مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




٤ كانون الثاني ٢٠٠٨

٣ كانون الثاني ٢٠٠٨

أنا متصوف!!

أنا متصوف... نعم أقولها وأنا أعلم ما لهذه الكلمة من أبعاد...أعلم علم اليقين أنها تعني أنني ألبس عصابة صفراء أغلق بها أذني عن كل شيء عدا كلام الشيخ.. أعلم أنني أحطم هتاف :يا الله ... وأحشر فتاته في أذني لأسدها عن الحق، لكن قل لي يا قلب ماذا أفعل؟.. إذا كان درب التصوف هو المخدر الذي يهدأ ذاتي ويخمد جذوتي ويطفئ ناري.. إذا كانت الحلقة بعجاجها وقعقعتها تغطي على أصوات الكلاب تتنابح على دولة بني العباس..إذا كانت نداءات المنشد تميت في فكري التناقض الذي يريدون زرعه فيه...أو ليست استغاثتي بأحمد البدوي (وهو الميت) أجدى من استغاثتي ببني جلدتي وهم الأحياء؟ أوليس أسهل لي أن اقتنع أن مناجاتي للقبور - رغم عدم ورود نص قرآني أو نبوي - مندوبة شرعا من أن اقتنع من أن دفاعي عن عرضي وأهلي وشرفي محرم شرعا لعدم وجود إذن من ولي الأمر أو فتوى من أهل الاختصاص؟؟؟
أنا كالمدمن..ما أن أخرج من الحلقة حتى أشعر بقشعريرة في جسدي ترعبني من حياتي المتوقفة حتى إشعار آخر..ما أن تلامس وجنتي الهواء النقي في الشارع حتى يصيبني صليل في أذني يسمعني سنابك الحق... ما أن يتناهى لمسمعي صوت "خديجة بن قنة" حتى ينتابني دبيب يسري في ساعدي ويدي ويخرج من أناملي يستحثني على حمل السلاح ومحاربة الكون...اسمع أصوات أخوتي في أرض جريحة تتكلم لغة وتنطق باسمها لغة أخرى..اسمع غمغمات الحق المكمم واسمع خاطفيه يترجمون غمغماته بكلام غير الكلام ومناجاة غير المناجاة وفكر غير الفكر...اسمع العالم يتنادى على أرض الإسلام باسم حقوق الإنسان..وإسلامنا يتنادى شيعته ضد سنته وقادريته ضد هلاليته وسلفيته ضد وهابيته..فأعود مهرولا إلى شيخي فآخذ حقنة أخرى... ويا لها من حقنة..إنها تزيدني ألما..تشعرني بمدى حقارتي أمام إسلامي وأمام صليبيتهم...تحرقني... تؤجج ناري يوما بعد يوما بعد يوم..لكن إن كان قلبي سيحترق فارتاح.. فليحترق...إذا كان عقلي سيوأد فيجد الرقاد لعيني سبيلا .. فليوأد..إذا كانت إنسانيتي ورجولتي ستلجم بعصابتي التي اعصب بها رأسي في حلقة الذكر فلا تجد خواطر الجهاد إليه سبيلا...فلتلجم..المهم أن نار الحقنة لهي أخف وطأ من نار المحنة.

بعد أشهر شعرت بأن نفسي تزدري نفسي.. وأن روحي تتقيأ روحي... وأن ناري تأكل وجاري...لذا تركت الحلقة وذهبت إلى غيرها علما مني بأن الأخيرة أقدر وأشد جرأة على وأد العقول...دفنت نفسي فيها... خنقت أحلامي وآلامي في عرق وصديد القافزين والراقصين وأغلقت أنفي عن اشتمام عبق الحرية لكن لا جدوى...ضحكت على نفسي وقلت: "لّما تبلغ الجذب بعد!"

أفنيت نفسي في الحلقة علني أفنى في الله..لم تحصل تجليات.. ولم استحصل السكينة المنشودة..ولم أشاهد المعنى..بل إن هي وريقات "قات" أملا بها شدقي وألوكها فـ"أسلطن"على نغمات المنشد... وفقط!

سألت شيخا مهيبا بلحية بيضاء ويسكن بجوار الزاوية عن سبب عدم التجلي، وصف لي وصفة دسمة من الأذكار والخلوات وقراءة القرآن بترتيب معين فلم أزدد – بعد آلاف التسبيحات وساعات الخلوة الطوال- إلا يقينا بعدم جدوى ما أفعل...كررت السؤال فقال لي: أنت لست بشفاف... قلت في نفسي"وكيف بربك أكون شفافا وأنا احرق نفسي وابتلع دخاني خوفا من العيون؟؟؟...

سألته: ما الذي يميز المتصوف الحقيقي عن غيره؟ قال" صدق التوجه"، قلت: فكيف تعرف أنت المتصوف الحقيقي؟؟" قال:"يخبرنا عنها الملأ الأعلى، فالأولياء يرونه بنور الله ويكاشفون روحه...."

سألته:" وهل تراني متصوفا؟" قال:" أنت مجتهد، ولكل مجتهد نصيب!! أرى أن الله حباك وسيحبوك من أنوار حبيبه المصطفى وعلم السادات رضي الله عنهم إذا تابعت السعي بجد.."

راجعت نفسي، كل هذه النار والحريق في نفسي والشيخ يرى أن الله حباني أنوارا "جوّانية" خاصة بي.. إذا فكل هذا الدخان في روحي لا يراه إلا أعمى بصيرة مثلي!"

وانطلاقا من هذه الحقيقة قررت أن أبقى متصوفا... وما دام أحد لم يثبت العكس..فأني أعلنها وأنشرها... والعنها وأشكرها..أعلنها علاجا لصداع الفكر المزمن وأزمة الضمير الحي..وأنشرها داءا على مبدأ "وداوها بالتي كانت هي الداء"... وألعنها سما زعافا للعقل... وأشكرها مخدرا للنفس والإنسانية.. واصرخ بأعلى صوتي:" أنا متصوف.. فمن أراد عقلي فليأت ويستلمه على عنوان الحلقة الفلانية..ولكم جزيل الشكر لتخليصي من عقل "أبي القاسم الطنبوري" الذي كلما قذفته على باب الزاوية عاد إلي..فأنا متصوف ولا حاجة لي بالعقل.. يكفينا عقل شيخي..أدامه الله.

٣١ كانون الأول ٢٠٠٧

لحظة مواجهة 2

كان يوم زواجهما مشرقا على غير عادة الأيام في كانون – يونيو.. أقيمت الاحتفالات حتى الفجر.. وبعد زفافهما دخلا سوية القصر الذي أهداه أياه أبوه.. جرب أن يبتسم في وجهها، فهي وعلى الرغم من لؤمها في نظره إلا أنها تحمل وجها ملائكيا سبحان من خلقه.. أراد بابتسامته أن يعلن بداية سلمية لعلاقة سلبية بينهما، إلا أنها ردت بتعبير بارد.. فكر في أنها ما تزال تخاف منه لاعتقادها بأنه صورة عن والده، أراد ان يوحي لها بأنه لا يريد أذيتها لذا تجرأ ومد يده ليحمل يدها بحنان، إلا أنها باغتته بصفعة قاسية وقالت بنبرة ملؤها الحقد والتحدي:" اسمع يا هذا...لم يخلق بعد العربي الذي يلمس جلدي"! ..ثم ركضت مغضبة نحو غرفة النوم وهو يشيعها بناظريه، وبعد لحظة رأى وسادة وغطاء يقذفان من الباب... ثم يغلق الباب بالمفتاح.
أدرك عندما صحى من المفاجأة أنها طردته، وقالت له ضمنا :" انا لا اعتبرك زوجا بل عدوا.. أنا أرقى منك عرقا ونسبا.. وسانتقم منك لأيام الذل والهوان التي ذاقها والدي على يدي والدك!"
هول الصدمة وعنف الواجهة قتلت في نفس خالد أية رغبة في الهدنة.. آلى على نفسه أن يبرّ بقسمه أمام والده قبل الزفاف بأن يذيق جوسلين الذل والهوان.. كان يعتبر هذا الوعد باطلا لأنه جرى تحت التهديد.. لكن الآن اصبح لهذا الوعد صدى في نفسه.. وبينما كانت ترتصف في أذنيه كلمات الوعد الملعون.. كانت تتسارع أمام عينيه صور والده وهو يعنّف المراسلين والموظفين،..وهو يوبّخ الخدم ويصرخ فيهم..تذكر وجه الموظف الذي بسببه ماتت والدته.. أحس بالحنق والكره يندفع في عروقه.. كره أبدي للموظفين وللخدم ..ولزوجته .. وللزواج.. ثم خطر له خاطر..هل كانت أمه تعامل والده بمثل ما تعامله جوسلين الآن لدرجة أن يقتلها تسمما بالكلام؟!
استبعد الفكرةَ تماما طيفُ والدته الحنون ذات الوجه الملائكي والصوت العذب.. لقد كانت والدته تعد العشاء بيديها لوالده حتى في الأيام التي كانا فيها متشاجرين.. لقد بذلت قصارى جهدها للحفاظ على علاقتها بعامر رغم كل شيء..
استجمع قواه.. حصر صور والده في مخيلته وكلامه على رأس لسانه..بل وضع صورة أمه الباكية أيضا نصب عينيه وصمم أن يرى جوسلين تبكي قهرا تماما كما كانت أمه تبكي ألما ذات يوم... فجوسلين تستحق هذا..
دفع بجسده النحيل الباب فانكسر... رأى زوجته وفي يدها كتاب افرنسي وعلى وجهها علامات الرعب.. لم يستيقظ من حمى الغضب إلا أمام باب خشبي كتب عليه "غرفة الخدم" ...نظر في يده اليمنى فرأى شعر زوجته وبين خصلاته بدى وجهها المدمى المحتقن بالبكاء.. وفيه يده اليسرى الوسادة و الغطاء الرقيق.. قذف بما في يديه جميعا إلى داخل الغرفة وأغلق الباب بالمفتاح.. ثم اصابته حمّى الذهول.. وهو يعيد قراءة اللوحة النحاسية وما عليها.. سار وهو مذهول إلى غرفة الجلوس.. جلس على الكرسي وأخذ يتذكر ما حصل..منذ لحظة دخولهما القصر، إلى ابتسامته في وجهها، فكلامها الجارح مرورا بصورة والدته الباكية ووالده العابس ووصولا إلى الباب الذي دفعه فتحطم.. استوقفته فكرة تحطم الباب.. هل كان مغضبا لهذه الدرجة أم أن النجار قد غشه!؟ لكن شريط الذكريات لم يسمح له بالاستمرار أكثر في تأملاته فقد تتابع ليتذكر صورة جوسلين وهي ترتعد بسبب دخوله المفاجئ عليها، حاول أن يتذكر ما حصل بعدها فلم يستطع، ثم قفز شريط الذكريات إلى غرفة الخدم وبالذات إلى وجه جوسلين وهو يمسكها من شعرها.. كان الدم المختلط بالدمع يعلو وجهها الملائكي إلا أنها لم تكن تبكي بصوت مسموع.. لقد كان أنفها يسيل بالدم..عاد شريط الذكريات إلى غرفة النوم وتذكر أنه عندما دخل عليها صفعها بيده ثم مزق الكتاب الذي كان بين يديها وأخذ يشتمها ويشتم "ديغول" و "شيراك" وغيرهما ممن تذكره من الشخصيات الفرنسية.. ثم تجرأ ونزع حذاءه فصفعها على جبهتها فأخذ دمها يسيل على وجهها.. تذكر جميع هذه الأحداث وكأن شخصا آخر هو من قام بها.. لكن صوت والدته رن في أذنيه
( لا تكن قاسيا كوالدك.. إن للمرأة قلبا وكيانا كالرجل تماما، لكن قلبها من زجاج...سرعان ما ينكسر .. وإذا ما انكسر فلا يمكن إعادته إلى ما كان عليه.. أما قلب الرجل فهو كفرع الشجرة..كلما أنكسر نبت غيره!) ... وأكملت صورة أمه الباكية دموية المشهد فقرر صدق المقولة الشعبية "فرخ البط عّوام"... لقد كان نذلا وجبانا كوالده تماما..
أندفع كالمجنون نحو غرفة الخدم حاملا حقيبة الاسعافات الأولية وهو يقول: ما هكذا تعامل الزوجة يا خالد...ليس معك حق فيما فعلت.. من العار أن تكرر مأساة والدتك.. أليس حراما يا مجرم أن تصفع زوجتك بيدك ثم بالحذاء وتسحبها وراءك من شعرها نازلا بها الأدراج نحو غرفة الخدم.. وتلقيها هناك وتلقى وراءها الوسادة والغط..."
توقف فجأة وأختفت من أمامه أطياف أمه.. نعم الوسادة والغطاء..كيف وصلا إلى يديه في تلك اللحظة؟ تراجع شريط الذكريات كثيرا إلى الوراء ليتذكر أن جوسلين هي من القتهما إليه ابتداءا.. عندها ملأت عينيه صورة والده بشاربه المرتفع كراية النصر.. وأختفت اصوات البكاء والنحيب.

