مختاراتي من عيون الكلام
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف
الموضوع طرح من قبل العضو "حبر" في منتدى الساخر على الرابط الأعلاه... وهذا نص الموضوع: هذه سبع خطوَات تَطبيقية تُسهل للجميع أن يُصبحوا شُعَرَاء حداثيين وذلك بعد دراستي لبعض النصوص الحداثية؛ أنشرها إبتغاءً لمَرضاة الله ولكي يَزيد عدد شعرائنا من 7 مليون شاعر إلى 200 مليون॥!!१
1- اختر فِكرة عبثية لا تهُمُ أي شَخص "حَبَذا لو كَانَت الفِكرَة من عَالم المَخْلوقات غير البَشرية"
مثال: غزل بين عصفورين؛ موت نملة وهي تحمل قطعة سكر؛ خرتيت يتثاءب؛ ورقة شجر تسقط... إلى آخره
2- في البداية وجه طاقاتك لوصف المشهد الماثل أمامك بطريقة واضحة
مثال:كانت نملة حمراء جميلة تسير أمامي وهي تحمل قطعة سكر لذيذة؛ فاجأتها نملة سوداء قبيحة وقامت بقتلها وخطفت قطعة السكر....إني حزين
3- احذف الأسماء الدالة على الشخصيات.
مثال:كانت حمراء جميلة تسير أمامي حاملة قطعة لذيذة وهاجمتها قبيحة وقتلتها وخطفت القطعة...إني حزين
4- احذف كل ما يُمكن أن يَجعل القارئ يفهم القصة
مثال:كانت تسير أمامي... هاجمها القبح وخطف الحياة من بين يديها..إني حزين
5- الجملة المبنية للمجهول أمر أساسي في الشعر الحداثي... استخدمها بكثرة
مثال:سُيِرَت نَحو المَوْت.... اغتِيلَت بيدِ الغَدْر وسُلِبَتِ الحَيَاةُ مِن بَيْن يَدَيْها..حُزنٌ يَسْكُننِي
6-قم بإضافة إيحاءات جنسية
مثال:سَارَتْ عَارِيَةً نَحو المَوْت.. نَهَشَ المَوتُ أثْدَائِها قَبْلَ أَنْ تَسْكُبَ جَمَالَ عَبيرها بَيْن يَدَيْه...حُزْنٌ يَنْهَشُنِي..
7- اقرأ ما كتبت..إذا فهمته فأعد الخطوات أعلاه كَرّة أُخرى..إذا لم تفهمه..فلا تبتأس..فأنه غدا صالحاً للنشر..!!
ملاحظة: الخطوات أعلاه لا تضمن لك الحصول على نتائج أكيدة بل هي معالم في الطريق للوصول إليها
ملاحظة أخرى: قد تعتمد جودة النتائج على توفر أمور أُخرى.. "أن يكون الكاتب زائر دائم للمصحات النفسية؛ أن يكون قد حُكم عليه في جُنَح أخلاقية؛ أن يكون فهمه للغة العربية مُنعدم.. وغيرها"
ملاحظة أخيرة: اقرأ الملاحظات أعلاه..
.........................
وكان هذا تطبيقي للوصايا السبع الواردة أعلاه:
1- اختر فِكرة عبثية لا تهُمُ أي شَخص "حَبَذا لو كَانَت الفِكرَة من عَالم المَخْلوقات غير البَشرية"
انا بدي اقلي بيضتين..
2- في البداية.. وجه طاقاتك لوصف المشهد الماثل أمامك بطريقة واضحة.
وضعت السمنة على النار حتى ذابت ثم "فقست" فيها بيضتيين... بدأت البيضتين تتحولان من الشفاف إلى الأبيض يتوسطهما قرص أصفر.. ثم اكلتهما من على الموقد لأنني كنت مستعجلا.. فاحترق لساني
3- احذف الأسماء الدالة على الشخصيات.
وضعتها على الحرارة ...ثم فقستهما...وبعدها صار الشفاف أبيضا مختلطا بالأصفر...ثم اكلا من فوق الموقد..فاحرقا اللسان
4- احذف كل ما يُمكن أن يَجعل القارئ يفهم القصة
كانتا تحويان الحياة بداخلهما، ابيضين طاهرين يتوسطهما لون كالورس... ميناء سوداء وضعت فيها درة صفراء فتاهت بين تنهدات الشفق الأزرق ولهيب اللقاء المحمر.. تكسرت اجنحتهما قبل ان يخلقا... وتشتت احلامهما قبل ان تولد... اختلط قلبهما الذهبي بجسديهما الطاهرين الشفافين كالملاك...ثم استحالت الطهارة عتمة، وانقلبت الرقة ضبابا كالسراب...لقد ضاع كل شيء في جوف القدر الغاشم..
