يرويها بشيء من الأمل
في بلاد تتحدث بالأرقام..
رغم أن الرقم فقد معناه فيها..على مرور الأيام
عشت خمس سنوات هي في ميزان "الآخر" خمس سنوات من التبرع الخيري...
أتمتع فيها بخيرات البلد وكأنني لاجئ أفغاني...أو هارب من جحيم الحرب..
متناسين أنني جئت كما جاء غيري...أقدم ما آخذ مقابله..
في بلد هو كأي سوق عمل فيه العرض والطلب..
خمس سنوات لم أكن فيها إلا مجرد "رقم وظيفي" في الداخل ..ورقم "إقامة " في الخارج..
رقم ..إذا مسح بالخطأ من الحاسب من قبل موظف متخلف.. تحولت من أستاذ جامعي ..إلى طريد لكلاب الجوازات..
كما حصل مع غيري... وكما سيحصل معي أنا..
رغم شهاداتك ومستواك وقيمتك وأهميتك بالنسبة للمكان الذي جئت منه ..وإليه..
إلا أنك وللحظة..تكتشف أنك حتى في الداخل الذي يحترمك..تعامل كرقم ...
تضيع الحقوق المالية والمعنوية ...بمجرد أن تختفي من عالم الأرقام المخزنة ..بأيد غير أمينة..
تتداعى عليك الأكلة ..وتكثر حولك الكلاب... تفقد أقل حقوقك بأن تجد لك بيتا يؤويك..
أو أن تجد لابنك المريض أو زوجتك الحامل مستشفى يداوي ما بهم من آلام ويعتني بهم..
تفقد حقك في أن يكون لك أي كيان..
بمجرد أن تفقد هذا الرقم...

...لحظة استقلال....


خمس سنوات من الألم والغربة والتفكير المتواصل بلحظة الخلاص المحال ..
تنتهي بجرة قلم منك.. بتوقيعك الاستقالة ...صك الحرية...والاستقلال..
لتبدأ مأساة أخرى تكتشف فيه أنك ما زلت رقما..
"صبحك الله بالخير يا الدكتور...لقد تم قبول استقالتك تحت الرقم كذا وكذا"
"طيب جزاك الله خير..والآن وين صارت المعاملة؟.."
"خذا هذا الرقم واسأل في الصادر والوارد"
....
"ما وصلنا شيء يا دكتور...أنت متأكد أنك قدمت هذا الطلب؟!"
"يا ابن الحلال ..هذا رقم الصادر من الموظف اللي قبلك.."
"أبشر... أدورها لك ولا يهمك...تدلل!"
....
" أبشر لقيتها...صدرت من عندنا بتاريخ كذا ورقم كذا.. وراحت مكتب الدكتور فلان..."
..
" السلام عليكم..عندي معاملة وصلتكم بتاريخ كذا.. واليوم لها أسبوع وما طلعت من عندكم.."
" الدكتور وضعها تحت الدراسة... وإن شاء الله بتطلع من عنده قريبا!"
" بس الدكتور الله يبارك فيه ما له علاقة فيها ..يعني أساسا ما يقدر يتخذ أي قرار فيها..لازم يحولها للجهة المختصة ..وهي مرت عليه لمجرد الروتين.."
" أجل اصبر ..ولا يهمك.. تراها بتصدر اليوم أو بكرة..تعال لي بعد الصلاة"..
وتأتي بعد الصلاة لتكتشف أنها لم تدخل إلى مكتب الدكتور أساسا..بل هي مدسوسة في مكتب موظف آخر.. تحتضر مختنقة تحت أكوام من المعاملات التي تلتها في التاريخ..
وتأتي بعد الصلاة لتكتشف أنها لن تدخل مكتب الدكتور لأن " شرحها " لم ينته بعد..فالموظف لم ينتبه أساسا أنها موجودة..وبالتالي لم يكتب أي شيء عنها في نموذج الإحالة..
وتأتي بعد أسبوع لتكتشف أن الدكتور لم يخرجها من مكتبه.. وأن لا قوة في الأرض تستطيع أن تسأل –مجرد سؤال- ماذا حلّ بها..
ولتكتشف أن الدكتور إمام مسجد في المساء... ولكنه إله في الصباح يصلي له الموظفون .. ويخشاه المراجعون، ولا نقاش في حكمه ، ولا تدبير إلا تدبيره..لا يسأله أحد ما فعل في عبيده....
ولتكتشف أن الدكتور وبعد عشرة أيام من المراجعات..أعاد المعاملة إلى نفس المكتب التي صدرت منه قبل شهر..طالبا منهم إبداء الرأي!!
وتمر الأيام... ويأتيك التلفون زافا الخبر السعيد أن معاملتك انتهت.. لتكتشف أنها معاملة "جمال" ..الدكتور الذي قدم معاملته بعدك بشهر..
وتأتيك البشرى أنها حوّلت للجهة التنفيذية.. منهية مسارا طويلا من الألم والترقب والتعب والقلق ..وأنت تعيش بلا رقم.. وتخاف أن تتصيدك كلاب الأرقام..مطالبينك بإقامتك.. وتخشى أن تخالف حتى قانون السير...لأن لا "كفيل" لك يخرجك من غياهب السجن في حال دخلته...
تأتيك البشرى... وتنتظر أسبوعا تسأل جهة الخلاص متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.. ويأتيك الجواب يوميا "ما وصلنا شيء"
وتذهب لتسأل مرة أخرى.. لتكتشف أن الموظف الذي قال لك أنه حولها للجهة التنفيذية..حولها بالخطأ لنفس المكتب الذي ابتدأت أنت منه تقديم طلبك.. والذي حولها لمكتب "الدكتور" كونها لا تدخل في نطاق عمله.. وبالتالي ابتدأت المشوار من الصفر..بل من ما تحت الصفر..إن كان هناك شي تحت الصفر إلا بلادنا..
"عزيزي..ما وصلني شيء الله يهديك..فأنا لست جهة منفذة.. وليس لدي أي شيء يتعلق بك.."
"طيب الإحالة جاءت إلى مكتبك!..."
" ما ظنيت...لحظة أكلم لك فلان الذي أحالها إلي..ألو..حياك الله أبو فلان..كيفك وكيف البزور.. والأهل؟ ..كلهم طيبين! .....والوالد..عسى صحته زينة.. وابنك زوّجته وإلا لسه......(".....")
..أقول...أيش قصة المعاملة باسم الدكتور فلان ابن فلان..... يا أخي ما وصلني شيء!...طيب جيب نسخة عنها وتعال.."

....وحيدا بلا رقم....

بعد خمس سنوات ..تكتشف انك ضعت في عالم الأرقام..
وأن الموظف أعاد تحويل المعاملة حالما وصلته..كونها لا تقع ضمن اختصاصه..
ولكن إلى جهة غير معلومة... وبغير رقم إحالة..
بعد خمس سنوات ..تكتشف أنك فقدت الرقمين... رقم الإقامة ..ورقم الإحالة..
وأنك وحيد في بلد يأكل ما تبقى من رصيدك في البنك ..وحيدا بلا راتب ولا كفيل..
ممنوعا من أن تستأجر منزلا بدل ذاك الذي انتهى عقده..
غير قادر على مراجعة المستشفى لتطمئن على صحة زوجتك الحامل..
بل أنك عاجز حتى عن العودة إلى بلدك...مضحيا بكل ما تبقى لك هنا..
لأنك..لست رقما

أدب أبليسي

عندما تجتمع الغرابة والهدوء والصلابة في شخص.. مترافقة مع لحية بيضاء توحي بخبرة صاحبها الذي عركته السنون، مع صمت مطبق يشعرك بان صاحبه من أولئك الناس الذين ما زالوا يؤمنون أن الكلمة سيف ذو حدين، وأنها ما أن تخرج من بين الشفتين حتى يصعب استرجاعها أو إصلاح أثرها...مع نظرة عميقة تشعرك بالرهبة من ناظرها، مع قدرة فائقة على تجنب الجدل والصيام عن الكلام الذي لا طائل منه.. مع جزالة في الحديث وبراعة في الأسلوب ..مترافقة بقدرة على تضمين الجملة الواحدة عشرات المعاني حتى ليكاد كل من الجالسين يفهم الجملة الواحد فهما خاصا به يميزه عن غيره...فأنت أمام الشيخ بكري.

يكاد المسجد الصغير الذي يدرس فيه الشيخ ينطق بتاريخ سلسلة المشايخ التي عمرّته على مدى القرون من الزمان والتي عاصر خلالها هذا المسجد الحياة المتقلبة للمدينة القديمة، بكل ما فيها من تناقضات الحكم والطباع والعادات وتغيرات البشر..يبدو أن الخشب له قدرة كبيرة على تذكر التفاصيل والبوح بها للزائر.. أيقنت بأن حديث حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم صادق لا محالة عندما رأيت الغرفة الخاصة بالشيخ بكري...كانت تلك غرفة الخلوة في ذلك المسجد الأثري، لكنها كانت على بساطتها العمرانية قطعة أدبية تكاد تنطق بالعثمانية، يفوح منها شذى ماضي قريب، وتكاد تسمع منها دبيب رقصات جلال الدين الرومي على إيقاع الحضرة.

كنت قد نشأت في هذا المسجد منذ طفولتي، دخلته لأول مرة عندما كنت في الخامسة من العمر لأحفظ القرآن. وتعلقت به منذ ذلك الوقت، وإن كنت لست مواظبا على دروس الشيخ.. أذكر أول مرة دخلت فيها المسجد برفقة أبي، وأذكر كم هو غريب إحساس الطفل برهبة الدخول لمكان مقدس ، يكون هذا الإحساس عظيما جدا في تلك الفترة، ثم ما يلبث أن يتلاشى رويدا رويدا مع بلوغ الطفل سنة الفتوة والشباب حتى يتحول أخيرا إلى عمل روتيني يؤديه كل يوم... كان الشيخ بكري يعلمنا أن السنة النبوية التي تقضي بضرورة دخول المسجد بالرجل اليمنى وقراءة الدعاء المأثور هدفها الأساسي خلع الإنسان من جو الروتين هذا ودفعه للإحساس بأنه يدخل مكانا مميزا سيلاقي فيه ربه.. ، وهذا ما كان يسميه بحضور القلب .. والذي يؤدي لتحويل العادة إلى عبادة. لم يكن الشيخ بكري متصوفا بالمعنى الدارج للكلمة، لكنه كان مربيا فاضلا يستغل القصة والحكمة مهما كان مصدرها ليوصل فكرة عميقة المعنى بعيدة التأثير في النفس معتمدا المنهج القرآني في اقتضاب القصص وحذف التفاصيل التي تبعد المستمع عن المعنى.

كنت أشعر بأن الشيخ كتلة من الأدب والعلم والأخلاق، لا أكاد أحدثه في أمر إلا وأعطاني فيه من فيض علمه ملخصا موجزا يكفيني سؤال غيره. حتى جاء ذلك اليوم الذي التقيت فيه بمازن..
مازن هذا شاب من حارتنا درس الثانوية في نفس المدرسة التي درست فيها، لكنه أكمل تعليمه في ألمانيا، وانقطعت أخباره منذ ذلك اليوم عني.. لكن شاء الله تعالى أن أراه في دائرة حكومية بعد حوالي سبع سنين فأسأله عن أخباره و ما حصل معه.. أخبرني عن شهاداته ودراساته وعمله الحالي في شركة أجنبية تعمل في البلد، وتطور الحديث إلى دعوة للغداء انتهت عند أذان العصر.. ركبنا في سيارتي و توجهت تلقائيا لأقرب مسجد لأداء الصلاة، لكنه لم ينزل منها، أخبرني انه لم يعد مهتما بهذه التعاليم البالية التي يدين بها العالم الإسلامي، وأنه قرر أن يكون جزءا من ركب الحضارة التي تمارسها الإنسانية جمعاء، والتي يعاديها الإسلام ويتمنى زوالها بسبب ضيق نظرته وعداءه لكل ما هو حديث.

لا أنكر أنني شعرت بخنجر يغرز في قلبي من كلام مازن، فهو صديق مقرب، ورغم شكوكي بأن أغلب الشباب الذين يسافرون لأوربا يعودون وهم يحملون هذا الفكر الغبي، إلا أن مساس هذا الجنون لصديق مقرب لي كان صاعقا.. أنهيت الصلاة وعدت إلى السيارة لاستأذنه في إكمال الحوار معه بخصوص آراءه الشاذة .. تجادلت معه لساعتين متواصلتين، ثم ولما عجزت عن التوصل لاتفاق قررت التوجه معه إلى منزل الشيخ بكري، فكلام مازن فلسفي يحمله كأسفار يحفظها ولا يفهم منها شيئا، وتفنيدها يتطلب رجلا خبيرا باستخدام الألفاظ، الأمر الذي لم أتقنه، والذي أدى لدوراننا في دوامة من الألاعيب اللفظية لم نخرج منها بشيء.

استأذنت بالدخول إلى مجلس الشيخ، فإذن لي ابنه الأكبر محمد.. سلمت على الشيخ وللغرابة سلم مازن أيضا على الشيخ بأدب واحترام..ثم ابتدأت التعريف بالمتحاورين ومن ثم بأطراف الحوار... وبدأ مازن بعدها يطرح شبهاته.. والشيخ كعادته يستمع باهتمام كبير وكأنه يستمع لهذه الأفكار لأول مرة في حياته..انتهى مازن من طرح أفكاره، ولكن الشيخ بقي صامتا، ثم سأل مازن سؤالا غريبا ظننته لأول وهلة مناورة لكنه تبين انه غير ذلك.

سؤال الشيخ بكري كان: ما عدد ركعات سنة تحية المسجد يا مازن؟ تلعثم مازن ورد باقتضاب :أظنها اثنتين!