صباح اليوم التالي جاء النبأ بوفاة مسيو بيرو..أحس أن مقاومة جوسلين التي كانت تستجمعها طوال الليل بدأت تنهار..ومرّ النهار بهدوء.. في اليوم التالي حاولت اعلان التمرد فنالتها صفعة من يد الاستاذ عامر اسكتتها على الفور.. بل منعتها حتى من البكاء لقسوتها.. وأمر عامر بوضع الحراس على مخارج القصر لمنعها من الهروب..ثم وبمرور الأيام تعمد عامر على معاملتهاكخادمة.. فمرة يطلب إليها تنظيف الطاولة، ومرة تحضير القهوة.. ومن ثم بدأ يناديها "يا بنت" استصغارا لها وإمعانا في إهانتها.. وتجرأ خالد يوما فناداه يا بنت..وهو تعبير تخاطب به الخادمات، ولكنها فاجأته بردها "نعم يا مولاي" ..كان ردها طعنا في دينه مباشره..فهي تشبهه بسلاطين الدولة المملوكية موحية بذلك ان ما يفعله من إذلال مستمد من دينه.. كانت هذه هي الشعرة التي قسمت ظهر البعير.. لم يتردد لحظة في صفعها على وجهها بكل ما أوتي من قوة..فاندفعت تبكي إلى غرفتها والدم ينزف من فمها..وخرج هو لا يلوي على شيء..
عاد في آخر الليل في ليلة شديدة البرودة من ليالي شباط – فبراير.. فتح باب المنزل فشعر بوجود غريب في البيت.. كانت الأضواء المطفأة تشعّ بضوء غريب جعله يتبين ما حوله تماما وكأنها مضاءة. جلس في غرفة الجلوس محاولا إعادة ترتيب أوراقه ...لكن نبضه تسارع فجأة وأحس وكأن أحدا ما في الغرفة..خشي أن يكون هناك لص ..أو أن تكون جوسلين تدبر قتله!..تفتحت حواسه بقوة بدأ يستشعر الغرفة من حوله... اشتم رائحة حريق في المنزل.. قفز كالمجنون نحو غرفة الخدم وفي خاطره أن جوسلين قد انتحرت محرقة نفسها.. فاكتشف أن الرائحة هي لبقايا حادثة يومية جرت في المطبخ كانت نهايتها احتراق الطعام..كانت غرفة الخدم مواجهة للمطبخ، وبابها مغلقا.. وما أن قرأ اللافتة النحاسية من بعيد حتى شعر بوجود هائل يهبط في عقله واشتعلت في رأسه مئات الوساوس.. لقد اعتاد أن يكون وسواسه الداخلي رجلا ذو صوت خشن كصوته.. فما بال هذه الوساوس نسائية؟
أخذ يجمع أفكاره ويحاول فهم ما تقوله الوساوس.. كانت أوضحها ثلاث نبرات.. لم يستطع تمييز صاحب الصوت..أهو صوت والدته أم مربيته ..ام زوجته ...كان الصوت يقول بنبرات مختلفة " أنت تحب السيدة يا سيدي..لا تنكر أنك تحبني يا مولاي..وإلا لماذا اندفعت لغرفتها عندما شممت الحريق يا بني!".. كانت قدماه ما تزالان في حالة حركة وهو يتحرى حقيقة الوساوس عندما اصطدم بباب خشبي قرأ عليه لافتة "غرفة الخدم"..حاول أن يستدير فلمع في ذهنه اسم "جهنم"...تلك الكلمة التي أخافته كثيرا عندما كانت أمه تهدده بها لئلا يخطي ثانية.. تسمّرت قدماه ثم عاود التوجه نحو باب الغرفة.. وبعد صراع نفسي قوي تجرأ وفتح الباب... أنها أولا وأخيرا زوجته..ومن حقه الدخول إلى غرفتها.. دخل كاللص بعد أن نزع حذاءه.. رأى على ضوء الموقد وجه زوجته..قرب هاتفه المحمول إلى وجهها ليرى على نوره الضعيف أنها كانت تبكي لفترة قريبة قبل نومها..فما تزال آثار الدموع على خدها واضحة.. وجفنيها مبتلان بالدموع.. أدرك أنها نامت منذ حوالي نصف ساعة.. اي قبل دخوله المنزل..لم يستطع أن يمنع نفسه من النظر إليها... كانت كملاك صغير ينام في سريره.. اختفى كل كرهه لها فجأة.. وأحس ان تصرفاته وضعف شخصيته هما السبب في فقدانها الاحترام له.. وبالتالي فقدانها الثقة فيه ومعاداته.. لقد كان غبيا عندما عاداها.. وغبيا عندما أظهر لها الوداعة دفعة واحدة..راودته نفسه ان يعتذر منها وهي نائمة..مال بسرعة وقبل أن تلامس شفاهه جبهتها توقف قليلا.. أحس أن ضربات قلبها بدأت تتسارع فعلم أنها ما تزال مستيقظة..خاف وكاد يفرّ من الموقف..لكنه شعر وكأن يدا رقيقة ربتت على راسه فتلامست شفاهه مع جبينها برفق..ترك الغرفة بسرعة وخرج لا يلوي على شيء حتى وصل غرفة نومه.. جلس على سريره ونظر إلى الساعة.. كانت الثالثة صباحا.. لطالما شاهد هذا المنظر كلما استيقظ من النوم بعد أن تطارده الكوابيس..كابوس الحاسب الذي حطمه والده.. وكابوس والدته الباكية..لكنه اليوم لن يسيتقظ على هذا الكابوس.. فجأة تذكر اليد التي دفعت رأسها إلى اسفل وأجبرته على تقبيل جبين زوجته..كانت هي نفسها لمسة والدته..لقد تعودت والدته أن تربت على راسه بهذه الطريقة كلما أخطأ في عمل أو في حل واجب دراسي.. حتى في تأنيبها كانت رقيقة كالملاك! ..عند هذا الحد شعر بالاطمئنان ونام..
في اليوم التالي شعر أنها لم تعد تنظر إليه بحقد..حتى أنها لم ترد عليه عندما ناداها "يا بنت" ..بل خففت كلمتها إلى "يا سيدي".. أما هو فلم يستطع تجنب إهانتها خوفا من أن تتحول مهمة إذلالها إلى والده.. ورغم أن والده لم يكن موجودا إلا أنه خاف أن يعصيه فينقل له الجواسيس ذلك.. وبعد يوم من المعاناة عاد خالد ليودع جوسلين عند الفجر بقبلة على جبينها.. لكنه هذه المرة لم يكن خائفا.. وصعد إلى غرفة نومه لينام على مشهد عقارب الساعة وهي تنطبق عند الثالثة..
تكررت هذه القضية مرات عدة..حتى أصبحت عادة.. شجار في النهار واعتذار في الليل ..بل أصبحت جوسلين تضحك أحيانا عندما يظهر خالد أمامها العنف والرجولة.. ومرة مسحت بيدها على رأسه ثم قالت له "طلباتك أوامر"!


