في بلاد تتحدث عن المستقبل...
رغم أن الحاضر انتحر على أعتابها.. قرفا من ساعات الكسل المسترسل.
في بلاد تتحدث عن أهمية الثواني والدقائق...في عالم البورصة والمال والعمل
رغم أن الأيام تموت جوعا ..وهي تنتظر من يرويها بشيء من الأمل
في بلاد تتحدث بالأرقام..
رغم أن الرقم فقد معناه فيها..على مرور الأيام
عشت خمس سنوات هي في ميزان "الآخر" خمس سنوات من التبرع الخيري...
أتمتع فيها بخيرات البلد وكأنني لاجئ أفغاني...أو هارب من جحيم الحرب..
متناسين أنني جئت كما جاء غيري...أقدم ما آخذ مقابله..
في بلد هو كأي سوق عمل فيه العرض والطلب..
خمس سنوات لم أكن فيها إلا مجرد "رقم وظيفي" في الداخل ..ورقم "إقامة " في الخارج..
رقم ..إذا مسح بالخطأ من الحاسب من قبل موظف متخلف.. تحولت من أستاذ جامعي ..إلى طريد لكلاب الجوازات..
كما حصل مع غيري... وكما سيحصل معي أنا..
رغم شهاداتك ومستواك وقيمتك وأهميتك بالنسبة للمكان الذي جئت منه ..وإليه..
إلا أنك وللحظة..تكتشف أنك حتى في الداخل الذي يحترمك..تعامل كرقم ...
تضيع الحقوق المالية والمعنوية ...بمجرد أن تختفي من عالم الأرقام المخزنة ..بأيد غير أمينة..
تتداعى عليك الأكلة ..وتكثر حولك الكلاب... تفقد أقل حقوقك بأن تجد لك بيتا يؤويك..
أو أن تجد لابنك المريض أو زوجتك الحامل مستشفى يداوي ما بهم من آلام ويعتني بهم..
تفقد حقك في أن يكون لك أي كيان..
بمجرد أن تفقد هذا الرقم...
...لحظة استقلال....
خمس سنوات من الألم والغربة والتفكير المتواصل بلحظة الخلاص المحال ..
تنتهي بجرة قلم منك.. بتوقيعك الاستقالة ...صك الحرية...والاستقلال..
لتبدأ مأساة أخرى تكتشف فيه أنك ما زلت رقما..
"صبحك الله بالخير يا الدكتور...لقد تم قبول استقالتك تحت الرقم كذا وكذا"
"طيب جزاك الله خير..والآن وين صارت المعاملة؟.."
"خذا هذا الرقم واسأل في الصادر والوارد"
....
"ما وصلنا شيء يا دكتور...أنت متأكد أنك قدمت هذا الطلب؟!"
"يا ابن الحلال ..هذا رقم الصادر من الموظف اللي قبلك.."
"أبشر... أدورها لك ولا يهمك...تدلل!"
....
" أبشر لقيتها...صدرت من عندنا بتاريخ كذا ورقم كذا.. وراحت مكتب الدكتور فلان..."
..
" السلام عليكم..عندي معاملة وصلتكم بتاريخ كذا.. واليوم لها أسبوع وما طلعت من عندكم.."
" الدكتور وضعها تحت الدراسة... وإن شاء الله بتطلع من عنده قريبا!"
" بس الدكتور الله يبارك فيه ما له علاقة فيها ..يعني أساسا ما يقدر يتخذ أي قرار فيها..لازم يحولها للجهة المختصة ..وهي مرت عليه لمجرد الروتين.."
" أجل اصبر ..ولا يهمك.. تراها بتصدر اليوم أو بكرة..تعال لي بعد الصلاة"..
وتأتي بعد الصلاة لتكتشف أنها لم تدخل إلى مكتب الدكتور أساسا..بل هي مدسوسة في مكتب موظف آخر.. تحتضر مختنقة تحت أكوام من المعاملات التي تلتها في التاريخ..