الشيخ بكري: وهل صليتها قبل الدخول إلى مجلسي؟ فمجلسي كما ترى في المسجد!
مازن: أنا لا أؤمن بالصلاة لأنها تمثل طقوس التبعية للمؤسسة الدينية التي تحاول السيطرة على عقول البشر.

الشيخ: هل تؤمن بوجود الله؟

مازن: ليس هذا موضع حديثنا، أنا أتحدث عن سيطرة لدين على مناحي الحياة العامة وكيف يعادي القائمون على المؤسسة الدينية تطور مجتمعاتهم ...

الشيخ مقاطعا: سؤالي واضح.. هل تؤمن بوجود الله؟

مازن: لنفترض أنني أؤمن به، هذه علاقة شخصية لا دخل لها بنقاشنا؟
الشيخ: آخر مرة صليت فيها قيام الليل قبل أن يصيبك ما أصابك...متى كانت؟

واستمر الشيخ في سؤال مازن أسئلة من هذا النمط..ومازن يجيب إجابات غير قطعية ويراوغ كيلا يدخل في نقاش مع الشيخ حول انتماءه للإسلام.. ثم يعود مازن ليسأل واحدا من أسئلته الكثيرة، ولا يجيبه الشيخ إلا بسؤال عن حاله مع الله..ومدة التزامه بالإسلام قبل ارتداده .

لا أنكر أنني كنت اشعر بالدم يتدفق في عروقي من طريقة إدارة الشيخ للحوار..فكلنا يعلم ان العلماني شخص لا يمارس في العادة التعاليم الإسلامية لان يعتبرها السبب في تخلف الأمة.. وبالتالي لا فائدة من نقاش مدى التزامه بالإسلام قبل تحوله إلى العلمانية...كانت لدي مئات الأجوبة لكل سؤال سأله مازن، وكنت على يقين بأن الشيخ يملك إجابات أفضل بكثير..لكنه أصر على إتباع هذه الطريقة التي –بقناعتي-لن تؤدي لشيء.
أنهى مازن الحوار فجأة صارخا.. : أنت تعبث بالكلام وتضيع وقتي.. من الواضح أنه ليس لديك إجابات شأنك في هذا شأن بقية المنتمين للمؤسسة الدينية..أعذرني فأنا سأغادر..

رد الشيخ بهدوء: لقد غادرت منذ اللحظة التي تبين لي فيها انك لا تعرف الإسلام أصلا..ولم تمارسه لا قبل انتماءك للعلمانية ولا بعدها.. أنت تعجز عن الانخراط في تجربة الإسلام.. ولهذا تريدنا أن نخرج منه لعجزك أنت عن الدخول إليه وممارسته.. أنت يا ولدي لم تعش لحظة في الإسلام.. ولا تدري شيئا عنه إلا ما أخبرك معلموك العلمانيون عنه..لم تذق معنى "واتقوا الله ويعلمكم الله" ولهذا تعتقد أن ما توصلت إليه من شبهات حول الإسلام كافية لنقضه. نصيحتي لك أن تقف بين يدي خالقك لحظة في جوف الليل وتسأله الهدى، مستحضرا عظمة الآية الكريمة "ففروا على الله" ومتأدبا في حضرته متذللا له طالبا الغفران لقلة أدبك معه.. وأعلم ان ما أنت فيه من حال هو حال استدراج رحماني من باب قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم:

إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (5)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (6) البقرة.

يا بني مازن، لست بدعا من الناس ولست أول من يظن انه جاء بدعوة الإصلاح لأهله، لكن أنظر عمن أخذت هذه الدعوة؟ إنها عن نفس الفئة التي حاربتك واضطهدتك وسرقت خيرات بلادك مدعية انها جاءت لتعمّر البلاد وترشد العباد.. فلا تكن ممن قال الله عنهم في نفس السورة:
ومن الناس من يقول أمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين (7) يخادعون الله والذين أمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون (8) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (9)وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (10) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (11) وإذا قيل لهم أمنوا كما أمن الناس قالوا أنؤمن كما أمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (12) وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا أمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (13) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (14) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (15)

التطور المادي ليس مقياسا لصحة الحضارة، وليس كل من يملك السلاح والقوة يملك مفاتيح الصواب ويسير على جادة الهدى، فالله تعالى يقول انه سيمد الكافرين والمنافقين في طغيانهم يعمهون..ويقول ايضا:

مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا.(18) الكهف..

واستمر الشيخ يرقق قلب مازن بهذه الطريقة، وأنا ومازن نكاد ننفجر من هذا النقاش..حتى إذا ما انتهى سلمت على الشيخ وخرجت مع مازن لنكمل جولة أخرى من النقاش لم تنته حتى قبيل صلاة الفجر بدقائق.

لم التق مازن بعد هذا أبدا، لكن عجز الشيخ وعجزي عن إقناع مازن كان مؤلما جدا بالنسبة لي، وبقي هاجس هذا الحوار يدور في خلدي ويؤرق منامي أياما حتى قررت أن أذهب إلى الشيخ فأخرج له مكنونات صدري وأسأله لم عجز عن الرد على مازن..
دخلت حجرة الشيخ فتبسم.. بقيت لحظات الصمت بيننا بانتظار من يبدأ الحوار.. ثم بادرني الشيخ بسؤال: من أول كافر بالله؟
ردد بسرعة: إبليس!
قال: دليلك؟
حار ذهني وإنا استذكر الآيات المتعلقة بإبليس.. ولكن الشيخ قاطعني قائلا: لم يكفر إبليس بالله طرفة عين، ولم يرفض السجود لله طرفة عين.. إبليس هو رمز للتفكير المنطقي غير المستند على أسس شرعية....هل وجه الله أمرا لإبليس بالسجود له فرفض؟
قلت: لقد رفض السجود عندما أمره الله بذلك.

قال: أمر الله الملائكة بالسجود ولم يوجه الأمر لإبليس به، لكن لم يعرف عن إبليس في ذلك الوقت رفضه لأوامر الله.. لهذا جاءت الآية لتقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ( الكهف)

فأبليس لم يكن من الملائكة وبالتالي لم يتلق أمرا مباشرا، لكن توجب عليه أن ينصاع للأمر كما انصاعت بقية المخلوقات.. رفضُ إبليس للسجود لم يكن على رفضا لأمر الله بقدر ما كان مقارنة عقلية بليدة منه..فهو يرفض السجود لمخلوق آخر معتقدا انه بهذا يحافظ على ترتيب الأفضليات داخل المملكة الألهية:

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) سورة ص..

الأفضلية عند إبليس كانت في الخلق.. ولهذا رفض السجود لمخلوق أدنى منه.. لكن هذا الرفض تميز بأدب إبليسي يفتقر إليه الكثير من البشر.. فأول من كفر بالله هم بنو آدم .. وأول من رفض أوامر الله هم بنو آدم..بل و أول من رفض فكرة وجود إله هم بنو آدم.. انظر إلى أدب إبليس في حواره مع ربه حين ينسب الخلق لله.. لم يقل أبليس مثلا: أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ فأنا مِن نَّارٍ وهو مِن طِينٍ... بل نسب الفضل في تفضيله نفسه على آدم إلى الله تعالى ..فهو يعتقد بأفضليته على آدم لكنه ينسب هذه الأفضلية لخلق الله تعالى له على هذه الصورة لا لنفسه.. وهذا ما يفتقده الكثير من علمانيي هذا العصر..
حتى عندما تحدى أبليس أنه سيغوي آدم، لم ينكر انه ما زال مخلوقا خلقه الله فلا يستطيع أن يخرج عن مراد الله فيه..لهذا نراه يقول في نفس السورة:

قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (78) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (77) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (78) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (79) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (80) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (81)

لقد علم أبليس انه سيأتي يوم معلوم تنتهي فيه مرحلة اختبار آدم المخلوق.. وأن هذا الوقت يعلمه الله فطلب من الله أن ينظرنه إلى ذلك الوقت، وهدفه من هذا إثبات أن ليس لآدم أفضلية عليه، فهو جاهل يستطيع إبليس إغواءه وتضليله، لكن أدب إبليس ما زال مستمرا ليقر أن كيده لم يكن ليبلغ كل بني آدم ..لهذا استثنى إرادة الله في عباده بقوله: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ!

بل علم إبليس انه أعجز من أن يتحدى إرادة الله في إغواء من يشاء، لهذا حلف بعزة الله أنه سيفعل هذا وهذا إقرار منه بعجزه وبقدرة الله على منعه من تنفيذ ما أراد، بينما لا يرى ملحدو وعلمانيو هذ العصر مكانة لإرادة الله وعلم الله وقدر الله في عباده.. لهذا فإبليس أكثر أدبا من جميع هؤلاء..
قلت مستغربا: أتريد أن تقول أن إبليس خير منهم؟
قال: انظر إلى أدب إبليس في استئذان ربه بان يسمح له بتنفيذ خطته..

قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) الأعراف

لقد استأذن ربه في تنفيذ خطته ليثبت عجز آدم وعدم أفضليته، ثم شرح لربه كيف سينفذ خطته بالتفصيل.. ثم كان من الأدب بحيث لم يذكر انه سيأتي لبني آدم من فوقهم لأن هذا مكان إلقاء الله هداه في صدر بني آدم..وليس لإبليس السيطرة على موقع هذا التلقي..ثم أخبره أن نقطة الفساد العظمى التي سيبدأ بها هي جعل بني آدم ينسى فضل الله عليه (وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) .. وهذا ما فعله مع سيدنا آدم حيث جعله يبحث عن الملك والخلد بينما هو في الجنة حيث الملك والخلد أصلا.. فعدم قدرة آدم آنذاك على تمييز فضل الله عليه هي ما دفعه لإتباع إبليس... والخلاص من هذه التبعية هي بالتوبة إلى الله والالتجاء إليه.
.
فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) البقرة

لقد تجاوز الملاحدة واللادينيون والعلمانيون حدود أحلام إبليس ..لهذا وصف الله تعالى كيد إبليس بأنه ضعيف..فلم يكن إبليس يريد إلا إثبات عدم أهلية آدم أن يفضله.. لكن بني آدم أثبتوا ان كيدهم وكفرهم عظيم..أعظم من تخيلات إبليس ومخططاته!

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) مريم

صمت الشيخ قليلا ثم سألني: لماذا اعتُبر اعتراض إبليس فسقا عن أمر الله ولم يعتبر اعتراض الملائكة على خلق آدم فسقا؟
أجبت: لم يعص الملائكة أمرا مباشرا لله عز وجل؟
رد علي: لكن الاعتراض على إرادة الله معصية، وقد أراد الله خلق آدم وجعله خليفة له في الأرض..

لم أجب كعادتي، فأنا اعلم أن الشيخ يطرح سؤالا ثم يجيب عنه بتفصيل ..وأي جواب مني سيؤخر حصولي على جوابه.. وبالفعل فقد تابع الشيخ كلامه قائلا: لم يكن كلام الملائكة عن خلق آدم اعتراضا.. بل استفسارا عن الحكمة من خلقه... فهو مخلوق قادر على الاختيار بطبيعته، حر الإرادة، ومن الطبيعي لكل حر في الاختيار غير منضبط بتبعية لله، لا يرى الله ويؤمن حقا بوجوده أن ينتهي في حفرة إنكار وجود الله أصلا.. آدم كان قادرا على رؤية الملائكة وعلى الاتصال بعالم الألوهية والخطاب المباشر مع الله، يقينه بوجود الله كان مطلقا لكنه تعرض للخديعة من الشيطان من خلال جدلية فارغة تمنح آدم شيئا كان يملكه أصلا.. حرية الاختيار هذه هي مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، هي المدخل الذي وعد إبليس أن يلج منه إلى بني آدم ..لكن إبليس اقر بعجزه عن الولوج إلى نفس تتصل بالله.. ولهذا قرر ان مداخله للنفس البشرية هي من أمامها وخلفها ويمينها وشمالها، لكنه لم يذكر انه قادر على الدخول إليها من فوقها.. فنقطة الاتصال هذه هي نقطة التكليف.. وقطع الإنسان لجهة الاتصال العلوية بربه او وصله لها حرية شخصية يبين إبليس بوضوح عجزه عن التحكم بها.. بل أن إبليس ينكر أنه كان مشركا بالله وأنه كان السبب المباشر في كفر أحد ما بالله .. قدرته وقفت عن حدود الدعوة بالكلمة، أما بقية الكفر فهو قرار شخصي يتخذه الإنسان بعيدا عن تحكم إبليس

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) إبراهيم

عجيب حديث إبليس في القرآن، فهو لا يستنكف عن إظهار ضعفه في مواطن الضعف، وعن الإقرار بعجزه عن إقامة الفعل في مواطن العجز، بل يسأل الله تعالى ان يسمح له بإغواء بني آدم، ويقر أنه عاجز عن قطع صلة الإنسان المباشرة بربه.. بل ويقر أن الأفضلية التي يظنها في نفسه على آدم كونه مخلوق من نار وآدم خلق من طين هي أفضلية غير أصيلة فيه كونه مخلوق تماما كآدم.. وكون الله تعالى هو من أودع لحظة الخلق فيه هذه الصفة التي يفضل –بزعمه- بها عن آدم..

صمت الشيخ قليلا ثم قال: هل عرفت لماذا أصر على إعادة فتح باب الصلة بين مازن وبين ربه؟ لقد أخبرنا الله أن لا جدوى من نقاش الملحدين والكافرين، لان الجدل ومجانبة الحق طبع فيهم..

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا (55)وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) الكهف

الأصل إقامة الحجة عليهم وإنا أعلم أنك قد فعلت هذا سابقا.. لكن يكفينا ان نوصلهم إلى مرحلة التزام الأدب مع الله .. ولو كان هذا الأدب أدبا ابليسيا!