ذات يوم طرح خالد على والده فكرة مشروع ضخم يفيد البلد ويعزز اقتصادها.. وبعد تصفح سريع للمشروع الذي كلف خالد تعب أكثر من ستة شهور رد عامر ببلادة: وما الفائدة من هذا المشروع؟ فمرابحه قليلة جدا ووارده بطيء .. ويستلزم حجز مبلغ ضخم من المال في مشروع لا يدر أرباحا سريعة..هذا المشروع أشبه يجمعية خيرية منه بمشروع اقتصادي..فهو يفيد الفقراء من أبناء البلد أكثر ما يفيد الشركة.. أنسى الموضوع تماما ولا تذكرني به أبدا.."
شعر خالد بالغضب لاستهزاء والده بالمشروع بهذه الصورة..فهذا المشروع هو من أفكاره 100% ويمثل الكثير بالنسبة له.. ورد والده كان مهينا جدا بالنسبة له.. أستغرب خالد كيف يرد عليه والده بهذه الصورة وهو الذي كان يشيد بها قبل ايام..لم يدر بنفسه عندما قال: إذا لم تقم انت بالمشروع فسأقوم بعرضه على شركة أخرى واتخلى عن العمل معك." ضحك عامر بشدة وقال: "ستعرض ماذا؟.. رأيك؟ و تتخلى عن العمل معي؟!.. ومنذ متى ولك رأي تعرضه؟ ثم من قال انك تعمل معي؟..يا مهندس يا محترم أنت تعمل عندي..لا معي..عقد عملك يحدد لك هذا.. كما أنني لا أريد سماع كلمة "رأيي" هذه مرة أخرى.. أنت ليس لك رأي.. أنت أبني أنا.. ولا يحق لك أن تكون شيئا آخر غيري.. شخصيتك هي امتداد لشخصيتي .. وانا المربي والمدرب لك في معركتك مع الحياة..أسمعت؟"
شعر خالد بأن قلبه يتحطم... كلمات مشابهة قالها والده لوالدته كانت كافية لتؤدي إلى وفاتها.. هذا الرجل لا يكن مودة حتى لأقرب الناس إليه..فلذة كبده.. لكن للأسف كان كل ما يقوله والده صحيح.. هو عديم الشخصية إلا أمام تلك المسكينة التي يعتبرها الناس زوجته...تلك المسكينة التي يفرغ عليها عُقدَهُ ومركبات النقص في شخصيته.. ويا لها من صبورة..
خرج من المكتب لا يلوي على شيء..وأخذ يدور في الشوارع بغير هدى حتى الساعة الثانية والنصف.. عندما وجد نفسه أمام قصره.. في ليلة من ليالي تشرين – نوفمبر بدأت فيها تباريح الشتاء تلوح على الأبواب ...دخل إلى البيت وآلاف الشياطين تقرع في رأسه نواقيس الغضب. "اترك العمل مع والدك.. اعمل لنفسك " لكن صوت العقل يجيب " ومن أين المال. ومن سيرضى أن اعمل في شركته وهو يعلم ماذا يعني إغضاب والدي؟" فيجيب الصوت الغاضب " وكرامتك ؟؟.. الرزق على الله! " ويكرر صوت العقل " وهذه المسكينة التي تزوجتها؟ ما مصيرها؟"..
تذكر فجأة زوجته.. كان قد وصل إلى غرفة نومه..نظر إلى الساعة فوجدها قد قاربت الثالثة صباحا.. ابتسم على الرغم من غضبه..ثم بدل ملابسه وتدثر بدثار خفيف من برد الليل في الصالة وانسل نازلا السلالم إلى الطابق الأرضي حيث تنام زوجته.. دخل بهدوء كعادته.. لكنه رأى زوجته نائمة بهدوء ودون ان تكون آثار البكاء على وجهها..فعلم أن والده لم يمر بالبيت.. قبلها كعادته ثم نظر إليها..أحس بسخافته عندما رأى زوجته نائمة بهدوء رغم عام كامل من الاهانات والشتائم.. لقد أدرك في النهاية أن الغالب كان هي لا هو.. لقد حافظت على كرامتها وشخصيتها ولم تنكسر..بينما عجز هو عن امتلاكهما..تذكر كلمات والده الجارحة فهز رأسه يمنة ويسرة كمن يريد ان يبعد أطياف الكلمات عن اذنيه.. حاول أن يغادر الغرفة فشعر ببرودة الممر خارجا كما لم يشعر به من قبل..كان أثاث غرفة الخدم على بساطته أوثر واريح من سريره الناعم.. وكانت رغم الكسور في الزجاج والتي سببها والده.. وعلى الرغم من عدم وجود سجادة أو تدفئة مركزية أكثر دفئا من اية بقعة أخرى على سطح الأرض..لم يدر كيف تجرأ وجلس على السرير بجانب زوجته ...كان المكان مغرقا في الرومنسية..الانوار المتأرجحة القادمة من نار المدفأة الصغيرة ..رائحة الدفء والحنان المبنثعة من التحاف زوجته بالغطاء الرقيق الذي القته يوما إليه، ثم ألقاه إليها في هذه الغرفة.. نور القمر المتسلل من الشباك المكسور والذي الصقت عليه مجموعة من الجرائد ولوحات الورق المقوى لرد البرد..كل شيء في الغرفة كان يدفعه للبقاء أطول فترة ممكنة..كان المكان بجانب زوجته متسعا، وكأنها عرفت انه قادم في هذه الليلة بالذات ليجلس على السرير بجانبها..واتته الشجاعة مرة أخرى فمدد رجليه على السرير..وأسند رأسه إلى الجدار خلفه.. شعر أن لسانه بحاجة أن ينطق فأطلق له العنان... سمع نفسه يقول:" جوسلين الحبيبة... أنا آسف جدا..كنت أعتقد ان عجرفة الذكر هي التي تقود البيت إلى بر الأمان...لكن للأسف.."صمت فترة ليستجمع أفكاره ثم عاد ليقول " هل تعرفين؟! أنا جبان... نعم أقولها بكل صراحة ..انا خالد ابن عامر جبان حتى النخاع... اكتشفت ذلك فجأة عندما تحطمت صورتي التي كنت قد رسمتها لنفسي في مخيلتي بأبهى صورة..ولدا مطيعا وبارا بوالده.. لكنني لست إلا مجرد فأر جبان.. بل لقد كنت طوال عمري جبانا..جبان مع والدتي عندما تركتها تواجه والدي الجبار وحدها..جبان مع والدي عندما لم تركته يستلب شخصيتي ورأيي.. بل يستلب حتى أصدقائي.. جبان مع الشلة الرائعة التي كنت اصادقها..ذلك أنني لم أدافع عن صداقتهم ولم أواجه والدي بأنني لا أريد قطع علاقتي بهم..وجبان مع نفسي عندما لم أواجه نفسي بأنني جبان... جبان معك عندما أعطاك والدك سلاحا هو تكبّر بنت الأصول و أعطاني والدي سلاحا هو عجرفة الذكر.. فاستخدمته ولم تستخدميه.. وما ذاك إلا لأن السلاح بيد الجبان قاتل.. نعم كل هذه الاهانات والشجارات والصراعات بيني وبينك لم تكن إلا بدافع من ابي ومباركة من أبيك.. والدك أراد الانتقام من والدي ووالدي أراد التشفي من خيانة والدك...وكلاهما حاكا اللعبة بحيث أكون أنا المجرم وأنت الضحية.. والدك يريدك أن ترثيني دون أن تصبحي زوجة وأما، ووالدي أرادك خادمة ووصمة عار يذل بها والدك حتى بعد مماته.. فينتقم لكبرياءه وجنون عظمته.. وأنا جئت كالحاسب المبرمج ونفذت البرنامج فيك.. وأخيرا كنت جبانا مع حبي لك عندما لم استطع كشفه لك إلا وأنت نائمة .... أما الآن فلقد زال كل شيء وأنكشفت الأقنعة.. لقد تشاجرت مع والدي وقررت ترك الشركة..فأكتشفت أنني من دونه لا شيء.. وهذا اللاشيء لا يستطيع أن يثبت أنه شيء ما إلا عندما لا تستطيع زوجته أن تقول شيئا.. يقول لها أنا أريدك.. أنا أحتاجك واحتاج حنانك.. وهي نائمة تحلم بتصرفاته الرعناء تجاهها.. هو دائما صادق في الفجر.. وهي دائما نائمة عند الفجر.." وحانت منه التفاتة فرأى جفنيها وقد اطبقا بسرعة.. فتابع بلامبالاة لفكرة كونها مستيقظة " أقصد وهي تفتعل النوم... لكن ما يبرئ ساحتي أمامها أنني كنت على الدوام في حالة انفصام شخصية.. أتصرف معها نهارا وفق برنامجي المبرمج..