دمعتان محرقتان نزلتا من عيني
5- الجملة المبنية للمجهول أمر أساسي في الشعر الحداثي.. استخدمه بكثرة.
تراءت الحياة داخلهما ،الورس يتوسط جسدين ابيضين طاهرين .... تلك الميناء السوداء تنتظرهما ..فيها درة صفراء بددتها تنهدات الشفق الأزرق وقتلها لهيب اللقاء المحمر..يا لهذا القدر الغاشم....لماذا كُسرت اجنحتهما قبل ان يخلقا... وشتتت احلامهما قبل ان تولد... خُلط بيد آثمة باردة كمعدن البندقية قلبهما الذهبي بجسديهما الطاهرين الشفافين كالملاك...ثم أحيلت طهارتهما عتمة، وقلبت رقتهما ضبابا كالسراب...لقد ضاع كل شيء في جوف لا يرحم....
دمعتان دفعتا من عيني
6- قم بإضافة إيحاءات جنسية.
تراءت الحياة داخلهما ،الورس يتوسط جسدين ابيضين طاهرين ...يضمهما فراش في ليلة وردية ملئها العشق ... تلك الميناء السوداء تنتظرهما وقد افقدتها النشوة من شرب الدماء الاحساس بالطفولة..سقطت فيها درة صفراء كعروسة في ليلة دخلتها ..لقاءهما كان كعاشقين غارقين في القبل..تسمع منهما تنهدات مكتومة أطلقها الشفق الأزرق وكتمها لهيب اللقاء المحمر...يتراقص كراقصة عارية في قصر زمردي من قصور الف ليلة وليلة ....
يا لهذا القدر الغاشم....لماذا كُسرت اجنحتهما قبل ان يخلقا... وشتتت احلامهما قبل ان تولد... .حُوّلت عذريتهما إلى عهر... وكشف عفافهما المستور هكذا كفتاة ليل تبيع جسدها البض في سوق النخاسة..
أيها القدر الغاشم..يا من لا ترحم العاشقين... ولا تقدس للطفولة مكانة..لماذا خُلط بيدك الآثمة الباردة كمعدن البندقية قلبهما الذهبي بجسديهما الطاهرين الشفافين كالملاك...ثم أحليت طهارتهما عتمة، وقلبت رقتهما ضبابا كالسراب...
لحظات من الصمت المجنون ..تتخللهما زغاريد الموت كأصوات قصف هجمي جاء مع ولادة الفجر الجديد.. لليلة من الحرب الباردة..
قد ضاع كل شيء في جوف لا يرحم....
ترقرق في عيني نيل من الحزن...
وبناء على ما سبق يمكن لأي شخص ان يصبح كاتبا حداثيا!!
في أيام الجهالة والصبا كانت عندي هواية ما زلت أمارسها بين الحين والآخر، ألا وهي صيانة الأجهزة الالكترونية، لكنني ومنذ أن دخل ما يسمى بالإنتاج الصيني إلى سوق الأجهزة الالكترونية طلقت هذه الهوايةغير رجعة، إلا أنني اقبل أحيانا أن أقوم بصيانة بعض الأجهزة تحت ضغط الترجيات ودموع الاستجداء من نساء أسرتي، خاصة وأنهن يثقن بعملي أكثر من الصيانة التجارية في السوق منذ يومين طلب أبي مني إصلاح قارئ الفيديو الرقمي الخاص به،كان باب قارئ الأقراص لا يعمل، ترددت كثيرا في إبداء استعدادي لذلك، ولكن بصراحة بعد أن رأيت الجهاز- وخصوصا عندما قرأت اسم ماركة يابانية على الواجهة الأمامية - شعرت بفضول لاقتحام هذا الحصن التكنولوجي الياباني، و ازدادت إثارتي عندما فتحت الغطاء العلوي.... شعرت وكأنني أدخل لغرفة نوم ملكية من قصور ألف ليلة وليلة، كانت كتلة حامل الأقراص الليزرية تتصدر علبة الجهاز المعدنية وكأنها سرير ملكي. إلى اليمين وعلى بعد نصف ساعة بالسيارة توجد علبة التغذية..إلى اليسار بعد الدوار المركزي توجد وحدة التكبير والتحكم... عصائب الأسلاك كانت تروح جيئة وذهوبا بتنسيق جميل جاعلة من الجهاز يبدو كعروس يابانية تلبس الكيمونو، كل شيء ملون ومرتب، كل مجموعة أسلاك مترابطة ببعضها ويصلها لجسم لوحة التكبير قابس مميز،وتسير بتناسق إلى جانب بعضها البعض حتى بدون وجود شرطي مرور"