وتأتي بعد الصلاة لتكتشف أنها لن تدخل مكتب الدكتور لأن " شرحها " لم ينته بعد..فالموظف لم ينتبه أساسا أنها موجودة..وبالتالي لم يكتب أي شيء عنها في نموذج الإحالة..
وتأتي بعد أسبوع لتكتشف أن الدكتور لم يخرجها من مكتبه.. وأن لا قوة في الأرض تستطيع أن تسأل –مجرد سؤال- ماذا حلّ بها..
ولتكتشف أن الدكتور إمام مسجد في المساء... ولكنه إله في الصباح يصلي له الموظفون .. ويخشاه المراجعون، ولا نقاش في حكمه ، ولا تدبير إلا تدبيره..لا يسأله أحد ما فعل في عبيده....
ولتكتشف أن الدكتور وبعد عشرة أيام من المراجعات..أعاد المعاملة إلى نفس المكتب التي صدرت منه قبل شهر..طالبا منهم إبداء الرأي!!
وتمر الأيام... ويأتيك التلفون زافا الخبر السعيد أن معاملتك انتهت.. لتكتشف أنها معاملة "جمال" ..الدكتور الذي قدم معاملته بعدك بشهر..
وتأتيك البشرى أنها حوّلت للجهة التنفيذية.. منهية مسارا طويلا من الألم والترقب والتعب والقلق ..وأنت تعيش بلا رقم.. وتخاف أن تتصيدك كلاب الأرقام..مطالبينك بإقامتك.. وتخشى أن تخالف حتى قانون السير...لأن لا "كفيل" لك يخرجك من غياهب السجن في حال دخلته...
تأتيك البشرى... وتنتظر أسبوعا تسأل جهة الخلاص متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.. ويأتيك الجواب يوميا "ما وصلنا شيء"
وتذهب لتسأل مرة أخرى.. لتكتشف أن الموظف الذي قال لك أنه حولها للجهة التنفيذية..حولها بالخطأ لنفس المكتب الذي ابتدأت أنت منه تقديم طلبك.. والذي حولها لمكتب "الدكتور" كونها لا تدخل في نطاق عمله.. وبالتالي ابتدأت المشوار من الصفر..بل من ما تحت الصفر..إن كان هناك شي تحت الصفر إلا بلادنا..
"عزيزي..ما وصلني شيء الله يهديك..فأنا لست جهة منفذة.. وليس لدي أي شيء يتعلق بك.."
"طيب الإحالة جاءت إلى مكتبك!..."
" ما ظنيت...لحظة أكلم لك فلان الذي أحالها إلي..ألو..حياك الله أبو فلان..كيفك وكيف البزور.. والأهل؟ ..كلهم طيبين! .....والوالد..عسى صحته زينة.. وابنك زوّجته وإلا لسه......(".....")
..أقول...أيش قصة المعاملة باسم الدكتور فلان ابن فلان..... يا أخي ما وصلني شيء!...طيب جيب نسخة عنها وتعال.."
بعد خمس سنوات ..تكتشف انك ضعت في عالم الأرقام..
وأن الموظف أعاد تحويل المعاملة حالما وصلته..كونها لا تقع ضمن اختصاصه..
ولكن إلى جهة غير معلومة... وبغير رقم إحالة..
بعد خمس سنوات ..تكتشف أنك فقدت الرقمين... رقم الإقامة ..ورقم الإحالة..
وأنك وحيد في بلد يأكل ما تبقى من رصيدك في البنك ..وحيدا بلا راتب ولا كفيل..
ممنوعا من أن تستأجر منزلا بدل ذاك الذي انتهى عقده..
غير قادر على مراجعة المستشفى لتطمئن على صحة زوجتك الحامل..
بل أنك عاجز حتى عن العودة إلى بلدك...مضحيا بكل ما تبقى لك هنا..
لأنك..لست رقما