ثم أقول لنفسي: عندما أكبر واستقل عن والدي لن أفعل هذا ابدا..لكنني الآن بت على يقين أن يوم الاستقلال بعيد..لذا سأظل دوما امارس شخصيتي الحقيقية في الخفاء كاللص.." انزل ساقيه غلى الأرض واستعد للنهض لكنه تمهل وقال لها..: المهم أنك تعلمين الآن تماما من هو الذي كان يهينك طوال عام كامل من الزواج..إنه الحاسب الذي برمجه والدي على هذا وذيل والدك البرنامج بتوقيعه موافقا على نصه..أما خالد الحقيقي فهو ذلك الطيف الذي كان يخرج كل ليلة فجرا من داخل ذلك القمقم المبرمج ليطبع على جبينك آثار شفاهه..يكفي أن تعلمي أن ذلك الطيف يحبك تماما كما كان يحب والدته..وأن في داخله نسخة عن حنان والدته.. إلا أن والده حَشَرَهُ في داخل ذلك الحاسب ومنعه من الخروج..ينفذ ما يريده مبرمجه.. ويندم على التنفيذ.. يجب أن تعلمي أن القمقم الذي أعيش فيه بعكس بيضة الدجاجة.. لا ينكسر ليحررني إلا إذا كسرته بيديك من الخارج.. فجميع نقراتي اليائسة من الداخل لن تؤدي لكسره وتحريري.." وانتصب واقفا وتابعا مرتجفا وقد اغرورقت عيناه بالدموع وتحشرج صوته: وأرجو أن يكون يوم تخليصي على يديك قريبا يا غالية.."
-----------------
سار ببطء نحو منتصف الغرفة.. وفي نقطة معينة من أرض الغرفة تراءت له صورة الموظف المطرود الذي تخلص منه عامر بعد أن أصبح عاجزا ..ضحك في نفسه بمرارة مخاطبا إياها " وهل أنا إلا مثل هذا الموظف ؟!... لقد طردت كما طرد.. وهاأنذا أموت كما ماتت أمي..." أحس بيد خفية تربت على كتفه.. استدار فلم يجد أحدا.. فأدرك أن طيف أمه يريد منه أن يتم عملا ما.. نظر إلى زوجته فوجد جفنها مبللا..اقترب منها وطبع قبلة على جبينها بثقة وهدوء ثم قفل راجعا نحو باب الغرفة.. ولكنه سمع شهقتها وهي تغص بالبكاء.. أحس أنها بحاجة للحنان بعد عام كامل من الغربة المؤلمة.. لكنه أدرك أنه أجبن من أن يتلفت ليراها أو يواسيها.. فتابع خطواته نحو الباب.. امسك بالقبضة وفتح الباب فسمع صوتها تناديه باسمه.. أحس بطعم غريب لم يتذوقه منذ فترة طويلة تمتد شعابها في سنيّ المراهقة..أخذ يتذكر أين سمع هذا الاسم من قبل.. أمه؟ لا فهي كانت تناديه دوما بأبني أو حبيبي..أو باسم "الدلع".. والده؟ لا فهو يناديه بلقبه "باشمهندس" ...حتى جوسلين نفسها لم تناديه يوما باسمه.... عادت به الذاكرة إلى الوراء ليتذكر أيام الجامعة ..أنهم الشلة..اصدقاوءه في الشلة هم فقط من كان يناديه "خالد"..تسارعت الخواطر والذكريات حول الشلة وايام الجامعة السعيدة.. أحسن بخيانته لهم تفتت كبده فانفجر بالبكاء وصدم رأسه بحافة الباب بقوة محاولا إخراج تلك الذكريات منه.. سمع صوت طقطقة خشب السرير فعرف أنها قامت منه..لكنه لم يستطع أن يلتفت.. فكر في الكيفية التي ستخاطبه بها أو سيرد بها عليها.. لقد اصبحا الآن في نفس المقام..كلاهما ابن أكابر.. وكلاهما مفلسان..فكر كيف سينظر في عينيها وقد أخبرها للتو كل تلك الحقائق عن والدها ووالده..بل وعنه هو شخصيا..رفع راسه الدامي من أثر الصدمة بحافة الباب وأخذ يحملق في السقف.. أحس بأنفاسها تتسارع خلفه وتتقطع أحيانا فعرف أنها ما تزال تبكي. لم يستطع تحمل فكرة أنه سبب لها كل هذا الألم فوضع يده على فمه ومال على الأرض كمن يريد منع نفسه من الصراخ..لمست كتفه بيدها فنتفض واغلق الباب بعنف، ثم استند إليه كالمصلوب وأخذ ينشج بالبكاء بصوت مسموع..أمسكته من كتفه وحاولت أن تديره ليواجهها استدار بسهولة كما يستدير كرسي والده الفاخر..لكنه لم يستطع أن يقابلها وجها لوجه..رأت جبينه ينزف لكنها أدركت أن اللحظة التي تعيشها أهم من أن تضيعها بسؤالها عن جبينه وجرحه النازف..كان كلاهما يبكيان عندما أسندت رأسها إلى صدره.. صرخ كفهد جريح مبعدا إياها عنه بلطف: ابتعدي عني..ماذا تريدين؟.. كفاك تعذيبا لي." نظرت إليه وقالت بعيون معاتبه" أهكذا يقابل الزوج زوجته الحبيبة؟".. كرر هذه الكلمة بدهشة "زوجته الحبيبة" وجمدت شفاهه راسمة تعبيرا لا هو بزهو الابتسامة ولا بذبول الحزن.. لكنها لم تقف عند هذا التعبير طويلا فقد تحولت إلى ابتسامة وضاءة عندما لمحت عيناه الحائرتان في وجهها ابتسامة صغيرة. أدرك هو أيضا أن ليس لعجرفة الذكر مكان بين الأزواج..فوضع كفيه على صدغيها حاملا رأسها بينهما.. تذكر كلمات الوعد الذي قطعه على نفسه أمام والده بإذلالها فأدار راسه يمنة ويسرة طاردا شبح هذا الوعد.." أنه الحاسب من قطع هذا الوعد وليس أنا.."
مرر ابهاميه برفق على عيونها ليمسح آثار الدمع ..إلا أن قطرة صغيرة من الدم سقطت على ارنبة انفها..ضحكت مرتبكة بينما ارتبك هو مقدما الاعتذارات المتوالية ثم أخرج منديلا وأخذ يمسح وجهها..تسارع تقاطر الدم من جبينه فقالت بعد أن أدركت انه قد آن الأوان لتمثل دور الزوجة:إنك تنزف! " رد بسرعة:" ليكن.. دعيني انزف كل ذلك الدم السيء الذي ورثته عن والدي " كان تعبير "الدم السيء" تعبيرا فرنسيا يقصد به الطباع الوراثية لهذا ضحكت لتعريبه المصطلح ..أمسكت بيده وأجلسته على كرسي.. ثم أخرجت حقيبة الاسعافات الأولية التي تركها في يوم زفافهما أمام غرفتها وطهرت له جرحه..قال لها: لقد أفلست تماما كما أفلس والدك" ردت بهدوء " ليكن..الرزق على الله".. قال لها " قد تحمدين الله يوما على غرفة الخدم هذه لأنني قد لا استطيع تأمينها لك".. ابتسمت قائلة: لقد أدركت أن المال يضعف الانسان..فالمفلس يستطيع أن يفعل ما يريد لأنه لا يخاف على شيء..فليس لديه ما يخسره... كلانا مفلسان.. لذا سنتحدى العالم سوية .. ولن نخاف" ضحك معلقا : وقد نشحذ سوية!" ردت باسمة : لايهم..فمنظرنا من البؤس بما يكفي ليرد علينا أرباحا مرضية!" ..ضحكا من قلبيهما ..لقد انتهت أيام الرياء..لذا لم يشعرا بنفسيهما عندما ناما على الكرسي..
اسيتقظ في السادسة صباحا... مددت زوجته في السرير ثم توجه للقبو..وأخذ يعبث فيه حتى وجد شيئا أخذ ينظفه بعناية واهتمام.. وفي مساء ذلك اليوم تفاجأت "شلة المهندسين" بكرسي خشبي مخملي عليه الرقم تسعة.. يجلس عليه شاب في الثلاثينيات من عمره..يحمل في يده ملف ضخما لمشروع اقتصادي...وأمامه حقيبة ملابس.. وبجواره صبية فاتنة... إفرنسية الأصل.