بني! لو أردت الخير لمازن فساعده على إعادة هذه الصلة بينه وبين ربه، تجنب محاورته في ما هو فيه، حاول فقط إعادة تلك الصلة بينه وبين ربه، والله هو من يتدبر باقي الطريق..

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) الكهف

خرجت من غرفة شيخي وانأ أفكر في الموضوع.. فلسفة القرآن وفلسفة السلوك إلى الله في القرآن أمر يخفى على الكثير.. لكنه هناك بين ثنايا الآيات ... لا يعرفه إلا الراسخون في العلم..

بقيت أتذكر تفاصيل تلك المحاورة مع شيخي أياما... وما زلت اقر أنني عاجز عن فهم الأمور كما يريد القرآن أن يوصلها لي..إلا أن أنيسي وسلواي عن جهلي بفهم بواطن القرآن في هذا قوله تعالى: وأتقوا الله ويعلمكم الله..


كان إحساسي بأني قد أفقد مازن تجاوز كل حدود.. بقيت أمشي في الشوارع التي كانت تضمنا في صبانا أياما أبحث عنه..ألاحق آثار الأقدام على رصيف الحارة متسائلا عن مكانه..كنت أتوقع أنني قد زرعت في نفسه بذرة شك ستجعله يأتي للبحث عني ليكمل ما سبق لنا من حوار...كنت أمنّي النفس أن هناك أملا ما في كون حججي وردودي على شبهاته من المنطق والإبهار ما يجعله لا يهنأ له رقاد في ليل ولا يستقيم له نهار ..دأبه يفكر في حوارنا وكم هي واهية شبهاته..تلك الشبهات التي أبعدته عن الله سنوات..فيأتي ليبحث عني أو حتى عن الشيخ ليعلن توبته عن ما هو فيه..أو على الأقل كي يطرح بقية الشبهات التي في نفسه لنخلصه منها... لكن عبثا... ثم جاء ذلك اليوم الذي رأيته فيه قابعا في زاوية مقهى الحارة، ملتحفا ستار الظلام في زاويته ، يعلب النرد هو وبعض الشباب وكأن شيئا لم يكن... سلمت عليه فرد السلام ساخراً: أهلا بشيخ الاسلام! كيف حال شيخك اللجوج؟
اكتفيت بما قال وتابعت طريقي وإحساس الألم يعتصر قلبي..مؤلم أن تكون مقهورا وأنت غالب... مؤلم أن تشعر بالخسارة وأنت رابح.. بالهزيمة وأنت منتصر.. بأن ظهرك مكشوف وأنت تستند إلى أقوى حصن في الوجود..ثم لمع في بالي خاطر..فهرولت إلى المسجد ملتحفا به من قارس أفكاري..... أحسست أن هذا الإحساس بالانهزام هو بداية الطريق التي تؤدي إلى هاوية مازن.. تخيلت مازن وقد طرحت عليه ملايين الشبهات التي عجز عن رد بعضها ولكنه دافع عن دينه قدر ما استطاع... ثم تلاقى مع نفس الشخص الذي حاوره فوجد أن الحوار الذي ظن انه قاصم جازم لا يمكن لسامعه إلا أن يقتنع به لم يؤثر بشيء على محاوره. بل لربما سخر منه محاوره كما فعل مازن معي.. فأصبح مازن يتهيب فتح الموضوع ثانية.. أما تلك النقاط التي لم يحر لها مازن جوابا فما فتأت تعشش في باله وتنخر فيه كما السوس.. حتى إذا أخذت منه كل مأخذ تجرأ وبحث لها عن جواب.. فلما وجده ذهب به إلى ذلك المحاور ليطرح الردود وينتقم لنفسه...ولدينه... فتلقى وابلا من الشبهات... فإذا ما تم عليه شهر وهو على هذه الحال من الأخذ والرد بدأ يشعر بالانهيار وبالضعف.. يشعر بأنه وحيد في مكان لا يؤمن أحد بما يؤمن به إلا هو.. يستند إلى كتاب مقدس هو كالألغاز بالنسبة له.. وعلى موروثات مملوءة بالكذب والتلفيق والأحاديث الموضوعة.. والتأويلات والتفسيرات التي لا مكان لها.. فلما استقر في باله انه قد لا يكون على الحق تماما..بل قد يكون هناك شيء بحاجة للتفصيل والتنظيف والعلاج والاقتطاع من هذا الموروث.. عاد ذلك المحاور ليكيل لمازن الأسئلة التي تتعلق بإنسانية الإسلام ومدى حضارته.. ظلمه للمرأة وللعبيد وللرق، مقارنا ذلك كله بعدالة العلمانية والروح الإنسانية التي تسيطر على كل شيء.. رابطا هذا كله بالتخلف الذي تعيشه الأمم الإسلامية ... وذلها أمام أكبر أعدائها ..إسرائيل.. معتبرا أن زمان الكهنوت والروحانيات الفارغة ولى.. وجاء أوان التفكير المنطقي والعمل الدؤؤب على التطور والنجاح لبلوغ مجتمع العدالة والعلم والمساواة..
تخيلت مازن وقد استقر في فؤاده كل هذا.. وبقيت نفسه الأمارة بالسوء تصارع نفسه اللوامة.. وتتجادل مع روحه التي لم تقبل يوما أن تكفر بالله.. حتى إذا ما بلغ الأمر ذروته.. انطلق إلى محاوره ينعته بالكافر ويقول له لو أنك فهمت الإسلام حقا لما قلت ما قلت لكنك جاهل..فتلقاه الأخير بصبر ووجه مبتسم.. حالفا بالله أنه مؤمن كما هو مؤمن.. يعتقد أن لهذا الكون ربا لا يشرك به غيره.. لكنه يعتقد أيضا أن الإسلام الذي بين أيدينا إسلام مزيف حوره رجال الكهنوت الإسلامي ليصبح على ما هو عليه من التخلف.. مسيطرا على كل منحى من مناحي الحياة مانعا للمسلم من التطور بحجة غضب الله عليه.. وطالما أن رجال الكهنوت المسيحي قدروا على تحريف كلام الله لفظا ومعنى.. فما الذي يمنع رجال الكهنوت الإسلامي من تحريف القرآن معنى والإبقاء عليه لفظا؟
تخيلت هذا المحاور البغيض وقد أنهى كلامه بقوله: أنا يا مازن كنت مثلك في البداية، مخدوعا برجال الدين هؤلاء..ظانا أنهم خلفاء الله في الأرض.. لكنني اكتشفت أنهم رجال مصالح ودول.. لا يقصدون الله .. وبقاء التخلف في الأمة ضامن لبقاءهم في دوام السيطرة على المسلمين.. أنا يا مازن أدعوك لأن تبقى مسلما..لا أريدك أن تكفر بالله.. لكنني أدعوك لمساعدتي في إقصاء سارقي الدين هؤلاء.. الذين سرقوا القرآن وسخروا يوم الجمعة لخدمة مصالحهم..محولين المسجد لإذاعة تخدم أهدافهم السياسية.. دعنا يا مازن نتعاون على أخراجهم من أنفسنا أولا قبل إخراجهم من الحياة الاجتماعية وتحرير المجتمع منهم..
تخيلت مازن وقد استقر في خلده أنه بتبني العلمانية فأنه يخدم الإسلام الصحيح.. الإسلام الذي حرفه علماء الدين ليخدمهم ويخدم مصالحهم.. وأنه بهذا يقوم بالصواب.. ثم تخيلته وقد تعارضت لديه لاحقا مفاهيم العلمانية مع جميع المسلمات الإسلامية التي يؤمن بها.. وفي لحظة وضع نفسه على المحك... إما هذا وإما ذاك..إما الاسلام وما يعنيه من تخلف وجهل وإرهاب في عيون الغرب المتحضر..أو المدنية والحضارة والانترنت.. والاختيار بينهما صعب.. في بلد يعني قبول الخيار الأول فقدان كل شيء آخر..بما في ذلك "هايدي".. تلك الشقراء الألمانية التي تعرف عليها أثناء حواراته المطولة.. والتي تحول تعلقه بها وتعلقها به فكرا.. إلى عشق يولع فؤاده كل يوم فلا يفيق من آلامه إلا ليزيده لقاؤها ألما وحرقة..يمنعه عنها خوف الحرام.. ويقربه منها إيمانه بحرية الفرد وقناعاته بأنه طالما أنه وهي مقتنعان بما يفعلان..فما الضير في هذا؟
تخيلت مازن وقد انتهى به الأمر إلى قرار..قرار أن يلحق بركب الإنسانية..وقد تفاقمت لديه بقية الشبهات –على صغرها- وتكاتفت مع حبه لهايدي وحبه لنمط الحياة الغربية..لتصبح قناعة بأن الإسلام كان قادرا على خلق حضارة عندما كان الإنسان يبيع زوجته، وكان الجدل قائما حول هل المرأة إنسان أم حيوان ناطق..أما الآن ..فالإسلام بالنسبة للحضارة الإنسانية يشكل نفس التحدي الذي كانت الحضارات السابقة تشكله بالنسبة للإسلام.
تخيلت مازن وقد تحولت قناعاته هذه إلى حقد على كل ما يمت للإسلام.. مقنعا نفسه اللوامة أنه لا يحارب الله..بل يحارب المنافقين.. ومطمئنا النفس الأمارة بالسوء أنه لن يعود للاسلام حتى ولو اكتشف الاسلام الحقيقي.فالعلمانية منهج حياة تماما كما هو الاسلام..فلماذا التشتت والضياع ..وتبني هذه الأفكار القديمة؟

لقد أصبح مازن مؤمن بعظمة الإنسان..مقتنعا أن هذا العصر يختلف عن العصور السابقة بقدرة الانسان على اختلاق الأنظمة والقوانين.. تلك الأنظمة والشرائع التي أضطر خالق هذا الكون لوضعها بنفسه عندما كانت الإنسانية في بداية مراحلها ..تحبو كطفل صغير..لا تميز الخير من الشر... وتماما كما ينهى الأب الطفل عن العبث بمقبس الكهرباء، ثم يشجعه على استخدامه عندما يكبر... آن للإنسانية أن تلقي بكل تلك المحرمات الطفولية وراء ظهرها..
تراكمت كل هذه الأفكار في بالي وأنا اقترب من مجلس الشيخ وقد اقترب وقت صلاة العشاء.