المسجل يتألف من قسمين أساسيين.. جسم المسجل الأساسي، والغطاء الخلفي.. كان الغطاء الخلفي يحتوي على وحدة التغذية وهي أثقل ما في الجهاز... تتصل وحدة التغذية ببقية المسجل بواسطة أسلاك قصيرة جدا لا يمكن معها فتح المسجل تماما... وحتى لا تنقطع هذه الأسلاك اضطرت أختي للامساك بالغطاء الخلفي طوال فترة العملية الجراحية حتى أتممت عملية إخراج النابض وإعادة تركيبه .. تلك العملية التي استغرقت ... ثلاث ساعات ونصف!!!! كان عليها خلال هذه الفترة أن تلعب الكونغ فو لتتفادى الحركات السريعة التي كنت أقوم بها أحيانا خوفا منها أن تتقطع هذه الأسلاك.. بصراحة لم أعرف أن حركاتها كانت سريعة ورشيقة هكذا... ربما من عاشر بضائع الصينيين صار مثلهم... يلعب الكونغ فو!!
المهم وبحركة بهلوانية وضعت جسم المسجل بحيث أستطيع رؤية النابض الصغير... أخرجته بخفة ثم أمسكته بملقط معدني وحاولت أعادته لمكانه... ففشلت.. كان علي أن أفك الغطاء الداخلي حتى تمتلك أصابعي مساحة أكبر للعمل.. ما أن فتحت الغطاء الداخلي حتى شعرت أنني داخل الصين الشعبية... حارات ضيقة تصلها ببعضها أسلاك قصيرة، وروائح سيئة تشبه رائحة الطعام الصيني تفوح من داخلها... كانت وصلات الأسلاك القصديرية تبدو وكان من قام بها جاسوس صيني يعمل بسرعة كبيرة قبل أن تأتي السي آي أيه لتقبض عليه.. توصيلات عشوائية وأسلاك بألوان كئيبة ...حاولت وضع النابض في مكانه لكنه علق بالمغناطيس القوي للسماعة.. فككت براغي السماعة حتى أبعدها فاصل إليه لكن البراغي كانت تلتصق بمادة تشبه السائل المخاطي لتنين خرافي، كانت هذه المادة تغطي أطراف السماعة وبراغي التثبيت و... تقريبا كل شيء حول السماعة..وكأن حلزونة كانت تمضي مهرجان التسوق داخل المسجل..
بعد محاولات فاشلة كثيرة لدفع النابض لداخل الحجرة التي تحمله ثارت ثائرتي... كنت قد أمضيت ساعتين في هذه المحاولات البائسة.. نظرت إلى وجه أختي التي أضناها التعب وهي وواقفة تحمل غطاء المسجل وتدور به حيثما دارت يدي كيلا تقطع الأسلاك... كانت وجنتاها الصغيرتان حمراوان وحبات العرق تتقاطر على جبينها الأبيض.. قلت لها:
ما رأيك أن أشتري لك مسجلا يابانيا على أن تسمحي لي بتكسير هذا المسجل بالمطرقة إلى ألف قطعة؟؟) توقعت أن يغريها هذا العرض لكنه كان ذا تأثير سلبي، اختفت معالم الحماسة من عينيها وبدأت تنظر إلى المسجل المسجى على فخذي وقد تناثرت أشلاؤه هنا وهناك... قرأت في عينيها محبة ومودة لهذا اللعين الذي جالسها في طوال سهراتها العجاف أثناء دراستها للثانوية العامة...كانت تنظر إليه بودّ و دمعاتها تكاد تتساقط وكأنها تنظر لأبنها المريض... أما قطرات العرق التي كانت تغطي وجهي، أما الكآبة التي لازمتني خلال اليومين التاليين ولم اتخلص حتى حضرت حفلة زفاف صديق عزيز فلم تكن تعنيها بشيء.. استخدمت أقوى أسلحة التدمير لديها ..دمعات صغيرات كدن يخرجن من عينيها، نظرت بشفقة لها وقلت: أمرنا لله... لا بد مما لا بد منه...