لحظة مواجهة ( 1)

أحيانا قد تتضخم النفس الانسانية حتى تطغى على الحيز الاجتماعي الذي كان من المفترض أن تنمو فيه شخصيات من هم قريبون منها.. وقد يسبب النمو العشوائي لهذه النفس إلى ازدحام المكان وأخيرا الانفجار مطيحا بأي هامش كان يجب ان يكون بينها وبين من هم قريبون منها أو يستمدون منها وجودهم.
كانت شلة المهندس خالد في الجامعة هي نفسها تلك الشلة التي درس معها في الثانوية والتي درس معها في الاعدادية والابتدائية، والتي لعب معها وترعرع معها ... كانت فكرة الانتقاء الاجتماعي التي زرعها والد خالد في ذهنه منذ طفولته تقتضي التخلي عن اي صديق أدنى من مستوى معين سواء على الصعيد الاجتماعي أو الفكري.. وعلى الرغم من أن خالد لم يطبق الجانب الأول ،وبالتالي لم يتخل عن زملاءه المهندسين الذين لا ينتمون لنفس طبقته الاجتماعية والذين وجودوا بطريق الصدفة البحتة في المدرسة التي درس بها وانتقلوا معه للجامعة..إلا أن خالدا كان انتقائيا جدا في الجانب الفكري، فلم يكن يصاحب من ليس في مستواه الدراسي وليس باجتهاده، مما سهل على مجموعته البقاء سوية خلال سني الدراسة الطويلة ،بل الالتحاق بنفس الكلية بعد ان تحصلوا على معدلات متقاربة في الثانوية العامة والتخرج في نفس العام أيضا، وبمعدلات متقاربة.
كانت لشلة خالد طقوس معينة، فمثلا كان لهم اجتماع أسبوعي في ركن محدد من مقهى شعبي يعرف بركن المهندسين، وكانت كراسيهم في ذلك الركن مميزة بأرضية من مخمل أحمر لا تحمل مثله بقية الكراسي في المقهى...وكان لهم ارقام هواتف محمولة متسلسلة، ويلبسون ملابس متقاربة، ويتقنون نفس اللغات، ويستعملون نفس الماركات من الملابس، وعلى الرغم من فقر بعضهم وعدم قدرته ماديا على مجاراة الشلة، إلا أن الشلة أوجدت لنفسها نظاما تكافليا خاصا يسمح لها بإعانة الأعضاء للالغاء هذه الفروقات.
من يعرف خالد من بعيد يظن أنه الولد المدلل لوالد ثري لم يرزق إلا بولد واحد توفيت والدته في سن مبكرة. شخصية خالد محببة ولطيفة، وعلى الرغم من ثراء والده الفاحش إلا أن هذا لم يؤثر على طباع خالد المتواضعة. تلك الطباع الحنونة التي لا توحي بالصراع العنيف الذي كان يعيشه خالد في حياته.
والد خالد رجل من ذلك الطرز من الرجال الذي عرك الحياة وعركته فتعلم منها القسوة والجفاء.. حالة الفقر القاتلة التي عانى منها وهو شاب علمته كيف يعصر الحجر فيجعله ذهبا، وكان لطابعه القاسي هذا أثر كبير في طاعة ولده له، بل لربما في طاعة الجميع له، فكلمته لا تصبح كلمتين، وكلامه أوامر دون أن يضطر لرفع نبرة صوته. كانت أصوات خطواته الهادئة كفيلة أن تلقي الرعب في قلوب جميع الشغالين في القصر الذي يسكنه، بل كانت تلقي الرعب في نفس خالد بالذات...ذلك الرعب الذي جعل خالد يصبح ظلا لوالده.. لا يخالفه الرأي في أي موضوع حتى يكاد يختار عنه طعامه وشرابه!
"والدتك يا خالد كانت ملاكا يسير على الأرض".. تنهدت الخادمة وهي تجيب خالدا عن سؤاله عن والدته التي لم يعش معها طويلا.. تابعت الخادمة وقد بدأت قطرات رقيقة من الدموع تترقرق في مآقيها:" كانت النور الذي يهون علينا جحيم والدك.. كان تمسح بيديها الرقيقتين كل الآلام التي يسببها الأستاذ عامر بكلامه القاتل"...قالت الكلمة اللأخير بنبرة مشددة وكأنها تغرز خنجرا في صدر الاستاذ عامر، إلا أنها توقفت عن الكلام ومسحت عينيها بطرف كمّها ثم تابعت إعداد الطعام..كان خالد يعشق أن يغزو المطبخ ليتحدث إلى الخدم على الرغم من منع والده له...كانت تلك "الغزوات" الصباحية أو الليلية تحرك في نفسه الكثير من الاثارة التي يتوق لها بسبب حياته الروتينية القاتلة.
الست هدى كانت شديدة الهدوء، من عائلة راقية شديدة التدين والأدب..وكذلك كانت شديدة الجمال، فارعة القوام بشعر ذهبي طويل وعينين زرقاوتين تشبهان لون البحر.. جمالها الآخاذ وعراقة اسرتها مقارنة بقبح الاستاذ عامر ووضاعته جعلها تعاني الأمرّين في حياتها مع زوج حديث النعمة لا يعرف للاحترام معنى ولا للمحبة سبيلا..كان زواجها سلسلة من الاهانات المتوالية انتهت بوفاتها بشكل مفاجئ بعد شجار هائل مع زوجها سببه أنها منحت موظفا تعويضا ماليا بعد ان طرده زوجها طردا تعسفيا لأنه اصيب بنوبة قلبية منعته من مواصلة العمل الشاق في الحسابات. كان لبّ الشجار محاولة فرض الاستاذ عامر رجولته عليها: أنا الرجل...أنا الآمر الناهي... كيف تعوضين رجلا مهملا كسولا طردته من العمل؟" " أنا السيد هنا، ولولاي لكنت الآن تخدمين في بيوت الناس، أنا من انقذت والدك من الافلاس وسترت عليك.. أنت لا شيء لولاي" " من حقك فعل هذا؟؟..أنت ليس لك حقوق...أنت هنا أمة ..حقوقك أعطيتك إياها حتى آخر ليرة ..فاحمدي ربك يا وجه الفقر " " يا بنت الـ.."
ما تزال هذه الكلمات تراود خالدا في كوابيسه، مازالت صور أمه على عربة الاسعاف وهي تعاني من نزيف دماغي سببه ارتفاع الضغط المفاجئ لا تفارق أحلامه بل يقظته...وما زال صوتها يرن في أذنيه وهي توصيه قبل وفاتها على عربة الاسعاف قبل ان تصل العناية المشددة " خالد..انت صورة مني..أنت جزء مني ، فلا تصبح صورة عن أبيك، أحب من حولك واحترمهم مهما كانت منزلتهم..لا تجعل من نفسك طاغية لئلا يسلط الله عليك من هو أظلم منك.."
لربما كانت الكلمات هي السبب الرئيس الذي منع خالدا من اقصاء الفقراء من شلته... كانت هي وصية أمه الأخيرة وهي تلفظ انفاسها...ورغم هذا الموقف الهائل، إلا أن شخصية الأب القوية منعت خالدا من مجرد التفكير في الانتقام لأمه، لقد ذابت شخصيته تماما في شخصية والده... وهكذا عاش.
كان للأستاذ عامر شريك في العمل ذي اصل افرنسي، وكانت عنده ابنة رائعة الجمال، وعلى الرغم من عاداتها الباريسية في اللباس والتزين والكلام والعمل بل حتى في الطعام والشراب، وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة من السيد "جوزيف بيرو" في إنشاء علاقة ما بين ابنته وابن شريكه، إلا أن الطرفين كانا لا يشعران بوجود بعضهما، فلا خالد استهواه العطر الافرنسي الغالي الذي كانت تضعه "جوسلين" ولا جمال عيني خالد العربيتين وحميّته "الحلبية" الشهيرة كانت تلفت نظر "جوسلين". ببساطة كانا في عالمين مختلفين لدرجة أن جوسلين ذهبت لفرنسا لمدة ست سنوات لتكمل دراسة الاقتصاد ولم يشعر خالد بغيابها!.
لم تكن لدى خالد أي من الأحلام التي كانت تراود والده وشريكه المسيو جوزيف، فرئاسة مجلس إدارة الشركة لم تكن على قائمة الأعمال بالسبة لخالد، بل لم يكن العمل في الشركة من ضمن مخططاته اساسا.. وكذلك كان التقرب من جوسلين أو مجرد فكرة التفكير بها كأنثى مجرد ضرب من المراهقة التفاهة التي لم يكن لدى خالد الوقت ليمارسها
-"والدي..اريد ....أريد ....أريد مبلغا من المال.." تدارك خالد الطرح الجريء الذي طرحه في آخر جملة قائلا بسرعة وخوف "اعتبره كقرض أسدده لك على أقساط"
- ولماذا تريد القرض؟"
- أريد أن افتح مكتبا للهندسة"
- تابعا للشركة؟ لسنا بحاجة لمثل هذا المكتب"
- بل مستقل عنها...أريد ان اشارك زملائي في الشلة لأجد لهم مكتبا ليعملوا فيه"
- ماذا؟! تريد ان تتصدق من مالي على أولئك الشحاذين الذين تسميهم "شلة"؟؟... من علّمك هذا؟..يا لك من ولد مفسد بالدلال.. مثل أمك تماما..ذو قلب غض وفكر مشلول.. انظر ايها التافه..منذ الغد سامنعك من الذهاب للمقهى، وإذا لم تفعل سأجعل اصدقائك يندمون على يوم مولدهم..افهمت؟"
وجد الأصدقاء في يوم الاجتماع الأسبوعي الكرسي رقم تسعة مفقودا، وقد ترك خالد لهم رسالة يشرح فيها الوضع وما آلت إليه الأمور ..لم يستطع أحد أن ينبس ببنت شفة، فقد كان الأستاذ عامر قادرا على الوفاء بتهديده...وهكذا تفرق الاجتماع بدون تعليق...وهكذا انقطع خالد عن حضور الاجتماعات الدورية.
بعد انتهاء خالد من خدمة الجيش الالزامية عينه والده تلقائيا مديرا لمشاريع الشبكات والاتصالات في الشركة.. لقد أصبح لديه مكتبا مليئا بالحواسيب التي لطالما حلم أن يقتني مثلها بدل الحاسب الذي أهدته إياه امه وحطمه والده في نفس اليوم في ساعة غضب..كان جد حزين لفقدانه تلك الهدية، وآلى على نفسه ألا يستخدم ايا من الحواسيب التي أتى له بها والده كبديل.. لقد اصر على تجاهل اغراء الحواسيب الجميلة والحديثة التي كان يأتيه بها والده و فضّل استعمال حواسب الكلية التي يدرس فيها لكل أعماله. لكن الوضع مختلف الآن..فهذه الحواسيب ليست شخصية بل حواسيب تابعة للعمل، لذا لا بأس بـ"العبث بها" قليلا.
منظر الحواسيب الجديدة أحيى في نفسه ذلك اليوم الذي تحطم فيه حاسوبه العزيز... مرت أمام عينيه صورة والدته وهي تبكي امام حطام الجهاز وهو يقف بجانبها كالأبله يمسح شعرها ويطلب منها ان تتوقف عن البكاء.. كان يشعر – على صغر سنة وقتها- أنه السبب في بكاءها لأنه لم يدافع عنها بل ترك والده يحطم هيتها له بدون أن ينطق ولو حرفا أو يصدر حركة أو صوتا تدل على انزعاجه أو اعتراضه...وما انفك هذا الاحساس ملازما له حتى وفاتها..
عندما جلس أول مرة وراء مكتبه طلب إلى أعضاء الإدارة المثول أمامه ليبين لهم أسلوب إدارته – والذي حفظه بالحرف من فم والده- وفجأة دخلت قاعة الاجتماعات "جوسلين" ابنة الشريك الافرنسي بصفتها مندوبة عن والدها وكونها مشرفة على قسم مبيعات الحاسب الآلي وملحقاته... لم يدر خالدلم تلثعم ولم يعرف ماذا يقول ..أنهى الاجتماع بسرعة ثم وزع نسخة مطبوعة من الخطة الجديدة على الموظفين وأمرهم بالانصراف.. وكأنما أحست جوسلين بضعف شخصية خالد فبقيت.. اقتربت منه بهدوء وكفاتحة للحديث معه قالت:" هنيئا لك مكتبك الجديد"