دخلت على الشيخ بعد صلاة العشاء.. كان جالسا في غرفته مواجها القبلة ..يتمتم بورده من الأذكار والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتظرت حتى انتهى من دعاءه والتفت إلي.. كانت الأفكار المتلاطمة في نفسي قد منعتني حتى من إتمام هذه الأدعية والتسابيح بصورتها الصحيحة.. اقتربت من الشيخ حتى جلست بين يديه.. بادرني بالسؤال: هل يشغلك حال مازن؟
قلت:نعم..فهو صديق عمري
قال: فأدع له بالتوفيق...
قلت : إلا يتوجب علي أن أقوم بمناصحته؟ ألا يتوجب عليه واجب الدعوة لدين الله.. أليس واجبا علي أن انتشله مما هو فيه؟
قال: اتق الله في نفسك يا بني.. وأبعد هذه الأفكار عن رأسك.. فلست أهلا لهذا.. كل ما يليق بهذا المقام هو الدعاء..
رددت بحرقة: وماذا لو كان مازن ممن ران على قلبه ما كان يفعل، فختم الله عليه بذنبه؟ ألا يتوجب علي مساعدته للتخلص مما هو فيه و لدلالته على طريق التوبة؟
- استغفر الله من هذا الخاطر...وهل بيدك التوبة لتعطيها من تشاء؟ بل هل بيد مازن التوبة ليتوب متى ما شاء؟
- يا شيخ لا استطيع أن أفهم هذه السلبية تجاه مازن بالذات! إن كان من المبعدين فأخبرني لأتبرأ منه.. وإلا فساعدني علّ الله يهديه على يدينا!
- ومن أنا ومن أنت لنعرف هل هو من المبعدين؟ أن للجنة بابا يدعى باب التوبة لا يغلقه الله أبدا..فكيف نضع أنفسنا في مكان نحدد فيه من يدخله!؟
- يعني هذا أن بمقدارنا مساعدة مازن ليدخله؟
- "ثم تاب عليه ليتوبوا"
- والمعنى؟
- التوبة ابتداءاً من الله
- احترت في أمري ..هل التوبة بيد مازن لنعينه عليها.. أم هي بيد الله فلا حيلة لنا ولا لمازن في بلوغها؟ هل نحن مسيرون أم مخيرون في هذا؟
- الإنسان طين بث فيه بعض من روح الله.. فهو طين وروح.. التوبة امتزاج الروح بالعمل.. وكثرة الذنوب تغلب الطين على الروح.. حتى إذا ما أصبحت مرادات الإنسان طينية .. قرنه الله بالحجارة حين جعله وإياها وقودا لجهنم..
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ "(البقرة:74)...
والتوبة لا تمازج قلبا لا يعمره إلا الطين..
قلت: وما الحل أن ننعش ذلك الجانب الروحي من الإنسان؟
قال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ " (الحديد آية: 16).
قلت: أرجعتني لنقطة الوصل بالله.. فيكف نوصله بها؟
قال: الحوار ليس بينك وبين مازن.. بل بينك وبين نفسه الأمارة بالسوء من جهة.. ونفسه اللوامة من جهة.. حوارك مع أحدى هاتين دونا عن الأخرى لا يفيد..
ثم بادرني الشيخ بالسؤال: لماذا نرى اندفاع الشباب المسلم المثقف لحوار العلمانيين ، بينما الكثير من الشباب المسلم لا يدري شيئا عن إسلامه ويعيش في مطالب نفسه لا يحدوه سوى تلبية شهواتها وإشباع نزواتها؟ ولا نرى من الشباب المسلم الواعي أي التفات لهم ولا مناصحة؟ كم نسبة هؤلاء لهؤلاء؟ أكاد أجزم أن في كل حارة بل في كل مبنى شاب أو فتاة ضائعة لا تعرف عن دينها إلا الصلاة والصيام.. بينما يعد علمانيو الشرق على الأصابع!
قلت: لربما هي حمية الدفاع عن الدين..
قال: فهل تلبي داعي الجهاد إذا نادى وأنت لا تعرف كيف تحمل السلاح؟
قلت: لا.. لكني سأسعى لأتعلم؟
قال: وتترك الجبهة لتبقى في معسكر التدريب؟
قلت: وجودي على الجبهة وأنا لا أعرف شر من بقائي في المعسكر.. فالجهاد يحتاج لتنسيق وتنظيم بين الفرق.. ولعل جهلي بهذا يوقع فينا من القتل والأسر ما هو أضعاف ما ينقذ وجودي من أرواح وأعراض!
قال: فما بال الجهاد بالكلمة أصبح مفتوحا لكل من هب ودب؟ سواء أعرف استخدام سلاح الكلمة أم لم يعرف؟!
آثرت الصمت كعادتي.
تابع وكأنه لم يسأل سؤالا للتو..: عندما نتحدث عن محاورة أحد العلمانيين يرى البعض – من الجانب المسلم- في هذه المحاورة بابا للجهاد بالكلمة، وقد يستمتع آخر بالجدل لمجرد الجدل، وأما الثالث فيرى فيها مناسبة لامتحان عقيدته وفهمه لها، ويرى الرابع في هذا الحوار بابا للتمرن على الدعوة لله، وهكذا تتعدد الفهوم بتعدد الأشخاص والنوايا.. والسؤال المطروح هنا: من هو الأحق ببدء هذا الحوار ومن هو الأحق بالاستمرار فيه؟
قلت: الأقدر والأعلم ..والأخبر بهذه الساحات بالطبع!
قال: مررتُ بحالات كثيرة ناقشت فيها علمانيين في أوقات كنت لا امتلك الوقت الكافي ولا الذهن الصافي لهذا النقاش..فالنقاش مع العلماني والملحد نقاش مهم جدا لا يجوز أن يُطرح كدردشة لا تنتهي بالضرورة إلى قناعات كما يحب العلمانيون أن يُطرح.. فغاية العلماني ليس الوصول إلى نتيجة بل طرح الشبهات، لهذا يطرح مئات الشبهات دون أن يهتم كثيرا بالحصول على رد عليها بل لعله يتعمد أن يمنع محاوره من الاسترسال في الرد كيلا يفقد جزءا من سلاحه ألا وهو كم الشبهات التي يحفظها.. وآثرت في هذه الحالات اقتضاب الحوار كي لا أفسد الأمور .. وجعلت عذري بين يدي خالقي واثقا أن لو شاء الله هداية هذا العلماني لهداه سواء بوجودي أو بغيره..
نظر الشيخ للشباك متأملا في البدر الوليد ..بينما كنت استذكر في خاطري تلك الفكرة الرهيبة التي جالت به عند سماعي لسخرية مازن..
تابع الشيخ قائلا..: أهم شيء في مثل هذا الحوار هو النية.. نيتك أنت ومقصدك ومبتغاك من هذا الحوار.... هل أخلصت النية لله ..أم أنه انتصار لنفسك؟ أم سعي وراء شهرة؟ أم إرضاء لغرور عقلك؟.. يا بني.. لقد قال القوم قبلنا: البدايات تحدد النهايات.. بداية عصيان آدم جهل..ونهايته إقرار وتوبة.. وبداية عصيان إبليس غرور واستكبار.. ونهايته الخلود في النار..صدقك مع الله يجعلك تراقب نفسك أثناء الحوار.. فإذا ما تحول الحوار لجدل فارغ فالأفضل إنهاؤه.. وتمثل قوله تعالى:
(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني )يوسف [106]
وقوله:
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )النحل [125]
ولا تعتقد أن بيدك الهدى.. ما أنت إلا وسيلة بيد الله.. إن شاء أجرى الهدى على يدك.. وإن شاء جعل حوارك حجة على محاورك.. وإن شاء جعله ينكت في قلب محاورك نكته فيجعلها منفذا لغيرك ليدخل منه فينتهي كل هذا بهداية المحاور.. ألم يقل الله عز من قائل:
(ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) البقرة [272]
قلت: كلٌّ منا يتمنى لو كان هذا الهدى على يديه فيفوز بخير الدارين كما فاز التائب!
قال: أحذر من هذا.. فهذا تلبيس إبليس.. من قال أن الله لا يقبل ذودك عن دينه إلا إن انتهى بتوبة المحاور؟ ألم يقبل الله الشهداء في المعارك التي لم يكن النصر فيها للمسلمين؟ ألم يقبل الله جهاد النبي في حوار أبي لهب وأبي جهل رغم عدم انتهاءه بإيمانهما؟ فلماذا تضع لنفسك غايات لم يضعها الله لك؟ هذا من عمل إبليس ليدخل الغرور إلى نفسك ويمزج صالح عملك بشهوة الشهرة وحب الجدل فيفسد باقي عملك وتخسر أجره.. احذر يا بني من مداخل الشيطان في حوارك مع العلمانيين .. بل في أي حوار دعوي تقوم به.
قلت: فهلا علمتني يا شيخنا كيف أحاور هؤلاء؟
قال: أوتصبر وتنفذ؟
قلت: ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
قال: حوارنا مع العلماني والملحد هو حوار الوصول لفهم لفكرة محددة.. ولعلي لا أفرق كثيرا بين العلماني والملحد لان كليهما لا يحتكمان لشرع الله .الفرق بينهما أن الملحد لا يؤمن بالله ولا يريدك أن تؤمن بالله، بينما العلماني فلا يهتم إن أنت آمنت بالله أم لا، المهم أن يكون إيمانك في منزلك وبينك وبين نفسك لا يتعدى لجوارك حتى لو كان هذا الجوار هم أهل بيتك وأولادك. النتيجة التي يريد كلا الفريقين أن يصل لها هي إقصاء الوازع الديني والشرع الإلهي من المجتمع ووضع القوانين البشرية التي يمكن صياغتها بطريق تجعل ما يضر البلاد والعباد ينفذ كقانون تحت شعار حرية التعبير والرأي و تحرير المجتمع وغيرها من الأكاذيب التي نعرفها عنهم.
حوارنا مع اللاديني بشكل عام يجب أن يتركز على نقطة محددة لا نسمح للمحاور بالخروج عنها أبدا ، و أن لا نجد ضيرا من تجنب الإجابة عن سؤال حتى لو كنا نستطيع الإجابة عليه قبل أن ننهي نقاش الفكرة الأساس.. كما يجب علينا أن نحذر من اختيار فكرة ثانوية كثيرة الوجوه والأفرع في بدء النقاش، بل أن نبحث عن أساسيات الخلاف لنتناقش فيه..
لعلني أبدأ بتعريف فالعلماني حتى يتسنى لنا أن نعرف كيف نتعامل معه:
هناك صنفان من العلمانيين: أولاهما العلماني الغربي المفكر.. وهو في حالة الغرب الفكر الإلحادي أو الوجودي أو ذاك المؤمن بعظمة الإنسان ..والعلماني الشرقي ..
يمكنني أن أفهم سبب نشوء الفكر العلماني في المجتمعات الغربية، فهو نتاج طبيعي وسليم للفكر المنطقي الذي ابتدأه المفكرون الغربيون كأمثال ديكارت وغيرهم، ل هو النتيجة الحتمية لأي رجل يفكر بعقله لا بقلبه..فالتفكير المنطقي البسيط يجعل أي عاقل يفكر في إقصاء الكنسية التي تؤمن بان الأرض منبسطة ولها زوايا أربعة وأن الأرض هي مركز الكون .. الآلهة في الفكر الكنسي والمشتقة من الكتاب المقدس والمشتق بدوره من الأساطير اليونانية والشرقية القديمة في أغلب أجزاءه هي كائنات تشبه البشر. تعشق وتغضب وتندم وتفرح وتفكر..وتطيش.. وتظلم ..الإله في المفهوم الكنسي شيخ كبير طاعن في السن أبيض اللحية كثها، يجلس على عرش خشبي، صنع كونا لا يتقن إدارته، ولهذا تراه يتصارع مع مخلوقاته كل بضعة قرون من الزمان، فنراه يقتل كل البشر بطوفان نوح لأنه ندم أنه خلقهم، ثم يختار من بقية الناجين شعبا سماه بشعبه المختار، ثم يستمر يتصارع مع شعبه المختار يوما بعد يوم ويلعنه فيكفرون هم به، وكلما أرسل لهم رسولا قتلوه وعذبوه...حتى ملّ منهم وملوّا منه.. فقرر أخيرا أن ينزل ليتفاهم معهم بنفسه..بصورة المدعو يسوع.. وهو بالتأكيد ليس نبينا عيسى بن مريم صلوات ربي وسلامه عليه وهذا يتبين من سيرته- ولكن .. ويا للأسف.. لقد صلبوه هو أيضا..بعد ما عرّوه وبصقوا عليه وسخروا منه.. فالنسبة للمفكر الغربي اللاديني - بل وحتى لعالم الطبيعة ذي الأصول المسيحية وقد التقيت منهم الكثير وجها لوجه أو نُقل لي رأيهم- لقد قام شعب الإله المختار باغتيال الإله، ثم نصبّوا يهوديا اسمه بولص بدلا عن الإله الفقيد -رحمة الله عليه- ليشرع ويحكم باسمه، وتلا ذلك سلسلة من الحكام البشر الذي يحكمون باسم المغفور له معتمدين على السلطة الإرهابية للكنيسة المستمدة من المدد الذي تتلقاه الأخيرة من الملوك والأباطرة.. وبالتالي وطالما أن الإله قد قُتل على الصليب ومن يحكم باسمه بعد وفاته هم من قتله أصلا.. وهم نفس المجرمين الذي يسعون لقتل كل ما يعارض سلطتهم المطلقة على البشر باعتبارهم الآلهة بالنيابة..فمن الطبيعي أن يكون"إكرام الميت دفنه" ومن هنا جاءت فكرة "دفن الإله" التي لطالما نعق بها الغربيون ونهق بها قرود الشرق.
يا بني...إن قراءة الفكر العلماني اللاديني الغربي ضمن سياقه التاريخي والفكري يبرر لنا وجوده بشكل أو بآخر..
أما العلماني الشرقي – ولأن فكرة دفن الإله لا تنطبق على الدين الإسلامي- فهو أحد ثلاثة أصناف:
1- مسيحي أو يهودي متعصب يعتقد أن خروج المسلم عن دينه مهم تماما كدخوله المسيحية.. وكشف هذا الكائن بسيط للغاية ..وذلك بإعادة شرح فكرة دفن الإله التي ذكرتها أعلاه أو انتقاد العهد القديم واعتبار أن العلمانية وفكرة المساواة هي وليدة للظلم الناجم عن فكرة شعب الله المختار لتجده يندفع كالمحموم ليدافع عن الكنيسة والمسيحية أو اليهودية .... كما تلاحظ العلاقات الوطيدة بين هذا النوع من العلمانيين والكنيسة والحركات التبشيرية .. والرد على هذا الكائن بسيط جدا ولا يتطلب إلا بعض المعرفة بالمسيحية أو اليهودية والكتاب المقدس وخزعبلاته.. فهو لا يملك أساسا استيعابا لفكرة العلمانية ولا لأي شيء يتعلق بفلسفتها..بل يبتدئ الحوار بالهجوم على الإسلام بدل طرح فكر العلمانية
2- طالب سلطة: ,اغلبهم من المنتسبين للأحزاب اللادينية كالأحزاب القومية والأممية والشيوعية وغيرها.. فكرة هؤلاء تتركز على أنه لا يمكن الوصول إلى السلطة عبر الإسلام لما فيه من نظام يمنع تسلطهم على مقدرات البلاد والعباد.. ويثير حنق الغرب الصليبي عليهم..فلا مندوحة من التزام فكرة أخرى تسمح لهم بركوب الموجة.. ولهذا تراهم يؤمنون بالعلمانية بلسانهم.. وقلوبهم ملكية ديكتاتورية
3- طالب شهوة: رغبته هي في نشر الرذيلة بين المجتمع، وكشف مستور النساء والتمتع بالموبقات..بعيدا عن رقابة الشرع و عقوبة الله.. وكأن عفو الله مرتبط بكون جميع البشر يرتكبون نفس المعصية، فيستحيل عليه عقابهم كلهم!