حملت مفك البراغي وأخرجت كامل أحشاء الجهاز للخارج،واضطررت كي أفعل هذا إلى قطع بعض الأسلاك التي تربط الغطاء الخلفي بجسم الجهاز... يعني كل الحركات البهلوانية التي قامت بها أختي راحت ببلاش..كانت القطع متلاصقة ومثبتة بمليون برغي من النوع السيئ.. تعذبت كثيرا حتى فككتها وتعذبت أكثر حتى أعد تثبيتها لاحقا..
أصبحت أنا والنابض ومفك البراغي وحدنا في الساحة الآن... ضربتين كونغ فو على شوية كاراتيه وأصبح النابض في مكانه..... استغرقت عملية تجميع أحشاء الجهاز اللاحقة حوالي أربعين دقيقة..ثم ... اشتعل أخيرا ابن الأبالسة...طبعا لم يكن هناك من فرصة لتشغيله قبل تجميعه.. ولكن المفاجأة ظهرت بعد تجميعه.. لقد توقفت السماعة اليمنى عن العمل... فككته ثانية وعبثت قليلا بالأسلاك حتى عادت للعمل.. أغلقته بسرعة قبل أن يغير رأيه وأعطيته لأختي والتي حملته بين يديها كطفل صغير وقد عجزت من التعب حتى عن أن تشكرني... وبصراحة حمدت الله في سري فانا كنت عاجزا أن أرد عليها شكرها لي..
بعد أن أنهكت قواي و أصبحت عاجزا حتى عن الوصول لغرفة الطعام رغم النداءات المتتالية من والدتي لم يكن لدي من عمل سوى التفكرّ فيما جرى وأنا اسمع أصوات قرقعة الصحون تقضي على غدائي العزيز...
أخذت أحلام الجهاز الأول تدغدغ مخيلتي، ورغم أنه لا يجوز شرعا المقارنة بين الجهازين لما فيه من غبن للجهاز الأول، إلا أنه عند مقارنتي بين الجهازين لفت انتباهي موضوع... ربما تكون اليابان متفوقة على الصين من الناحية التكنولوجية، لكن ضعف التكنولوجيا لا يعني أن نوصل أجزاء الجهاز بأسلاك قصيرة متشابه بالألوان، ولا يعني أن نلوث كامل الجهاز بلاصق غبي يشبه مخاط كائن فضائي خاصة وأننا قد ثبتنا ما نشاء تثبيته ببراغي!! كما لا يعني انه هناك حاجة لكل هذه الشربكات، وليس من المنطقي أن اضطر لإخراج كامل أحشاء الجهاز للوصول إلى نابض الباب الأمامي والذي لم يتطلبني الوصول إليه في الجهاز الياباني إلا إلى فك بضعة براغي!!!
في رحلتي هذه عبر الصين الشعبية تبين لي أن الموروث الثقافي لشعب ما والبيئة التي يعيش فيها تلقي بظلالها على إنتاجه سواء الصناعي أو الفكري، فحياة اليابانيين التي تعتمد على تقسيم العمل وعلى التعاون وعلى النظام والانضباط الشديد يجعلهم ينسقون كل شيء بحيث يكون سهل الترتيب وسهل الصيانة، أسلاكهم تصطف كأنساق السيارات وتنظمها عصائب ذات ألوان مميزة، كل شيء في مكانه، لا يبخلون بسلك ولا يستخدمون البصاق اللاصق.. تكاد تفوح من أجهزتهم رائحة العطر.. بينما تنعكس البيوت الفقيرة ذات الألوان الداكنة على الأجهزة الصينية، رائحتها لا تعنيهم فحياة الفلاح تملؤها الروائح الغريبة، أسلاكهم عصائب من "سنابل" الأرز لا ينتظمها ناظم، لوحات تحكمهم كسوق شعبية دكان الحلاق بجانب دكان اللحام بجانب دكان البقال.. يتوسطها سوق للماشية..الناس والدواب فيها سواسية، وقطع أجهزتهم تعمل وهي تنظر بعينين توّاقتين ليوم التقاعد...أجزاء أجهزتهم الميكانيكية تعاني من نقص التكلس وبحاجة إلى مستوصف وعناية مشددة، أو لناقلتي نفط مملوءتين بمحلول الجفاف!