كانت هذه العبارة متداولة للتهنئة بين الموظفين فقط، لذا رد عليها بنبرة حادة " بل إدارتي الجديدة" ردت هامسة مبتسمة ابتسامة خبيثة وقد اسندت مرفقيها إلى مكتبه بحيث اصبح وجهها مقابلا لوجهه:" وهل تعتقد أنك كفؤ لإدارة هذه الشركة ، أو حتى هذا القسم؟.. لقد فشل والدك في هذا من قبل ولولا والدي ما استطاعت الشركة النجاح"
انتابته عدة مشاعر بآن معا... الدهشة من لسانها العربي المبين بعد أن عرفها تنطق الراء غينا وتونث المذكر.. والصدمة لحديثها عن فشل والده في إدارة الشركة واعتماده الكلي على والدها.. والأسى لكون بداية حديثه معها أصبحت بهذا الشكل التنافسي الذي لطالما أبغضه.. إلا أن الشعور الأقوى كان الحمية والكرامة التي اندفعت إلى رأسه تماما كما اندفع الدم إلى أوداجه فقال بنبرة هازئة:" وهل تعتقدين أن بابا جوزيف الدلوع المربى في قصور باريس أو أيا من الفرنسيين يستطيع إدارة تجارة أو عمل؟ يكفيهم تصّيد الحمام وأكل "الكاتوه" وشرب نخب الديمقراطية...وليتركوا التجارة لمن يفهم فيها أبا عن جد"
تضايقت جوسلين لهذا الرد غير المتوقع من خالد فاندفعت خارجة من مكتبه والغضب والألم باد على وجهها.. لم يدر خالد لم شعر بالأسف لاهانتها بهذا الشكل، إلا أنه تذكر بدايتها القاسية معه... فكر في الموضوع قليلا ثم تجاهله كلية، لم تكن جوسلين من ذلك الصنف من النساء الذي كان يشعر خالد تجاههن أنهن نساء..بل لطالما – وعلى الرغم من جمالها وأنوثتها الفائقة- شعر أنها رجل يلبس ملابس النساء.. فلم تكن تهز ولو شعرة من كيانه.
تابع خالد إدارة الفرع بكفاءة ابهرت الموظفين ، إلا أنه لم يتبن اسلوبا خاصا به، بل بقي ينفذ خطة والده بحذافيرها، على الرغم من مستواه العلمي العالي الذي يمكنه من وضع خطط تفوق خطط والده بمراحل..
------------------------------------------------------
أخيرا جاء اليوم الذي كان يطمح إليه، والده مشغول بصفقة مهمة وتسنح له فرصة ذهبية لصفقة حكومية أخرى في مجال الاتصالات فيحول ملفها إلى مكتب ابنه، الأب الذي اضطر للسفر إلى اوربا لاتمام الصفقة المهمة لم يترك حتى ملاحظاته بل ترك الموضوع برمته بين يدي ابنه.. إذا فهي الفرصة الهامة بل الأهم لاثبات الخبرات العملية التي اكتسبها المهندس خالد سواء من خلال دراسته الأكاديمية أو الدورات في مختلف علوم الاقتصاد والإدارة التي اتبعها أو من خلال الصفقات التي أبرمها بوجود والده.
رتب خالد أوراقه وجمع مصادره ورؤوس أمواله، وحدد مصدر الشراء والمسوق و..الخ ثم تقدم بكل ثقله في المناقصة.. أكدت له المصادر التي يعتمد عليها في وزارة التعليم العالي أنه سيفوز بالمناقصة لا محالة فعرضه أفضل العروض من الناحية التقنية والاقتصادية...خرج في يوم إعلان نتائج المناقصة ليتغدى غداء عمل مع شركاءه الجدد في مشروع المناقصة، وهي الحركة التي تعلمها من والده ليوحي لهم أنه متأكد من الفوز لدرجة انه يبدأ بالعمل حتى قبل إعلان النتائج..لكنه صدم بأن المناقصة آلت لشركة أخرى مغمورة... وبسرعة أجرى اتصالاته مع جواسيسه في الوزارة ليكتشف أن عطاء الشركة المنافسة أعلى بنسبة 5% من عطاءه... جمع الموظفين بسرعة وراجع صيغة العطاء الذي قدمه فوجده بالفعل أقل بـ5%... وبسرعة أعادة الاتصال بشخص في الوزارة أرسل له بعد دقائق بالفاكس صورة من العطاء الذي تقدم به إلى الوزارة وصورة من العطاء الذي تقدمت به الشركة المنافسة..كان هناك زيادة وهمية بمقدار 15% أضيفت إلى عطاءه من قبل طرف مجهول بينما تقدمت الشركة المنافسة بعطاء هو صورة طبق الأصل عن عطاءه...اتصل بالسيد بكري والذي كانت مهمته تشبه تماما مهمة جهاز الأمن المركزي..فإليه توكل جميع التحقيقات المتعلقة بالأشخاص والشركات.. كانت مهمة بكري تتلخص في سؤالين:
1- من أضاف الزيادة المزورة إلى عطاء الشركة في اللحظة الأخيرة
2- من هي الشركة المنافسة ومن أصحابها.
استغرقت عملية التحقيق السري فترة ثلاثة أيام لتأتيه النتيجة المرعبة.. آخر نسخة أرسلت إلى الوزارة مرت بشكل سري على مكتب المحاسبة المركزي ويديره موظف لطالما اعتبره والده ذراعه الأيمن، والمفاجأة الثانية كانت أن من مّلاك الشركة المنافسة أقرباء لشريك والده ،بل أن جوسلين نفسها تشارك بنسبة الثلث في رأس المال.
رتب أوراقه واثباتاته وسافر بسرعة إلى روما لعرض الموضوع على والده بعد أن طلب من الجميع التصرف وكأن شيئا لم يكن..اللقاء لم يكن عاصفا كما تخيل..لقد ربت والد على كتفه بهدوء وهنأه على حسن إدارته للمعركة، ثم طلب منه أن يترك الأمور بين يديه وينسى الموضوع برمته.. أحس خالد بالقوة والافتخار تسري في جسده عندما أسند الأستاذ عامر يده إلى كتفه وقال: خالد..لقد بدأت المعركة وأريدك أن تقف بجانبي بقوة... إنني اثق فيك" ....لطالما كره خالد نبرة القوة في صوت والده، أما اليوم فإن لها نكهة أخرى مميزة، نكهة يشعر بها اي ضعيف يستمد القوة من قوي حتى لو كان ظالما..
لم يدر خالد كيف استطاع والده أن يلغي جميع التوكيلات وأغلب العقود التي أبرمتها الشركات العالمية مع الشركة المنافسة، بل أنه ألغى العقد بينها وبين وزارة التعليم بعد أن حصلت الشركة على ثلاثة إنذارات لسوء تنفيذها للعقد.. وبعض النظر عن كون هذه الانذارات حقيقية أم تعسفية فإن خالدا شعر بالمتعة وهو يرى عدوه ينهار بسرعة أمامه، ذلك العدو الذي سرق منه فرصة الفوز بأول مناقصة في حياته... إلا أنه –وبعد أن أسس جهازك الاستخباراتي الخاص به بعيدا عن والده- استغرب أن يقوم الوالد بالحديث مرة أخرى مع شريكه الافرنسي عن صفقة هائلة ومرابحها مضمونة.. والغريب أن خالدا كان يراقب المسيو بيرو وهو يحول أوراق الصفقة بشكل سري إلى شركته الأخرى بدون أن يتخذ والده أي إجراء؟ هل من المعقول ان يكون الجهاز الاستخباراتي لوالده عميلا لبيرو؟
مراقبة مرهقة استمرت ثلاث أسابيع اكتشف بعدها أي داهية كان والده.. لقد حصلت الشركة المعادية على العقد، ثم على شروط جزائية كثيرة، ولتحقيق الالتزامات اضطر بيرو لبيع حصته من شركته مع السيد عامر ليفي بالالتزامات البنكية منعا من دخول ابنته السجن بتهمة اقتصادية، والغريب أن والده اشترى حصة بيرو بسعر سخي، وسمح لبيرو أن ينقذ ابنته وشركتها من دمار محتم.. وعندما يتم الأمر وتفي الشركة المنافسة بجميع الالتزامات يتفاجأ الجميع – بما فيهم خالد – بأن السوق المحلية أغرقت بانتاج صيني مكافئ للبضاعة التي استوردها بيرو وبسعر منخفض جدا، أكدت له مصادره أنه اخفض من سعر المصدر الصيني نفسه... وطبعا أكدت استخباراته أن المصدر الأساسي قادم من شركة شهيرة يملكها بنسبة 100% شخص اسمه الاستاذ عامر..والده بالذات!
نتيجة المعركة كانت مبهرة، وانتهت بزيارة الاستاذ عامر مع المهندس خالد للمسيو بيرو في المستشفى بعد ان اصيب بجلطة قلبية، كانت فكرة أن يتسبب خالد بجلطة لشخص ما فكرة غير واردة اطلاقا ، بل كان خالد يعتبرها جريمة بحد ذاتها، لكن إصابة المسيو بيرو بجلطة كان لها وقع آخر، أدرك بعدها خالد اي متعة كان يشعر بها والده وهو يطيح بأعداءه واحدا تلو الآخر حتى لو كان بمثل هذه الطريقة..
- لِمَ لمْ تقل لي انك تريد شراء هذه الصفقة؟ إنها غالية الثمن ومرابحها شبه معدومة... استشرني يا أخي.. ألسنا شركاء؟! حتى ولو تركت شراكتي فما زلنا أصدقاء! "
هكذا وبكل برود أعصاب تحدث الاستاذ عامر مع شريكه، كانت عينا بيرو تقطر دما وهو يضغط على أعصابه ليحافظ على هدوءه، وبعد نقاش قصير حول مستقبل بيرو قال عامر:
- أنت خبرة اقتصادية هامة، لذلك سأجعلك مستشارا لأبني خالد"
لم يكن يدرك خالد خبرة والده في استخدام الكلمات القاتلة بهذه الحرفية، كان يستمتع فعلا بطعم الانتقام الذي جعله والده يتذوقه، ورغم كل توصيات والدته التي ما زال يسمعها في أذنيه، إلا أنه سمح لنفسه بتذوق لذة النصر الساحق في معركة اطاحت بفرصة ذهبية لإثبات ذاته أمام والده ..بل أمام الجميع...فكلمة مستشار لا تعني أي شيئ، وكونه مستشارا لخالد والذي يعمل أساسا وفق خطة يضعها الاستاذ عامر تعني انه سيوظفه شفقة عليه لا للاستفادة من خبراته!!
عوفي بيرو وعمل في نفس الشركة التي كان يوما مالكا لجزء منها، لكن تحت وطأة العمل ذهبت مصطلحات "يا أخي" ، "يا شريكي السابق" ، " يا صديقي" ليحل محلها الاسم المجرد من الألقاب.. وتكررت الاهانات والتعليقات السامة تحت مسامع خالد الذي لم يكن يتأثر بفكرة أن والده يميت بيرو موتا بطيئا، فهو بنظره خائن يستحق ما يحصل له... حاول ذات مرة أن يفسر البلادة التي يشعر بها تجاه السيد بيرو، لكنه لم يستطع...ربما كان يتقبل فكرة إهانة بيرو لمجرد إنه فرنسي، أو لربما لإنه والد تلك المتعجرفة، والتي –وللغرابة- لم ينلها من تعليقات وانتقام والده شيء!
استيقظ على هاتف بيلغه بأن بيرو في المستشفى بعد جدال عنيف مع والده في صبيحة هذا اليوم.. صرح الأطباء بأن الجلطة التي اصيب بها قاضية ولا مجال لعلاجها لأنها أثرت في الكثير من مناطق الدماغ مما سبب فقدان ذاكرة جزئي وفقدان القدرة على النطق السليم... وبصعوبة استطاع بيرو أن يفضي بمكنونات صدره لشريكه السابق الذي لم ينفك يعتذر عن سوء تصرفه وكونه رفع صوته بانفعال..هذه الاعتذارات التي كان الجميع يدرك بإنها مجرد مناورة دبلوماسية ليس لها حقيقة في نفس عامر... كان الطلب الذي طلبه بيرو غريبا جدا ، لقد طلب إلى عامر أن يزوج خالدا من جوسلين!