وجميعهم وصفهم الله فأجاد وصفهم إذا قال في محكم تنزيله:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾( الجمعة : 5 )

نظر الشيخ في ساعته ثم استأذنني قائلا: آن أوان وردي من قراءة القرآن.. فلنؤجل إتمام هذا الحديث لوقت لاحق..
قلت ..على بركة الله


لم تكد شمس اليوم التالي تستقر في خاصرة الأفق الغربي حتى كنت في مجلس الشيخ بكري.. منظر الحجرة الخشبية وشمس الأصيل تخترقها بلون وردي جميل يبين لي مصدر هذا الصفاء الذهني العالي الذي يمتلكه الشيخ.. كان مفهوم الخلوة التي يمارسها البعض في المسجد بالنسبة لي غير مقبول شرعا.. لكنني لا أنكر أن بقاء الإنسان في مثل هذا الجو الهادئ الذي تتميز به حجرات طلاب العلم في هذا المسجد (أو كما تسمى بالعامية "الخلوات") يشحن روحه بالكثير من المعاني الروحية الراقية.. قدرة إنسان صفىّ ذهنه من بقايا هموم الدنيا أو كما يسميها الشيخ " إخلاء القلب من السوى" على فتح قناة الاتصال العلوية التي وصفها لي الشيخ أكبر بكثير من قدرة شخص يقف بين يدي الله عز وجل وعقله في مشتروات المنزل وحليب طفله الرضيع والخضار والفواكه ومديره في العمل ومخطط عمله ليوم الغد.. كان الهدف الأعظم بالنسبة لمدرسة السلوك عند الصحابة هي إخلاء القلب من الغير حتى لو كان في السوق.. لهذا سمعنا عن زهدهم ونقاء قلوبهم رغم أن الكثير منهم تجار وعمال ومزارعون لم ينقطعوا عن العمل ساعة.. كان الشيخ يقول: وصول المريد إلى حالة يكون فيها قلبه على صلة دوما مع الله في يومه وليلته هي أرقى حالات حضور القلب.. فالله تعالى في الحديث القدسي يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ..وقد عرفنا المستغفرين بالليل عن ذنوب النهار.. ولكن ندر حال مستغفري النهار عن ذنوب الليل! فحضور القلب في النهار أصعب بكثير من حضوره في الليل.
دخل الشيخ بعد إنهاءه لدرس العصر ..ولما رآني تبسم من جديد قائلا: تغيب تغيب ثم تلازمنا ليلا ونهارا.. جزى الله عنك مازنا كل خير أن جعلك تلازم مجلسنا!
تبسمت ابتسامة المقر بذنبه..
قال: ما حالك مع الله اليوم؟
قلت: عن مراده فّي ...راض بما قسم لي... وعن سعيي إليه..مقصر مذنب..لكن عذري أن تقصيري ناجم عن عجز وكسل لا عن إعراض وجهل..
قال: ما سبب قدومك علينا؟
قلت: طلبك مني أن اصبر وأنفذ!
رد ضاحكا: جزى الله عني مازن كل خير!
فابتسمت!
نظر لي سائلا: لماذا تتبسم؟
قلت: تبسمت تبسم المعترف بتقصيره.. الراضي بعتاب الحبيب له..
قال: أوتذكر كلامي لك عن تقصير الطبقة المسلمة الواعية في توعية الشباب المسلم؟
آثرت الصمت.. فسادت لحظات من الصمت طويلة قبل أن يخترقها صوت الشيخ بكري قائلا:
﴿ هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾( الجمعة : 2 )
نظرت إليه ولم أرد.. فقال: ماذا تفهم منها؟
قلت: منبع العلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم..
قال: منهاج التعليم عند الرسول صلى الله عليه وسلم هو التالي:
أولا: هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ
فالأساس هو أن تأتي الإسلام أميا.. جاهلا أو متجاهلا بكل شيء سواه.. فتتعلم ظاهر النص القرآني.. الشرع الظاهر..التوحيد..الشريعة..
قلت: وماذا بعد؟
قال: وَيُزَكِّيهِمْ! فطريق التزكية تال لتعلم الشرع... والتزكية هو التهذيب الرحماني لمسلك الإنسان ..وله أبواب كثير وعلوم جليلة ليس أوان ذكرها الآن..ثم قالت الآية الكريمة وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ..فينتهي من يتعلم الشرع.. ويغالب شهواته ومرادات نفسه ويصفع وسوسات قرينه بما يحمل من شرع وتوحيد بأن يصل لمرحلة التعليم الخاص.. وهو أن تفهم باطن الأشياء وتعرضها على مفهوم الآيات ..فتتفتح لك نفس الآيات بحكمة جديدة.. وتربط نفسها بنفسها بآيات آخرى تفتح لك عوالما جديدة أخرى.. وهكذا دواليك حتى ينتشر القرآن في نفسك فتصبح متحققا به كما جاء وصف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إذ وصفه من عرفه بأنه كان قرآنا يمشي على الأرض.. فيصبح كل ما تقول وتفعل محكوما بمراد الله تعالى فيك ..وهنا تنال مرتبة المحبوبية.. وهي المرتبة التي وصفها الله تعالى بقوله عز من قائل: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها.. فهل هذا الأخير حال إكرام وسلطة أم حال خضوع وسلب إرادة؟
قلت: بل حال إكرام وسلطة!
قال: فلو أراد هذا العبد ان يبطش بجاره ..وجاره مظلوم.. فهل يبطش بيد الله؟..وكيف يبطش الله بمظلوم؟
قلت: الأصل ان هذا العبد المتحقق بمرتبة المحبوبية لا يبطش بظلم! لأنه يرقب مراد الله فيه وفضله عليه في كل أعماله وأحواله.
قال: فهذا حال سلب إرادة وليس حال منحها وإمدادها! وهذا شأن الملائكة فهي لا تعصي لله أمرا... والمسلم الذي يلتزم بذاته بأمر الله دون ترهيب أو ترغيب أو شهود منّة هو أفضل من الملائكة..لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم جبلّة فيهم..بينما هو قادر على المعصية ممتنع عنها تقديرا لنظرة الله إلى قلبه وخشيته من يوم الحساب. وكذلك فلو أحببت الوصول لمرحلة الداعية يجب عليك أولا أن تصل لمرحلة التخلص من مرادات نفسك القبيحة وأهمهما حب الجدل وحب الظهور والشهرة..فمعركتك تبدأ من نفسك!


اتمم الشيخ كلامه قائلا: أهم ما تفعله أثناء الحوار مع غير المسلم –ودعني هنا أشمل جميع الطوائف تحت هذا المسمى بما في ذلك العلمانيين الذين يدّعون الانتساب للإسلام- أن تكون متمثلا للدين الإسلامي في جميع مناحي حياتك.. أفضل رد على جاهل بالدين هي أن يراك تمارسه يوميا بدون أن يؤثر هذا على حياتك..أن تكون عالما أو تاجرا أو وزيرا آو صناعيا أو أديبا.. وتمارس دينك فينعكس أثر ذلك على عملك وحياتك إيجابا لا سلبا..ولا يمكنك ذلك ما لم تكن مقتنعا أصلا بما تفعل..الكثير من الشباب يجادلون العلمانيين في أمور هم أصلا غير مقتنعين بها ولا يملكون عليها دليلا.. مثال ذلك حجاب المرأة أو قوامة الرجل أو حرمانية الاختلاط مثلا...بل وحتى قابلية الشرع الإسلامي للتطبيق على أرض الواقع..فكيف يدافع مثل هؤلاء عن الإسلام وعن مرجعية الإسلام في كل مناحي حياتهم؟
قناعتك بالإسلام تسهل عليك شرحه لغيرك..عمليا ونظريا..وما يفشل جهدك في شرح فكرة ما إلا اختلال ميزانها في عقلك.. وتشتت شواهدها في ذهنك..
الميزان الثاني: أن يكون مقصدك هو الله في حوارك.. فتعرف هدفك من الحوار.. عليك بمراقبة أحوال نفسك أثناء أي حوار... فما أسهل أن يُدخِل الشيطان على نفسك حب الجدل وحب الظهور ..أو يدفعك للغضب... أو يشتتك.. فتسقط في خطأ منهجي أثناء الحوار..أو يفسد عليك حضور قلبك مع الله.. ليس المهم أن يقتنع من هو أمامك بما تقول..المهم أن توصل الفكرة بشكل سهل يسير سلس.. وتكون هذه الفكرة نابعة عن حالك تتمثلها في جوانب حياتك..لا أن تتحدث عن شيء لا يخالج قلبك.. وتذكر أنك لا تخاطب العقل في غير المسلم بالضرورة..بل تخاطب أساسا نفخة الله في من هو أمامك..
صمت الشيخ قليلا وهو يرى في عيني الحيرة من كلامه..ثم قال: هل تعرف ما أعنيه بنفخة الله في الإنسان؟ إنها ذلك الجزء القادر على الاتصال بالله.. إنه ذلك العهد الذي قطعه بنو آدم على أنفسهم ألا يعبدوا إلا الله..ألا ترى قوله تعالى عز من قائل: واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين}.(الاعراف/172)
هذه الشهادة التي شهدتها جميع الأنفس حتى قبل أن تبث في الأجساد هي مناط التكليف.. ولهذا يسمى الله القرآن "بالذكر والتذكرة" لأنه يذكر الإنسان بهذه الشهادة - شهادة التوحيد- والتي شهدها وهو في صلب آباءه.. هدفك من الحوار إعادة نفس المتحاور معك للتتذكر هذه الشهادة.. وتعيد اتصالها بالله.. فقل بالله عليك كيف تصل غيرك بالله وأنت غير متصل بالله أصلا؟ كيف تخاطب أعمق مناطق النفس البشرية في نفس غيرك...تلك المنطقة المختصة بالتدين..وأنت غير قادر على مخاطبتها في نفسك؟

تبسمت تبسم المقر بعجزي عن فعل هذا وقلت: صدقت!

تابع الشيخ قائلا: الميزان الثالث: أن تكون فاعلا في الحوار لا منفعلا به.. هدفك أن تكون أنت مدير الحوار..أن تعرف كيف تبدأ وكيف تنتهي..وتعلم منطق الحوار الذي يؤدي لنتيجة منطقية.. متجنبا الجدل الطويل الفارغ الذي لا يؤدي إلى مكان.. كلما طُرِحت فكرة حاول أن تلخصها وتضع مقدماتها ودلائلها.. تعلم أن تطالب بالدليل قبل أن تناقش أي فكرة أو شبهة..لا تقبل كلاما من قبل "قيل لي"..أو "من المعروف أنه".. لقد حاورت الشباب والكبار والعلماء من العرب وغير العرب لسنوات.. وأسهل شيء لنقض شبهة هو أن تطالب بالدليل.. وسترى أن هذه الشبهة في الغالب ذهبت وذهب معها الكثير من الشبهات الأخرى التي يحفظها المحاور دون دليل.. أما إذا أتاك بدليل فحاول فهم الدليل وتفنيده أو شرحه بالصورة السليمة.. استخدم الحجج العقلية أولا ..لان حجج النقل تصعب على فهم غير المسلم ..فأغلب غير المسلمين لا يفقهون علم الجرح والتعديل ولا يتعاملون به..حتى في الأمور العلمية!

الميزان الرابع: انظر إلى من أمامك على أساس أنه يريد التعلم.. أنظر إليه على أساس انه أخ في الإنسانية تائه يبحث عن الحق... حاول ان تكسب وده وصداقته.. وتمثل قوله تعالى:

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ((النحل125)

حاذر أن تحكم على أحد حكما مسبقا حتى يتبين لك ما هو معدنه، فالكثير من الشباب يكون مشحونا بالكثير من الشبهات، وما أن ترد عليه بقليل من الوعي والصدق حتى يذوب كم الشبهات هذا فيصبح محاورك مطواعا لينا بين يديك.. ويصبح الحوار معه متعة وعبادة في ذات الوقت..

إما إن كان محاورك غير هذا فاعتمد على أن تدحض الشبهات بكلام مختصر ..عقلي ونقلي.. ولا تتفرع في الجدل لأنه لن يوصل إلى أي نتيجة.. فرصتك الوحيدة هي أن تذكر نفس محاورك بعهده مع الله بالعبودية له.. فلا يوصل العقل عادة إلى نتيجة بسهولة.. النفس البشرية تستخدم العقل لتحمي نفسها من أن تغير وضعها الذي ترتاح فيه... لقد توصلت النفس البشرية للإلحاد بتطبيق المقاربات العقلية ، وجميعها خاطئة معلولة هدفها الأساس التخلص من الأخلاقيات التي تمنعها من ممارسة الفساد.. لان الدين لا يمنع الإنسان عن التفكير ..بل لا يقدر على هذا حتى ولو حاول.. وبالتالي فلو كانت قضية الإلحاد أو اللادينية ناجمة عن معارضة العلم للدين، لكانت أهم النقاط المطروحة للنقاش هي مشكلات علمية يعارضها الدين.. ولكننا نرى أن أغلب الطروحات تصب في النهاية في خانة تحرير الإنسان من التزاماته الأخلاقية ..فما الداعي للدعوة إلى تحرير المرأة ومشاركتها الرجل في العمل في بلد تبلغ فيها البطالة نسبا عالية كأفغانستان مثلا؟ إذا كانت العلمانية عاجزة عن تقديم حلول للشباب العاطل عن العمل.. فهل سيؤبه لها وهي تسعى لإضافة نصف المجتمع الثاني إلى قائمة العاطلين.؟

الميزان الخامس: لا تتمسك بالحوار على حساب المبادئ.. أغلب المحاورين اللادينيين يحاولون شخصنة الحوار أو تحويله لمشاتمات أو للسخرية من الخالق عز وجل أو من الدين بغرض استفزازك... فإذا ما نجحوا في هذا عادوا لنغمتهم القديمة حول احترام الرأي الآخر والحوار... لهذا فعليك أن تتخلى عن حوار يسخر فيه محاورك من الله أو من مبادئ الإسلام..موضحا أن سبب انسحابك هو قلة أدب محاورك.. وتمثل قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا (136) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء

كلام الله إعلان مبين لحدود الحوار مع اللادينيين..مبتدأ الحوار هو معرفة موقف محاورك من شرع الله وكتبه المقدسة.. فلو كان منكرا لها فهو من الكافرين الضالين..حتى ولو قال بلسانه أنه ليس كذلك....بل يمكنك أعتباره من المنافقين- لو كان مصرا بعد إقامة الحجة عليه-....هؤلاء الذين يعلنون انتماءهم للإسلام ثم يكفرون به أثناء الحوار ..فإذا ما أحسوا أن كلامهم أخرجهم من الاسلام عادوا ليعلنوا انتماءهم إليه .مبررين كلامهم واستهزاءهم أو نقدهم بالغيرة على الإسلام..وبحرية الرأي وبغيرها من المسلميات...ولقد وصف القرآن هؤلاء بالمنافقين.. الذين يرون أن منطق القوة الذي يتبناه غير المسلمين ومعالم المدد الدنيوي هي مصدر العزة.. ويرون في ضعف المسلمين وقلة حيلتهم هوانا لا يرغبون في أن يكونوا جزءا منه..فهؤلاء لا يفقهون معنى العزة الحقيقي..العزة بالله.... حدودنا في الحوار مع هؤلاء النقاش المؤدب .. فإذا ما تجاوزوا حدود الأدب يتوجب عليك مغادرة المكان فورا.. متجاهلا أي حديث لنفسك يطالبك بالبقاء لإثبات وجهة نظرك والدفاع عن دينك.. وخروجك من هذا المجلس يعني أنك فوضت أمرك لله فيمن تجاوز الأدب معه.. ولما كان هدفك رضى الله تعالى لا الجدل ..فالتزامك بأمر الله بالمغادرة هو الأصل..لا البقاء لإقامة الحجة!