لقد أيقظت صيانة هذا الجهاز في نفسي كل آلام الشيوعية، تلك النظرية الوهمية التي آمن بها بعض قادتنا السياسيين المعتوهين فدمروا اقتصادنا وشحذت شعوبنا، وصرنا بين الأمم كالمسجل الصيني في معرض لأجهزة كينوود..تذكرت فقر مصر بعد انتصارات عبد الناصر، تلك الانتصارات التي أدت لعجز مرّوع في الميزانية و التي أجبرت مصر على قبول الصلح والوقوف بعين المتفرج على الصراع العربي الإسرائيلي، والتي أخرجت اليمن من تقسيم لتلقيه في صراع سياسي انتهى بتسليم قزم يصلي نحو البيض الأبيض..والتي كلفت سوريا عشرات الدبابات ومئات الجنود في أيلول الأسود، والتي سلمت قزما أخضر في بلد مجنون طاحت قواه تحت سنوات من العقوبات لأجل تفجير طائرة لم يعط أي نتيجة.. أو سلمت قزما آخر في بلد زج بشعبه في حروب استمرت أكثر من عشرين عاما وانتهت باقتلاعه كالفأر بعد أن باع جزء من شعبه نفسه للشيطان..
خلاصة الأمر... في المرة القادمة وعندما يُطلب مني إصلاح جهاز صيني... سأكسره فورا واستبدله بجهاز ياباني... أو حتى أمريكي... ويل#ن أبو المقاطعة!!
إلى صديقي
من علائم الصداقة أن تكون مرآة نفسي...فإذا كنت نقيا صادقا طاهرا ... رأيت فيك نفسي بمناقبها ومثالبها...
ولكن اعذرني إذا لم أرى صورتي فيك إن كنت غير هذا....
فالمرآة لا تكون مرآة إذا عكست أجزاء من صورتي ولم تعكس أجزاء أخرى، أو إذا أظهرت لي صورة وأظهرت لغيري صورة أخرى عني...
مهلا... لا تعتقد أنني أعاتبك منهيا علاقتي بك..
فخسارتي لقلبك أكبر من أي عتب في الدنيا.. وحزني لفراقك –رغم ما أنت عليه- يفوق حزني عندما علمت أنك مرآة لا تعكس كل الحقيقة... يكفيني معرفتي أنك – لربما- تحبني بصدق..
إلى زميلي في العمل
قد تكون إدارتنا قد وثقت فيّ وأوكلت إلي ما لم توكل إليك رغم أنك خير مني...
وقد يؤدي هذا لأن أنشغل عنك فأكف عن زياراتي المتكررة لك..
أو قد أكون مشغولا بمليون خاطر في رأسي فأمر بجانبك دون أن انتبه فأسلّم عليك...
أو قد أنشغل حتى عن عملي فأقصّر فيه بعض الشيء...
ولك الحق أن تعاتبني على كل هذا...
لكن أوليس من الخير أن تأتي إلى مكتبي فتقول لي : يا أخي أنت مقصّر في حقي؟"
أو أن تكون خيرا مني فتقول: أليس هنالك من وسيلة أساعدك فيها فأخفف عنك عبء ما أنت فيه."
بدلا من أن تذهب للإدارة فتقول: الأستاذ فلان مقصر في عمله ؟!!
إلى طالبي العزيز
أعذرني إذا لم استطع أن أوصل لك فكرتي من أول مرة
فالفكرة التي تتلاقها أنت الآن بسذاجة المبتدئين ودهشتهم
تلقيتها أنا بنفس السذاجة للمرة الأولى
ثم صدمتني في الامتحان ففهمتها بصورة مختلفة
بعد أن صفعني أستاذي بمسألة لم أستطع أن اربط فيها هذه الفكرة بالحل...
ثم رايتها تلوح لي مرة أخرى في مقرر آخر يعتمد عليها
ثم أطلت برأسها في مرحلة الدراسات العليا، ووقفت كالطود المنصوب أثناء بحثي الأكاديمي الذي نلت بعده شهادتي العليا، فلم ترض أن تنزاح عن طريقي حتى فهمتها وطبقتها بصورة صحيحة
ثم تحدتني آخر مرة عندما سهرت عليها ليلة كاملة لأتعلم كيف انقلها لك بصورة تستطيع أن تفهمها أنت مباشرة ودون أن تمر بنفس التعقيدات التي مررت أنا بها..
فأعذرني إن أطلت عليك شرحها
وأعذرني إن لم أكن قادرا على توصيلها لك مباشرة..
فهذا مما عجز عنه أسلافي الذين درّسوا في نفس المكان..
وهذا يتطلب القليل من الجهد الذاتي منك..