كانت فكرة زواج خالد من جوسلين من أوقح واذكى المناورات التي قام بها بيرو في نظره، فجوسلين قوية الشخصية وذكية وفائقة الجمال، وأكيد انها ستستولي على كل شيء لاحقا بعد وفاة عامر، فخالد ليس ذا شخصية قوية تمكنه من المحافظة على أمواله.. كانت هذه خطة الانتقام الأخيرة لبيرو، ولدهشة الجميع وافق عامر بكل ترحاب قائلا: لن أجد يا صديقي فتاة أفضل من جوسلين لخالد!"
كان جواب عامر صاعقة للجميع.. شعر خالد بأن والده دمّر آخر فرصة له في الاستقلال بأن ورّطه بالزواج من فتاة هو يكرهها بشدة! بينما بدت علامات الرضى على وجه بيرو، الوحيد الذي لم تتغير ملامحه كان عامر والذي كان يقول في نفسه: سوف تموت أنت، أما ابنتك فلا تزال حية، ولم يبقى لها من ينقذها من انتقامي المؤجل... سأجلعها تندم أنها لم تمت معك...بل قبلك!"
الشرط الغريب الذي اشترطه بيرو كان " أبنتي لا تحب الأولاد، وهي لا تريد طفلا من خالد، خاصة مع وجود فرق الدين والنسب...يمكن لخالد أن يتزوج امرأة أخرى فلا مانع لدي أبدا..على أن يحافظ على جوسلين ولا يهملها"...كان بيرو يريد لابنته ان تخرج من المعركة كالشعرة من العجين، المال ثم الطلاق ..دون ان يترتب على ذلك اولاد يبقون أي نوع من الشراكة بينها وبين خالد، وللغرابة وافق الاستاذ عامر قائلا: زواج خالد من جوسلين هدفه أساسا المحافظة عليها...ولا مانع في تطبيق شرطها".. كان عامر يفكر في أن جوسلين لا تصلح كأم، ولربما لو أنها أنجبت من خالد لمنعه حبه لحفيده من الانتقام أو لوقف خالد في وجهه ليدافع عن أسرته، هكذا أفضل!..وارتسمت ابتسامة الرضى لأول مرة على وجه عامر.
عقدت الاتفاقية السرية ..زواج مع وقف التنفيذ.. وقبل إتمام العقد نطق خالد واضعا شرطه الوحيد: " سأتعامل مع جوسلين كأخت ما لم تطلب هي عكس ذلك.." كان شرط خالد تحصيل حاصل بطبيعة الأمر ..ضحك كل من الرجلين وهزا رأسيهما موافقين.. كلاهما يعلمان ضمنا أنها لن تسمح لخالد بلمسها، ولعل هذا الشرط يحفظ بعضا من كرامة خالد أمامهما! ..نظرة عامر برضى نحو خالد، هاهو ديكتاتور آخر يبزغ للوجود.. لقد اصبح خالد يفهم مخططاته حتى قبل أن يشرحها له، بل ويتصرف وفقها أيضا... لقد اصبحت الحياة حلوة!