أنظر حديث الله تعالى عنهم لتعلم أنك لا تظلمهم بترك مجلسهم.. فالنص التالي استمرار للآيات السابقة في نفس السورة:

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) النساء..

المحاور الذي يستخدم أسلوب السخرية من الله ورسوله هو أسوأ من إبليس في خطابه مع الله.. فهو في الدرك الأسفل من النار.. مشاركا مردة الشياطين في عذابهم بفكرهم.


يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66) التوبة

يجب أن يتركز الحوار مع المنافقين من اللادينيين الذين يدّعون الإسلام على الأساسيات لا الفرعيات.. التوحيد والحاكمية لله وغيرها.. فإذا ما أنكرها أخرج نفسه من الإسلام.. وبالتالي يجب أن تعامله معاملة غير المسلم أثناء حوارك معه..لأنه أساسا لا يقرّ بصحة نصوص القرآن والسنة..لكن تأكد أن العلماني لن يخرج مخبوءات نفسه هذه بسهولة.. فدأبهم أن يخفوا البغضاء في قلوبهم.. وأن يبدوا المحبة والديمقراطية!!..فتأكد ألا يميل قلبك لدعواهم.. فهم منافقو هذا العصر

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنتُمْ أُولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120) آل عمران

في سجن اسمه الوطن..

في سجن اسمه الوطن..
حدثني سمير وهو يلهث ..يبكي ويضحك معا.. كنت قد رأيته بعد ان اختفى من المنطقة لعدة سنوات..ثم ظهر فيها شاردا غائبا عن الوعي.. قال وكأنه يتحدث عن كابوس مزعج مر عليه.. أو كحلم بعيد ..مكملا روايته:
وقفنا كعادتنا في طابور الصباح في ذلك السجن الكبير القابع خلف أسوار الصحراء.. كانت قد مرت علينا سنوات على هذا الروتين..كل يوم صباحا التفقد.. حصة رياضة كما يسمونها وتعذيب كما هي على الحقيقة.. بعض الأشياء التي تسمى مجازا فطور... جلسة رياضة أخرى.. كانت السنون قد حفرت في أعماقنا قناعة ان حياتنا ستبقى هكذا ولن تتغير.. وقد تركبت لدى جلادينا نفس القناعة نتيجة مللهم من فرض شخصياتهم الكليلة على هذه الهياكل العظمية لسنوات عدة دون أن يحركها شيء.. وكأنهم يضربون وسادات ممتلئة بالدم.. تقذفه في وجوههم كلما ضربوها..ثم يتم إصلاحها ذاتيا ليقوموا بممارسة نفس الحركات التي خرجت عن كونها إفرازات مرضية لعقدة نقص.. لتصبح روتينا مملا كل يوم.. صباحا ومساءا.. حتى الإبداعات التي كانوا يكتشفونها سابقا وفنون التعذيب الجديدة التي كانوا يبدعونها اصبحت مملة.. طالما انهم يمارسونا لاستفزاز كتلة من اللحم التي يكاد لا شيء في الكون يستفزها.. كل المحاولات البئيسة لاثارتنا ابتداءا من اجبارنا على شرب مياه المجاري وابتلاع بصاقهم واكل الفئران الميتة .. ووصولا لإجبار بعضنا على ممارسة الافعال الشائنة علنا بالبعض الآخر..كل هذه المحاولات باءت بالفشل ..ولم تثر فينا الرغبة في المقاومة ..وبالتالي ممارسة جنون عظمتهم علينا بلذة أكبر ..امام جثة أصبحت قادرة على أن تتألم ثانية..جدران السجن ملت من بردها ومن لونها الرمادي.. وساحات القهر أصبحت اعتيادية لدرجة الملل..
في ذلك اليوم الصباحي البارد.. جمعونا في طابور الصباح.. عراة كالعادة ..في شمس أصبحت تخاف ان تدخل ساحة السجن لانها تعودت الحرية... فأصبحت شعاعها باردا تماما كعتمة الليل...في هذا اليوم لم تكن رياضة الصباح عنيفة كعادتها.. رغم أنها أصبحت اقل عنفا في السنوات الأخيرة لأن سجانينا وكما قلت لك ملوا من الضرب في وسادات الدم الميتة.. والتي هي نحن. .وبعد حفلة "رياضة" صباحية اكتشفنا السبب في برودة أحداث حفلة الصباح..كانت هناك دفعة جديدة من المساجين قادمة... وكان السجانون ينتظرون ممارسة ساديتهم على كائنات مازالت تشعر بالالم.. تختلف عن تلك الجرذان الجبانة..التي لم تعد تشعر بالاهانة.. والتي هي نحن...
ارتشف سمير قليلا من كوب الشاي الذي أمامه وتابع: كانت قلوبنا معلقة بالقادمين وإن كنا لم نستطع رؤيتهم لان أعيننا كانت مغمضة.. سمعنا سيل الشتائم المعتادة تخرج من أفواه السجانين.. وللغرابة لم يكن عدد السجانين كبيرا.. كانوا اثنين او ثلاثة ..بدأوا طقوس التأهيل ..وهي كسر نفسية السجين حتى يشعر بحيوانيته فقط تطغى على كل شيء.. فيتحول لوسادة دم جديدة..تماما ممثلنا..لا تؤثر فيها الاهانات.. ولا مكان للعزة والشرف بين جنبات صدرها..
سمعت صوت اول المساجين يتحدث.. كان يتحدث عن الحرية والديمقراطية وأنهم لا يريدون غيرها.. وتلقى أول الصفعات القاسية مع سيل من الشتائم.. ولكنه ما لبث ان انتفض ورد الضربة بمثلها –رغم عدم معرفتي بالكيفية التي فعلها بها وهو مربوط اليدين والقدمين-.. تراجع العسكري بسرعة للخلف وسقط فوقي تماما.. فارتفعت القطعة القماشية قليلا عن عيني واستطعت ان ارى للمرة الأولى ساحة السجن على حقيقتها...ورأيت السجناء الجدد والسجانين..
رأيت هذا العريف الذي لطالما تخيلته وحشا بشريا ..فإذا به حليق الرأس مفتول العضلات.. لكن اوصال جسده كانت ممتلئة بالرعب لوقوعه أرضا .. قفز كالقط وهجم بعنف على الشاب.. بسرعة تحولت عيناي للشاب فإذا هو شاب عشريني يكاد شكله لا يوحي بأي رجولة .. حتى صوته ناعم ولا يعبر عن ... ما علينا.. كان الشاب مقيدا.. وكنت أنا مقيد كذلك.. درات عيناي بسرعة فرأيت بقية السجانين.. كانوا يمسكون بأسلحتهم بقوة والقلق باد على عينيهم.. عاد العسكري ليهجم على الشاب المقيد.. فتحرك الشاب حركة بسيطة سقط العسكري على اثرها على كتف الشاب ثم على وجهه أرضا.. كانت هذه الحركة كافيا أيضا لتسقط عصابة العين عن وجه الشاب بالكامل. .. "
صمت سمير قليلا ثم تابع يتحدث وقد ضاقت عيناه وكأنه يرى منظرا بعيدا خلال الضباب: حينها عادت بي الذاكرة بسرعة لأول يوم دخلت فيه المعتقل.. في أول ليلة تحدثت فيها بصوت عال مع الشباب المعتقلين.. وقلت لهم اننا كثرة وهم قلة ..فلماذا الهوان؟ وسارع احد المعتقلين القدماء ليحدثني عن بداية اعتقاله وكمية التعذيب التي كان يتلقاها.. بينما عندما مال للسكون خفت كمية التعذيب وبدأوا باعطاءه كمية اكبر من الطعام.. حدثني عن الفوضى التي حصلت في المهجع العاشر نتيجة حركة كهذه وكيف ان المهجع ما زال يعاني العذاب حتى الآن بسببها رغم ان المشاركين فيها كلهم تقريبا ماتوا او نقلوا..بدأ يحدثني عن الامان الذي يتمتع به المهجع حاليا وانه لا يؤيد فكرة التغيير..."

صمت سمير قليلا وتابع بصوت منكسر " أصبحت انا أيضا لا أؤيد فكرة التغيير بعد ان تلقيت نصيبي من التأهيل.. وهو نصيب مضاعف من رياضة الصباح"..ارتد على قليلا للخلف وقال: الأمن والأمان"...
ضحك سمير من الفكرة وتابع قائلا: وبينما انا افكر وقع علي جسم ثقيل أعادني لساحة المعركة.. هذه المرة كان رقيب آخر يعرف بالوحش قد سقط ايضا على يد سجين آخر من السجناء الجدد.. سجين لم يكن ليتصور أحد في الوجود انه قادر على إسقاط الوحش.. الوحش الذي كان يتفنن في تعذيب السجناء حتى بعد ان يفارقوا الحياة بين يديه..
كان السجانون قد فقدوا التركيز تماما على السجناء القدامى وبدأوا التركيز على المعركة الواقعة في وسط الساحة.. الشباب الصغار يحاربونهم بتكتيك ذكي رهيب عبقري يسقطهم أرضا مرارا دون أن يقوموا بأي حركة قتالية.. هذه العملية أنستهم ان بأيديهم سلاح.. وأنستهم ان هناك اكثر من مائة وخمسين سجين سابق يحيطون بهم.. اقتربت بهدوء من جاري وطلبت هامسا منه ان يفك وثاقي.. تردد ..ولكنني أخبرته أنني سأتحمل كامل المسؤولية ولن ابلغ عنه.. كنت مكان ثقة ولهذا صدقني.. وخلال عشرة دقائق كان كل السجناء مطلقو الأيدي.. سقط علي عسكري ثانية فأمسكته بقوة إلى صدري.. بدأ يصرخ فالتفت زميله ليراني احمي صدري به...حاول إطلاق النار فأمسكته"وسادة دم" أخرى ممن كان قد نسيهم معلقين على الجدار.. وفي غضون دقائق كان جميع السجانين بين أيدينا مثبتين على صدورنا العارية... وأسلحتهم على الأرض... سمعنا جلبة كبيرة ورأينا ضابطا كبيرا يظهر في ساحة السجن يحيط به بعض العسكريين.. تفاجأ من المنظر لكنه سرعان ما اسقط في يده عندما عانقته "وسادة دم" أخرى.. هي العم صالح العجوز.. ذلك الذي حدثني عن الأمن والأمان في المهجع البئيس..
اقتربت من رئيس السجن بهدوء... ونظرت في عينيه...بدأ يهدد ويتوعد..تابعت النظر بقوة في عينيه.. واقسم بالله إنني رأيت دمع الخوف يتسلل في عينيه وهو ينظر في عيني الميتة..مهددا تارة بأنه سيستعين بقوات من العاصمة.. ومرة يترجى.. ومرة يذكرني بأننا إخوة في الوطن.. ومرة ثالثة يذكرني بالسلام الذي ننعم به في السجن..قبل أن تأتي هذه القلة فتعكر صفو الحياة.."
ضحك سير وهو يتابع:" لربما مات في الخوف فأصبحت نظرة عيني ميتة..تماما كزومبي..خاصة وانه لم يتعود النظر في عيون السجين...رأيت هذه الأسد الهصور يرتجف خوفا بين يدي كقط صغير..فلم استطع منع من لطمه على أرنبة انفه... فبكى وانهار طالبا الرحمة.. ووعدني بأنه سيسامحني ولن يعاقبني إذا أخليت سبيله..ثم ولما لم أجبه وبقيت انظر في عينيه نظرتي الميتة نفسها...سقط على ركبتيه يبكي كطفل صغير طالبا الرحمة"

تابع سمير قائلا..: في خلال سويعات قليلة كان جميع السجانين في السجن ..عراة بالملابس الداخلية.. بينما لبسنا نحن ملابسهم العسكرية.. وخرجنا بهدوء من السجن..نحو الحرية..

يوم آخر عادي..

كتبت هذه القصة في بداية الثورة ..نشرتها متأخرا..