حارة الزكرتاوية

انتشرت في حارات حلب القديمة أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا صفة "الزكرت" وهي كلمة – لا أدري ما أصلها- ترمز إلى الرجل الشرقي الذي تعتبر كلمته ميثاقا ونظرته كحد السيف، ومثيلتها في اللهجة الدمشقية كلمة "قبضاي" والتي لا أدري لها أصلا كذلك..
كما انتشرت صفة مختار الحارة وهو كبيرها في السن والقدر، كانت الحكومة الفرنسية تعرف ما لحاملي هاتين الصفتين من معنى في قلوب سكان مدينة حلب، لذا كانت تتجنب الاحتكاك بهم أو معاقبتهم على فعل فعلوه، بل كانت تقرب بعض "الزكرتاوية" وتكرمهم اتقاء لشرهم..
في ذلك اليوم مر أبو عبدو من جانب شرطي فرنسي يلازمه شرطي من الدرك السوري ..وأغلبهم من الجنسيات غير العربية التي تجنست بالجنسية السورية أيامها كالأرمن ، أو من المسيحيين الذين كانوا –وما زال أغلبهم – ينظر لفرنسا على أنها أم تحتضنهم لا على أنها دولة محتلة- كان أبو عبدو الزكرت ينظر لهؤلاء السوريين الذين يعملون في الشرطة الفرنسية على أنهم خونة ويجب عقابهم، لذا لم يتردد أبدا في أن يبصق على حذاء الدركي. وكأن الدركي استمد القوة من وجود الشرطي الفرنسي بجواره فامسك بـ"قبة" قمباز أبي عبدو وهزها بقوة طالبا من أبو عبدو الاعتذار... لكن الدم خرج فجأة بغزارة من فمه وسقط أرضا يتلوى من الألم... فأبو عبدو الزكرت لم يتردد لحظة في إخراج خنجره ودسه بين أحشاء هذا الخائن الذي تطاول عليه وسمح لنفسه بلمس ياقة رداءه..
اسقط في يد الشرطي الفرنسي... فالتعليمات صارمة بألا يتعرض لأي "زكرت" لأنه بذلك يستثير حفيظة بقية الزكرتاوية عليه مما يعني جعل الشرطة الفرنسية هدفا لغزوات هؤلاء الذين يعتبرون قتل البشر لأسباب أخلاقية من الرجولة..إلا أنه شهد مقتل زميل له أمامه... لكن أبو عبدو خلصه من القضية إذ اختفى عن الأعين بملح البصر، فهو كذلك لا يريد أن يتورط مع الحكومة الفرنسية ولا أن يصبح طريدها..
لسوء حظ أبي عبدو فإن رئيس شرطة الاحتلال في تلك الفترة في حلب كان ضابطا فرنسيا شابا، أراد أن يعيد للدولة الفرنسية هيبتها، فقرر إعلان " ابا عبدو" على أنه طريد العدالة..وطلب من مختار الحارة تسليمه لها... لكن مختار الحارة رفض.. فقرر الضابط أن يحاصر الحارة حتى تسلم أبا عبدو... وبلغ المختار رسميا أنه سيعطيه مهلة أسبوع قبل أن يغلق الحارة نهائيا لمدة شهرين سواء سلّموا أبا عبدو أم لا..كما أعلن عن جائزة مجزية لمن يسلم أبا عبدو أو يبلغ عن مكانه أو حتى يقتله..
في يوم كان ابو عبدو يمشي في الحارة مع زكرتاوي صديق له اسمه أبا عقيل، وفجأة ظهر من أحدى الحارات دركي شاب يحمل مسدسا وصوّبه تجاه أبا عبدو طالبا منه أن يسير أمامه، وبسرعة البرق كان أبا عقيل قد أمسك الدركي من زناره ورماه أرضا، ثم أخذ منه سلاحه، وللسخرية من فرنسا أجبره هو وأبا عبدو على خلع كامل ملابسه ثم أعطاه علما فرنسيا صغيرا ليستر به دبره أثناء مغادرته الحارة.. وهكذا أصبح اسم أبا عقيل على اللائحة الفرنسية كإرهابي كبير يجب قتله أو اعتقاله..
خرج أبا عبدو في اليوم التالي لنبأ وضع أبا عقيل على لائحة الإرهاب مع أبناءه وأبناء عمومته ورفقاءه في مظاهرة لينددوا بالاحتلال الفرنسي وبالقرارت التعسفية مطالبين بمحاكمة الضابط الفرنسي المعتدي.. وأثناء المظاهرة مر أبو عقيل في الشارع فناداه أبو عبدو ليشاركهم نضالهم فرد بأنه مشغول.. كان ابو عقيل ذاهبا ليشتري المؤن من عند اسحاق المرابي (وهو من عائلة يهودية* أعلنت إسلامها أثناء الحكم العثماني)، وطلب من أبي عبدو الذهاب معه لكنه رفض مفضلا المظاهرة على ذلك..بقي أبو عبدو يندد حتى اعتلّ صوته، ثم عاد للمنزل مرهقا فنام للصباح..
في الصباح، ولتدارس الوضع، جمع مختار الحارة أهل الحارة في ساحة القهوة المحلية.. وبدأ يخطب فيهم ذاكرا أبا عبدو وخدماته للحارة وكيف أنه انتصر للمظلوم وقتل الدركي ليرفع رأس أهل البلد ويعيد عزتها.. ومن بين أصوات المهللين والمكبرين ظهر صوت اسحق ليطالب بتسليم أبا عبدو حقنا للدماء ولمنع كارثة أن تحل بالحارة.. منبها إلى قوة الشرطة الفرنسية وإلى أنها ستقصفهم بالطيران والمدافع إذا لم يستجيبوا لها..توقع أبا عبدو أن يبصق الكل في وجهه.. لكنه فوجئ ببعض شباب الحارة ينادون بمثل ما ينادي به اسحق.. قائلين أنهم غير مضطرين لدفع ثمن جريمة إرهابية ارتكبها أبو عبدو الزكرت ليثبت لفرنسا شيئا هم غير راضين عنه.. وقام خطيبهم يندد بالعمل الإرهابي ويتهم ابو عبدو بأنه يشوّه صورة الحارة المسالمة ... وبسرعة قام مختار الحارة مغضبا وطردهم من الجلسة متأسفا على أهليهم الذين لم يعرفوا كيف يربوّهم..
حزّ الألم في نفس ابو عبدو ، وما أن حانت منه التفاته رأى فيها ابا عقيل حتى بادره بالكلام قائلا: شفت يا ابو عقيل، صرنا إرهابيين ولازم يسلمونا للدرك!!..
رد أبو عقيل:ومن عمبيقول هيك؟ أجابه أبو عبدو مستهزئا: حسّان وخالد وعبدالسلام! وهنا تدخل المختار: ولكن الحق يقال.. لقد بدأ اسحق هذا الكلام.. فرد أبو عبدو بسرعة: بس الكلام منه ما بيجرح.. مو مثل الكلام من حسان وخالد!
هز ابو عقيل رأسه قائل: سيدي.. يقولوا اللي بدهم ياه... فغدا لناظره قريب!
ومن بعيد سمع أبو عبدو تهليل الناس وتكبيرهم.. لقد حضر فخري بيك عضو البرلمان ليحيي أهالي حارته ويتضامن معهم.. كان فخري بيك علمانيا شرسا درس في فرنسا وعاد مبشرا بأفكار الثورة الفرنسية، ولما احتلت فرنسا سوريا قام وندد بالاحتلال وكتب عدة مقالات في جرائد عالمية تندد بفرنسا.. ولم تخلص منه فرنسا إلا عندما عيّنته عضوا في البرلمان
وقف فخري بيك في أهل الحارة خطيبا قائلا: نحن يا أخوة مصيرنا الاشتراكية، وقدرنا العلمانية.. نحن نحكم الشعب باسم الشعب. قوانيننا مستمدة من الشعب، وكما أنكم تؤمنون بقدرة الله على تغيير أحوالكم بدعائكم له.. نحن نؤمن بقدرتكم على تغيير أحوالكم وأحوالنا بالدعاء لنا وانتخابنا للمجلس البلدي!.. وكما أنكم لا تتذكرون الله إلا في وقت المحن والشدات وعندما تحتاجون منه شيئا... كذلك نحن... لا نتذكر وجودكم ومشاكلكم إلا في أوقات المحن .. فنأت إليكم لنعدكم بحل مشاكلكم..ونطلب إليكم أن تدعمونا في الانتخابات.. فلا خير في صوت ابن الحارة إذا لم يستمد شرعيته من انتخاب أبناء الحارة له..
الخطيب الثالث كان إمام مسجد الحارة... خطب فيهم خطبة عصماء ذكرهم فيها بجهاد النبي وآل البيت والصحابة، وربط محنة الحارة بمحنة حبس بني هاشم في شعاب مكة.. وكيف.. وكيف.. وكيف..
وبينما هو يجلجل ويرعد على المنبر –وهو عبارة عن طاولة من طاولات القهوة – نظر إليه فخر بيك وقال: ألا ترى يا سيدنا انك تحرّض على الارهاب بحديثك هذا عن إعادة أمجاد الأمة ودحر الأعداء وقتال الكفار جميعا؟؟
نظر الخطيب بوجه فخري بيك.. ثم نظر في أوراقه.. ثم قال بصوت خفيض: والله بيجوز!... لملم أوراقه بسرعة ونزل من على المنبر..
آخر خطيب كان أبا عبدو.. تحدث باللهجة العامية وبلغة الزكرتاوية، طلب لأبناء الحارة أن يمدوه ويدعموه في محنته.. وذكرهم بأيام وقف فيها إلى جانبهم ضد أبناء الحارات المجاورة..وهنا قفز أبو أحمد من كرسيه وأخرج نفس "الأركيلة" من أنفه وفمه قائلا: إمو خسا!... خسا على الرجال ما تفديك بالروح يا أبو عبدو!
زلزلت هذه الكلمة أركان القهوة.. وقام الناس يهدرون كالبلدوزر بروح أبو عبدو.. وازداد التصفيق والعياط والتصفير والهدير .. واهتزت أركان القهوة أكثر فأكثر حتى ظهر "قادوس" بلدوزر الشرطة الفرنسية وهو ممتلئ بحطام الركن الشرقي من القهوة..فعلا الهدير أكثر وأكثر .. وتدافع الناس هاربين من القهوة التي دمرت تماما وأغلقت لأنها ..تحرض على الإرهاب وتدعمه!
وفي صباح اليوم التالي خرج أبو عبدو وأبو أحمد و أولادهما وأبناء عمومتهما وخؤؤلتهما في مسيرة حاشدة تطالب بزوال الأجنبي... ولما لمح أبو عبدو ابا عقيل يحمل كيسا من القمح على ظهره ناداه: هلق وقتك! تعال شاركنا المسيرة!) لكن ابا عقيل لم يلتفت لنداء أبي عبدو بل ظل ماشيا في طريقه..
في المساء وعلى طاولة العشاء جلس أبا عقيل مع زوجته... قال لها: يا مرا.. حوالينا أربع بيوت.. بيت أبو أحمد وبيت أبو خالد.. وبيت أبو صبحي .. وهم من لحم الرقبة... بس أنا و أبو ياسين من زمان متقاتلين وما بنحكي مع بعض.. يعني إذا إجا الفرنسي وحاصر البيت ما بقدر أهرب إلا من الأطراف التلاتة.. وممكن ابو ياسين يسمح للفرنسي يهاجم البيت من سطح بيته..أنا لازم ألاقي حل!
قالت له أم عقيل: ليش ما بتروح بتصالحه بحجة المودة والتكاتف بينكم في أيام المحنة.. والناس رح تشوف موقفك هذا رجولة مو ضعف!! خذلك بإيدك كيلو بقلاوة وروح لعنده...
أعجب أبو عقيل بالفكرة وقام لتنفيذها في الصباح الباكر.. وهكذا عادت المياه لمجاريها بل عرف أبو عقيل أن أبا ياسين كان ينوي زيارته ليطلب الصلح وليبدي تكاتفه معه.. لكن كبرياءه كان يمنعه من ذلك..
قامت الشرطة الفرنسية في اليوم التالي بإغلاق الحارة ومنع التجول .. اضطر مختار الحارة بعد يومين أن يتوسط لدى الحاكم الفرنسي ليوقف الحصار على أن يحظى ابو عبدو بـ"محاكمة عادلة" من قبل الاحتلال ... وما لبث أبو عبدو أن خرج بعد ثلاثة أيام رافعا سراويله الداخلية على عصا المكنسة دليل الاستسلام..وقد نفذت مؤونته القليلة من الطعام والشراب وبات أولاده يبكون من الجوع.. وأخذه الدرك –بدون سراويل- إلى السجن... بينما لم يستطع أحد الدخول إلى بيت أبي عقيل واعتقاله لأن أهالي البيوت الأربعة رفضوا السماح للدرك بدخول بيت أبي عقيل من أسطحتهم..
وعلى الرغم من أن اسحق أعلن انه لن يبيع ولو حبة قمح للإرهابي أبا عقيل، لم يحتج أبو عقيل لشراء ولا حبة قمح من عنده، فقد تعرفت زوجته وعن طريق جيران في الحارة المقابلة عبر أسطحة البيوت- إلى بقالية يملكها شيخ ورع يبيع نفس البضاعة بسعر أرخص بكثير، وصارت تشتري لها ولبقية عوائل الحارة من عنده، بل صارت تشتري القمح وتطحنه بنفسها .. وتعلمت نساء الحارة كيف يصنعن ألبسة الصوف والأشغال الأخرى ويبيعوها عبر دكان هذا الشيخ.. وعلى الرغم من عروض الأسعار التي قدمها فيما بعد اسحق المرابي.. بقيت الحارة تقاطع دكانه حتى أفلس..فغادر الحارة إلى غير رجعة!
وللسخرية ظهرت نتائج الانتخابات وقد فاز ابو عقيل –رغم أن اسمه لم يدرج في لوائح المرشحين-بأغلبية أصوات المرشحين، بينما لم يحصل فخري بيك إلا على صوت اسحق و حسّان وخالد وعبدالسلام!!
ملت القوات الفرنسية من محاصرة الحارة، بل رأت أن حصارها بدأ يقوي أواصر الصلات بين أبناء الحارة، وبدا يجعلهم يعتمدون على أنفسهم ويتخلون عن مظاهر الحضارة الفرنسية ليعودوا لمنتجاتهم الوطنية التي استخدمها وتعود عليها آباؤهم.. فقررت رفع الحصار.. ثم صدر عفو عام عن أبو عبدو وأبو عقيل بعد أن رأت فرنسا أنهما أصبحا رمزا للبطولة.... وحاولت كثيرا تشويه صورتهما عبر عملائها في الحارة لكنها فشلت..
خرج أبو عبدو من السجن بعد شهر من إعلان العفو ليجد أبا عقيل وقد أصبح مختار الحارة.. وهنا ركض وجمع أبناءه وأبناء عمومته وأبناء أبو أحمد وأبناء عمومة أبي أحمد وخرج في مسيرة تأييد حاشدة لأبي عقيل!