==============
اضطررت اليوم للنزول للشارع المزدحم.. رغم علمي ان المنطقة التي سأذهب إليها ستكون مليئة بالشباب المحتفل بأعراس الوطن.. كنت البس معطفي الاسود الطويل وامشي بصعوبة بين الشباب المندفع الذي يغني للوحدة الوطنية بكل قوته.. كان المظهر من الخارج ابداعيا مبهجا.. مليئا بالألوان..لكنه كان سورياليا ينتمي للمدرسة التكعيبية في فنون السياسة التلونية.. كنت اتجنب ان ارفع رأسي فتلتقي عيني بعين احد اصدقاء الوطن فاضطري ان امضي بقية اليوم في الشارع ..."أتظاهر" ...بالفرح.
لم أدر كيف استطاع ان يميزني بين هذه الجموع رغم أنني اغمس رأسي بين كتفي ولا ارفع عيني عن الأرض.. ضم ساعده بين ساعدي وجسدي وسحبني معه بشدة.. نظرت لعبد السلام وقد كان عنيفا وجديا جدا هذه المرة.. قلت بهدوء هامسا: عبد السلام..أنا آسف ...انت وضعتني في وضع سيء.. في مثل هذه الحالات وحفاظا على الامن والامان كان يجب ان اتصرف كما تصرفت.. هاأنت اعتقلت وخرجت ..اما انا فبالتأكيد كنت سابقى في ضيافة الامن والامان لفترة طويلة..."
لم يهتم عبدالسلام لكلامي كثيرا...رد باقتضاب "لا عليك..." ثم تابع ماشيا... اخذني لنفس المقهى القديم..وهو مقهى مشهور في المنطقة ..وكان كالعادة هناك شاب يرتدي الاسود وبنظارة سوداء ...زاحمه عبد السلام الباب بشكل واضح، وكأنه يريد ان يشتبك معه، ولكن للغرابة لم تكن ردة فعل الشاب الا ان افسح له مساحة اكبر تكفي لمرورنا سوية..يبدو ان عبدالسلام امتلك اخلاق الثورة في السجن.
جلست امام عبدالسلام... رفع عبدالسلام اصبعه راسما إشارة النصر ، ففهم النادل انه يطلب كأسين من الشاهي.. تبسمت قائلا: ليتك طلبت وجبتي فول..فالفول ضرورة تقتضيها استحقاقات المرحلة التاريخية..
لم يرد عبد السلام..وضع مرفقيه على الطاولة واشبك اصابع كفيه ببعضهما ووضعهما تحت ذقنه ثم أطرق نحو الأرض
قررت استفزازه.. قلت بهدوء: ابشرك.. لقد تم قتل الخرفان السوداء التي كانت تشذ عن القطيع طالبة الحرية وقطع ارزاق الموظفين الشرفاء فيما يسمى زورا الحرب على الفساد، وهاهو باقي القطيع يتوزع لحومها واصوافها ويهريق دماءها في الشارع فرحا بالنصر.."
بدى الامتعاض على وجه عبد السلام..خرج عن صمته وقال مشيرا بيده للخارج دون أن يرفع رأسه: هل ترى عرس الوطن؟
رددت متصنعا الدهشة: وهل أعرس الوطن؟ مبارك ..مبارك.. ومتى كان النكاح ما شاء الله؟..
لم تهتز لعبد السلام شعرة وبقي واجما..تابعت محاولا استفزازه: لكن خطر لي خاطر.. طالما ان النكاح لم يعقد حتى اليوم.. ما كان اسم العلاقة التي كانت تربط العريس بالعروس خلال العقود الماضية؟
برم عبد السلام شفته مبديا عدم تلقيه للدعابة.. تابعت سائلا: طيب يا شيخ عبد السلام.. هل يجوز شرعا للابن ان ينكح ما نكح ابوه؟
ايضا لم تستفز هذه الجملة عبد السلام...رفع راسه وسالني وقد ارسل عينيه الواجمتين للافق البعيد: هل سمعت بما حصل هناك؟
رددت بسرعة: نعم للأسف..سمعت ان جميع اجهزة أمن الوطن لم تستطع التنبؤ او السيطرة على تلك الاشباح المسلحة التي كانت تطلق النار عشوائيا على الجميع..ولكن الشيخ رزوق كتب لهم رقية "طفشتهم" والحمد لله..والأمن مستتب الآن..
لم يبد ان عبد السلام كان يستمع لي.. قلت بهدوء: يقال ان للأرقام سرا خاصا في التعامل مع عصابات الجن والاشباح.. لربما لم يكن عدد الاجهزة الامنية هو العدد الصحيح لمنع هذه الاشباح.. اقترح ان يراجعوا عالما روحانيا لتحديد الرقم الصحيح..
صمت عبد السلام استفزني.. فقررت الكف عن محاولة استفزازه... بقيت ارقبه ربع ساعة كاملة وهو واجم يطرق راسه في الأرض.. وصل الشاي ولكن عبد السلام لم يرفع رأسه لينظر إلى كاسه...قلت هامسا: هل رأيت ما حصل في المسجد؟ بدا عليه بعض الاهتمام وقال: نعم... الله يرحمهم.."
رفع كاس الشاهي إلى شفتيه ثم اخفضها دون ان يرتشف شيئا .. ثم قال باسما ابتسامة حزينة تظهر انه يصطنع الطبيعية: هذا افضل شاهي في العالم!"
كنت اعرف ان طعم الشاهي في هذا المطعم يشبه طعم مياه الغسيل في مطعم الجيش الذي امضيت فيه عامين كاملين..تبسمت قائلا: هل جربت طعم شاي ايرل غراي؟ نظر إلى عبد السلام ولم يرد.. تابعت: هل تذوقت طعم الشاي الاخضر بالنعناع في مقهى مغربي في احدى شوارع كازابلانكا الجميلة؟ هل تذوقت الشاي العراقي على رائحة شواء السمك في قارب يسبح في مياه دجلة؟ هل شربت كاسا من الشاهي الصيني؟ الهندي ...البريطاني.. ؟
رد بابتسام مصطنع: هذا "شواهي" امبريالية لا يتناولها المناضلون..
رددت متابعا: اذا كيف حكمت ان هذا الشاهي هو افضل شاهي في العالم ..لربما لو سمح لك بتذوق تلك الشواهي لما وجدت هذا الشاهي يصلح للاستخدام البشري أساسا!.
لم يرد.. فتابعت: لربما يحق لك القول ان هذا الشاي هو افضل شاهي تناولته في حياتك البائسة ايها المناضل.. لكن بالتأكيد هناك وارء البحار شواهي اكثر روعة..هناك طعومات والوان وحيوات افضل بكثير مما تعتقد انه الافضل.. لكنه تجهل جماله لانك لم تتذوقه.."
لم يبد عبد السلام أي اهتمام بكلامي..فكرت ان اعود للحديث الذي اثاره فقلت وانا انظر للأفق : يا ترى ما هو ذلك الاحساس الذي يمكن ان يحسه انسان يشعر بالحرية في بقعة صغيرة من الوطن بمساحة مصلى مسجد رغم ان الرصاص يزغرد فوق رأسه.. قلبي يتمنى لو أنني كنت هناك ..معهم في المسجد.. اتنشق عبير الحرية ولو انها ستكلقني حياتي كما كلفتهم.. ولكن عقلي ينظر لافراح الوطن ويقول.. ما انا إلا من غزية إن ثغت...ثغوت وإن ترقد غزية أرقد..فلمن اناضل طالما انني في النهاية مجرد "شاة قاصية" يحتفل الوطن بسفك دمها؟
..صمتت قليلا ثم قلت: اصارحك القول..لكم اتمنى لو كنت هناك...
رفع عبد السلام راسه..كانت عيناه تشع بالم كبير وتكاد تنفجر حمرة وكأنها بركان متوقد..ثم قال محشرجا والدمع في عينيه: ابن عمي كان هناك.."

يوم عادي جدا..

كتبت هذه القصة في بداية الثورة...انشرها هنا متأخرا
===========
لم يكد يلقاني في إحدى الشوارع المتفرعة عن السوق المركزية حتى امسك برقبتي من الخلف قائلا: أمسكت بك يا خائن.." التفت بسرعة لأشاهد وجه عبد السلام ..شاب عرفته من الكلية ...عرفته لأنني وبمجرد أن سلمت عليه للمرة الأولى في حياتي... حذرني من حولي بأن هذا الرجل يصطنع الوطنية ..لكننه لا يتورع عن نقل أخبار الطلاب ...لفوق!
لا أدري ما الذي استفزني حينها أن ابقي علاقتي معه.. كنت أتلذذ بإطلاق "مسامير" التعليقات لتستقر في أذنه.. فتزعجه... لكنها كانت تعليقات عادية...بريئة في ظاهرها.. لا يمكن أن تستفز الحس الأمني للذين هم "فوق" ..لكنها كافية لتجعل عبد السلام ينفجر غيظا..
استمرت علاقتنا طوال سنوات الدراسة..ثم افترقنا لأذهب أنا إلى مغتربي.. وهو إلى وظيفته مسبقة الصنع..
- أهلا عبد السلام.. كيف الأحوال.. اشتقنا لك يا رجل..
- أنت أيها الخائن.. تعود لبلاد ولا تخبر أحدا...حتى أنا.. أنك عدت..
- لا أنا لا اعد بعد.. هذه جولة تفقدية لأطمئن على استتباب الأمن..
- تعال تعال... دعني ادعوك لكاس من الشاهي ولنتحدث قليلا عن أخبارك..
رافقني مكرها نحو سيارته الفارهة.. ركبت فيها رغم كراهتي لذلك .. وأنا أشعر أن جبل قاسيون جاثم على صدري وأنا اختطف جهارا نهارا واعتقل في سجن هذا الرجل المتحرك.. اقصد سيارته..
ما أن ركبت في السيارة حتى بادرني بالقول.: جئت لتطمئن على الأمن والأمان في هذا البلد؟... أي أمن وأمان وهؤلاء المخربين يحاولون تدمير البلد!؟
- أي مخربين يا عبدالسلام؟
- هؤلاء المخربين الذين يريدون إسقاط سلطة القانون في البلد..."
توقف عبدالسلام بجوار شرط المرور .. فتح الشباك وناوله شيئا في يده وقال : معلم ..أريد إن أوقف السيارة هنا في الممنوع... دقيقتين وأعود بسرعة.." تحرك عبد السلام بالسيارة وأوقفها تماما تحت إشارة ممنوع الوقوف...فضحكت وأنا أتذكر حديثه قبل لحظات عن القانون..
دخلنا للمقهى.. وعلى الباب اصطدم عبد السلام بدون قصد بشاب ضخم الجثة يلبس معطفا جلديا ونظارة سوداء.. اعتذر بطريقة مبالغ فيها .. بصراحة شعرت بالسرور أنني رأيت عبدالسلام ذليلا بهذه الصورة... تابع عبدالسلام الحديث ولكن بصوت خفيض وهو يجلس على الكرسي..: طول عمره المواطن يشعر بالعزة والكرامة في هذا البلد..وله مطلق الحرية أن يعبر عن كل ما يجلو بخاطره... بالطرق المشروعة... القانون يكفل لك حرية التظاهر السلمي.. لكن يا أخي ليس بهذه الطريقة.. هناك قانون..
أبديت بلاهة متعمدة وأنا أقول: لم أفهم ما تقول؟ تتحدث عن أن القانون يكفل لك حق التظاهر.. ثم تقول لا يجوز التظاهر لان هناك قانون.. اشرح لي بالعربي!
- إذا أردت التظاهر فعليك أن تبلغ السلطات برغبتك في ذلك... وان تبلغها بالهدف والموعد.. وإلا فأنت تخالف القانون..
- أفهم منك أن كل هذه التظاهرات "العفوية" التي نراها في التلفاز هي إما غير قانونية وأصحابها مخربون للبلد.. أو أنها مسبقة التدبير وبالتالي فهي ليست عفوية!؟.
- لا يا أخي ..هناك فرق..
- طيب متل ما بدك..
- هؤلاء المندسين يريدون تخريب اللحمة الوطنية..
- على سيرة اللحمة.. سمعت أن أسعارها انخفضت بعد أن قرر البعض في الحكومة أن اللحوم لا تكفي الشعب وتجار التصدير.. فأعطوها سنة للتجار.. وهذه السنة هي من نصيب الشعب... صحيح؟!
- يا أخي أنا أكلمك عن الوطن.. وأنت تكلمني عن اللحمة!
- طيب ..دعنا نتكلم عن الخيار... والفقوس!
- اسمعني...هؤلاء يريدون تخريب البلاد... هل تريد أن نصبح مثل تونس ومصر؟
حانت مني التفاته للتلفزيون القابع في زاوية المقهى.. كان ينقل صورة شاب مصري يرفع إصبعه الملوث بالحبر الأحمر دلالة على مشاركته في الاستفتاء على الدستور..وهو يبتسم ابتسامة عريضة لإحساسه أنه فعل شيئا مهما ..لأول مرة في حياته.. رددت بسرعة: لا ..أعوذ بالله.. من يريد أن يصبح كتونس ومصر؟..
- هؤلاء يسعون باتجاه تأزم الأمور بحيث يحل بنا الخراب ...تماما كليبيا...هم يريدون سيلا من الدماء وتلالا من الجثث..
- ولماذا تفترض أن النظام هنا..كالقاذفي؟ لماذا تفترض أنه سيلجأ للحل الدموي لحل خلاف بين أبناء الوطن؟
هز برأسه يمنة ويسرى وقال دون أن ينظر إلي: أقصد... انظر الآن لطائرات التحالف وهي تقصف ليبيا.. هل يرضيك هذا؟
رددت بلا مبالاة: الحق على الثائر القادم من الصحراء.. لو أنه استمع لرغبة الشعب لما حصل كل هذا.. وهو ما زال يقتل شعبه بدل أن يدافع عن ليبيا ضد هذا الغزو المفترض...على كل حال لا أريد لبلدي أن يصبح ليبيا أخرى..
همس ثانية:..لا تغير الموضوع..اكبر دليل على أن لهؤلاء أجندة خارجية هو توقيت هذه العملية..رغم أن الحكومة وعدت بالاصطلاح والقضاء على الفساد وتطبيق العدالة والرخاء والحرية..ماذا يريدون؟
-جميل أن اسمع أن الحكومة تعترف بانعدام هذه الأمور حاليا.... أو على الأقل .. بفشلها في تحقيقها حتى الآن
- يا أخي لا تغير الموضوع... هؤلاء المندسين لهم أجندة خارجية.. هم ينادون بالقضاء على الفساد..
- يا لطيف .. يخرب بيتهم... وكيف سيعيش الموظفون إذا قضي على الفساد؟ أكيد لهم أجندات خارجية..
- أسألك بالله أن تكلمني جد ولو مرة واحدة في حياتك... الوطن يتعرض لخطر وأنت ولا على بالك.... لقد وعدت الحكومة بان جنسية بلادنا ستصبح حلما لكل الناس..
- يا له من خبر!.. يعني سنصبح جميعا ..."بدون"؟
- لا تجنني... هؤلاء المجرمين صهاينة.. صهاينة بالتأكيد..
- على فكرة.. أنا حتى الآن لم افهم عمن تتحدث... فأنا وصلت البارحة فقط..
- ألم تسمع بالتظاهرات التي حصلت في السوق أول البارحة... هؤلاء يهددون الأمن والأمان والاستقرار في البلاد..
- الأمن والأمان..هممممممممم...." نظرت لذلك الشاب الذي يلبس نظارات سوداء ويجبر جميع من في المقهى على التحدث بصوت خفيض... تابعت قائلا: لربما!... ولكن بماذا ينادون؟
- ينادون بالحرية.. تخيل!
- الحرية!!!!..يخرب بيتهم فردا فردا ودار دار ... وزنقة زنقة... الحرية! أنا طوال عمري أقول أن جماهير نادي الحرية يهود.. صهاينة.. والآن تأكدت...
قفز كالملسوع من على الكرسي قائلا: يا بني آدم ... يريدون حرية...هم يقولون" ورفع عقيرته ومد صوته وهو يقول:" ... حريــة ..حريـة.... البلد فيها فساد... ولازم يتغير النظام... فهمت؟!

قفزت كالمسلوع وغادرت الطاولة وأنا أقول: هؤلاء أكيد مخربين... أنا مالي علاقة لا بهم .....ولا بك..
وبسرعة البرق.. امسك الشاب ذي النظارة السوداء بصاحبي عبد السلام...واقتاده خارج المقهى... بينما هربت أنا من باب المقهى الآخر.. وأنا أفكر بالأمن و... والأمان.

١٣ أيلول ٢٠١١

الحوار الصريح بعد التراويح (8)

هنا قام الشيخ مصطفى معلنا أوان صلاة القيام..توجهنا جميعا لمسجد الشيخ لأداء الصلاة.. كانت القراءة من سورة آل عمران ..وبدأت الآيات تنساب بصوت الشيخ هادئة وادعة في عتمة المصلى لتنسكب في عقلي وقلبي.. كانت السورة تتحدث عن الثورة السورية بالتفصيل..

قرأ الشيخ في الركعة الأولى:

اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (*) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (*) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (*) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (*) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ..

كان لهذه الآيان رهبة في نفسي وكذا رهبة جميع آيات التوحيد..ثم انتقل النص ليتحدث عن منهج التعامل مع القرآن

هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (*) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (*) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (*)

ثم عرجت على تأكيد النصر من عن الله

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (*) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (*) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (*) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الأَبْصَارِ

وفي الركعة الثانية بدأ بالحديث عن التنسيقيات!

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (*) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (*) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (*) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (*) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (*) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (*) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ (*) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (*)

ومن ثم عن العقد الاجتماعي والرابطة بين الشباب المسلم والاقليات

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (*) لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ (*) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (*) لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (*) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (*) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (*)

اما في الركعة الثالثة فكانت الآيات تتحدث عن العلاقة مع الاحزاب المعادية للاسلام

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (*) هَاأَنتُمْ أُولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(*) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ .

ومن ثم خطاب تعبوي رائع ..

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (*) إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (*) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (*) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ (*) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (*) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (*) لْيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ (*) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (*) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

أما في الركعة الرابعة فهي تتحدث عن القائد وتربية المرؤوسين ..

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (*) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (*) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (*)

وعن السلبيين المحبطين لحركة الثورة..

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (*) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (*)

وبالمقابل عن المشاركين فيها خاصة القياديين

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (*) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (*) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (*) الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (*) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (*) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (*) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (*) وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (*)

وتختم الصلاة بالتأكيد على ان طريق الثورة ليس ممها وسهلا.. بل يجب على المرء ان يصبر فيه لانه في النهاية طريقة ابتلاء وتكليف وليس طريق إعلاء وتشريف..

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (*) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (*) مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ..

اما دعاء صلاة الوتر فكان ملائكيا حلق فينا في اجواء وسماوات لما أعهدها من قبل..رغم ان جزءا منه كان من الادعية المأثورة لكن انصباب معانيها في نفس الانسان يلبسها حلية لها بهجة لا يمكن تذوقها في الحالة العادية

خرجنا من المسجد ..ولفح وجهي نسيم الصباح البارد المنعش.. فاحسست به يتغلغل في اعماقي.. اصبح لدي الان مهمة كبيرة.. ولدي تفاصيل عاملة للمنهج الذي يجب ان اسلكه لاسقاط النظام

تمت

الحوار الصريح بعد التراويح (7)

أهم هذه العراقيل برأيي استعادة العقد الاجتماعي ولعلنا شرحناه باقتضاب قابل للتفصيل في غير هذا الموطن..

الأمر الآخر : فصل الدين عن الدولة...نعم فعلينا في هذه المرحلة فصل الدين عن الدولة.. وإنشاء دولة مدنية تعمل بآليات عمل مدني لكنها لا تتصادم مع الشرائع الاسلامية او المسيحية..وتكون هذه الدولة مراقبة من طرفين: من القضاء ..ومن الأحزاب..

وبالمقابل علينا التركيز على العمل الحزبي باتجاه نقل الافكار الاسلامية للمجتمع بدلا من فرضها عبر الدولة، وقناعة الشباب بهذه الافكار هو من يفرض على الدولة الالتزام بها..وعلينا ان نميز مرحلتين لتنسيقية دار الأرقم:مرحلة الاسلام المكي والاسلام المدني.. وبينهما يكون الانتقال من الخطاب الفكري الاجتماعي الفردي إلى الخطاب الامري القانوني .. فروح التحدي في الخطاب المكي يقابلها روح الدولة في الخطاب المدني.. والخطاب العقلي المكي والهادف لانشاء العقلية النقدية الاسلامية لدى الشباب يقابلها عقلية عسكرية في الطور المدني تطلب إلى الصحابة الالتزام بأوامر الرسول –كرئيس للدولة- التزاما مطلقا ولو لم تكن هذه الاوامر مقنعة للبعض.. مهمة المرحلة المكية اعادة العقد الاجتماعي وتحريك الاحساس بالانتماء للمجموع..وإعادة تنشيط منظومة النقد العقلي ورفض تقبل الآراء التي لا برها عليها..وكذلك احياء الوطنية واحياء الانتماء الديني..بينما مهمة المرحلة المدنية التعامل مع هذا العقد والاستفادة منه في بناء مجتمع حقيقي.. وبناء العقل النقدي هام جدا للتخلص من أنماط الاسلام السياسي التي تنبني على عبادة الحاكم.. سواء اكان هذا صوفيا عبر الزهد في الدنيا وترك ما لقيصر لقيصر والسعي وراء الآخرة فقط.. أو كان سلفيا عبر استنباط أحكام غير صحيحة من أحاديث الفتنة التي يتم تأويلها في الغالب لخدمة فكرة ألوهية الحاكم بأمر الله..

علينا تحرير العقل الاسلامي من هاتين الفكرتين والسماح له بالتفكير خارج نطاق الرقابة التي بات يفرضها ارباب الشعائر الدينية بهدف المحافظة على النظام الحاكم بغض النظر عن شرعيته.. علينا الغاء الاسلام الاستسلامي الصوفي والسلفي..ومحاربة كل اشكال الانهزامية او عبادة الحاكم وإعادة تفسير الاحاديث المرتبطة بهذين الفكرين بحيث تندمج مع الثورية التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته..

من مهام العقد الاجتماعي ايضا منع الاعداء من استخدام سلاح الاعلام..هذا السلاح الذي بات يستخدم كوسيلة حرب واضحة وفعالة في الثورات.. ولهذا نزلت آيات كثيرة تحذر المسلمين من ادوات الحرب الاعلامية ..ألم نقرأ الآية الكريمة التي تقول:

يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين

وفي ايجاد العقل النقدي لدى الشاب المسلم تسهيل ايضا على التنسيقيات في العمل بدون التعرض للهجوم من قبل اعداء الثورة ..وفيها دفع للعمل الذاتي للشباب المسلم..وفي هذا يندرج الحديث الشهير..

(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)

وكما يبين الحديث فاللا مبالاة لا يمكن ادراج صاحبها ضمن فئة المؤمنين. فعل الشاب المسلم ان يحاول التغيير فيمن حوله ويعتبر ان مهمة الاصلاح مهمة ذاتية وليست واجبا على الدولة او التنسيقيات فقط..

=============

سأل ياسين: طيب بكلام مختصر..لماذا لم تنجح الاضرابات العامة او الاعتصامات أو حملات المقاطعة التي بدأها الشباب؟

رد الاستاذ عمر:..لان اللغة المستخدمة من قبل المعارضة في تحريك هذه الاعتصامات والمقاطعات هي نفس لغة النظام..سورية الحرة.. سورية العلمانية .. سورية ذات التعددية الحزبية.. كل هذه الأمور لا تهم إلا فئة ضيقة من الشباب السوري بينما الباقي يبحث عن عمل ومستقبل وعدالة اجتماعية..والبحث عن تحقيق هذه المطالب يتطلب ان تقوم فئة من الناس بالبحث وراء الاسباب التي تعرقل تحقق هذه الأهداف..ولهذا ابتدعت المعارضة مصطلح "حكومة الظل" حيث تقوم بانشاء لجنة ينبثق عنها لجان فرعية يعنى كل منها بمعلم من معالم الدولة كالاقتصاد والخارجية والقانون .. وتحلل هذه اللجان أداء الحكومة وطرح مشاريع بديلة اكثر جودة..

أما اقل ما يمكن لاستعادة العقد الاجتماعي ان تفعل فهو تنشيط العمل الصامت.. عبر مقاطعة مرافق الدولة او المتعاملين مع الدولة او على الأقل تنشيط الشباب على عدم الاستفادة من المغريات التي تقدمها الدولة لجمع المؤيدين حولها..وكشف سوء برامج عملها بهدف اسقاطها لاحقا... وبغض عن النظر عن قدرة الشباب على اسقاط النظام أم لا.. تنشيط العمل الجماعي ضروري في مرحلة ما بعد الثورة ..كضمان لاستمرارها أو تكرارها لاحقا..

والعقل النقدي الواعي يحدد ويضبط علاقة جماعة المسلمين بالجماعات الأخرى، عبر البحث عن نقاط مشتركة وليس عبر خلقها..فجميع الحركات التحريرية تسعى للحرية والعدالة .. ولكن مفهوم العدالة العلماني يعني اقصاء الدين.. ومفهوم الحرية العلماني يعني الحجر على ممارسة المسلمين لدينهم بسبب اختلاف ايديوليجيتها مع مبادئهم خاصة في قضايا المرأة والطفل والعلاقات الاقتصادية ..علينا ان نميز بين علاقتين: علاقة حركة مسلمة بأخرى.. وعلاقة الحركات الاسلامية بغير الاسلامية.. هناك تفصيل في الشرع لفض الاشكاليات بين فئات المسلمين..اما مع غير المسلمين فلا يجوز حل المشالك على حساب المبادئ..

فكما أن الله عز وجل يقول:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

وهي قمة في التوحيد بين الاطياف والفرق..نراه يقول ايضا:

لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ

أو:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا

أو:

وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

وفي هذا تحذير من انشاء الائتلافات التي تضحي بجزء من الاسلام بهدف المحافظة على جبهة معارضة موحدة تشمل جميع أطياف الوطن.. فهذه الجبهة غير ضرورية كما ذكرنا سابقا.. فنصر الله مرتبط بالايمان وبالطغيان..ايمان العبد واعتماده على الله.. وطغيان النظام الحاكم وبعده عن الله.. ولهذا تفصيل في سورية القصص..

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (*) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (*) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ

والمنهج لتحقيق التغيير ايضا هو من عند الله

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ

وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ (*) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (*) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

ويجب التأكيد ان منهج الحزب او الجماعة يجب ان يبقى في كل حالاته دعويا ولا ينخرط في السياسة لدرجة تفقده زخمه الدعوي..بل ان الدعوة والتزكية والتربية شرط من شروط الانتساب للحزب او الجماعة وترقيته فيها

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (*) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (*) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

فكما هو واضح من ترتيب الآيات ان المرحلة الأولى هي نشر المعرفة بين الناس حتى الوصول لاختيار الطليعة المثقفة.. ومن ثم يتم "تزكية" هذه الطليعة وتربيتها لتفهم مقاصد الاسلام ...ومن ثم يجب رفع ثقافتها عبر الممارسة الفكرية ليصبح لديها "حكمة " التعامل مع الأمور..

========

سادت لحظة من الصمت في القاعة...ثم عقّب ياسين قائلا: أعرف ان ما شرحته الآن يحتاج لتفصيل كثير..لكن تبادر إلى ذهني سؤال.. ما الضامن لسلامة هذه التنسيقيات.. اقصد اننا الآن نعمل في جو شديد الخطورة.. والعمل المنسق كما تطلب يقتضي بيئة تسمح به..بينما عناصر المخابرات تعدّ علينا الانفاس..

ابتسم الاستاذ عمر قائلا: وهل كان الوضع في مكة أفضل؟ ما يضمن لك السلامة وحسن العمل هو الاخلاص..والدعاء والارتباط بالله وإخلاص النية..وتذكر قوله تعالى:

ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين.

وقوله :

فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (*) إنا كفيناك المستهزئين(*)الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (*) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (*) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (*) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

أو قوله: فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين

وتذكر ان في هذا العمل فضل كبيرة أدناه احقاق كلمة الحق وأعلاه الشهادة في سبيل الله..


يتبع....