ولا بأس لو أنك تزورني في مكتبي فأبين لك – بجلسة خاصة - ما عجزت عن فهمه من نقاط ...ولكن أسالك بالله.. لو أنني لصقت هذه الفكرة لصقا ضمن نص جعلته مقدسا بالنسبة لك وطالبتك بحفظه بدل فهمه...
ألا أتجاوز بهذا تعليقاتك الساخرة علي في كافتيريا الكلية وأنت تجلس جلسة الملك وتقول:
هذا الأستاذ ما يفهم وما عنده سالفة!!!
إلى شريكة حياتي
أنا أعتقد اعتقادا جازما أنك في مكان ما من هذا الكون...
لا أريد منك أن تستعجلي فتأتي لتشاركيني حياتي..
خذي وقتك لتتمتعي بحنان والديك وتنهلي من حكمتهم...
خذي وقتك لتنضجي قبل أن تزوريني في عالمي الصغير فتملأيه..
فأنا مقتنع أن قدر لقاءنا بيد الله عز وجل...
ولكنني لا أنكر أنني ابحث عن فكرك بين خواطر البشر حولي...
وعن عفتك خلف براقع النساء..
وعن حنانك في حنان كل زوجة وأم سمعت عنها أو رايتها..
وعن كلمات الشوق التي أريد أن أبثها في قلبك عند اللقاء
بين كلمات الشعر والأدب التي أقرأها حيثما حللت..
وعن عبيرك في كل نسمة عاطرة أشتمها من عبق الكون حولي...
وعن جمالك في كل صورة جميلة أراها أو تصادفني..
حتى لو كانت دعاية شامبو أو معجون أسنان...
وعن محبتك في محبة تلك القطة الصغيرة التي كانت تداري وليدها في سوق من أزحم أسواق مكة .. وهي تحضنه وترضعه لا مبالية بالمارين في الطريق...
ولكنني أهمس في أذنك قائلا: لقد تأخرت علي...فمتى اللقاء؟
إلى والدي
رأيتني أحبو فحلمت أنني سأكون شيئا ما
ولعلني حققت لك حلمك ..
أو لربما ما زالت في جعبتك أحلام تأخر العمر بي عن تحقيقها..
فبالله عليك... وبحق كل مرة نظرت فيها في عيني الصغيرتين وأنا العب بلعبي الخشبية، ثم نظرت في الأفق تحلم بي مهندسا أو طبيبا أو رجلا ذا قيمة في المجتمع
أن تدعو لي بالتوفيق..
وأن ترضى عني رغم أنني تركتك في أواخر ايامك..
وسافرت إلى مغتربي أبحث عن رزقي
فليس لي من هذا الدنيا بقية إلا رضاك عني..
وبها أضمن أن يدعو لي ولدي - الصالح - بدعاء ينفعني يوم القيامة
إلى والدتي
عجزت كلماتي أن ترسل لك رسالة
فلواعج الشوق أكبر من مساحة الكلام
حق علي أن ابقى طوال عمري راكعا عند قدميك اقبلهما
...
...
...
لقد غصت كلماتي بشوق لقياك... ولعل اللقاء قريب في العيد
التوقيع: ابنك المحب
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
يسوؤني كما يسوء الكثير ممن يعملون في مجال الدعوة الإسلامية على الإنترنت وغير الإنترنت وجود الخلافات العقدية البسيطة التي يجعلها المشككون وأنصاف الدعاة فروقا شاسعة كافية لتدخل الإنسان النار أو تحرمه من الجنة، و يؤسفني تدخل بعض أولئك الذين يفهمون عقيدة الولاء والبراء بشكل مقيت في سير الدعوة الإسلامية بحيث تنقلب عداء للمسلمين ولمن يقتربون من الإسلام من غير المسلمين، وقد تعرضت أنا نفسي لكثير من هجوماتهم بينما كنت أحاول تقريب بعض المفاهيم الإسلامية لأذهان غير المسلمين وخصوصا الأمريكيين الذين يتميزون عن غيرهم بضعف الثقافة وتغلب عواطفهم على عقولهم، وكنت قد بقيت سنتين أجادل بعض المسيحيين الصليبيين على الانترنت في أحد منتديات شركة ياهو الأمريكية، وقد وفقني الله وأقتنع الكثير من المسيحيين غير الصليبيين في هذا المنتدى من الأمريكيين وغيرهم بأن الإسلام دين سماوي وليس بدعة ابتدعها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبقي عليهم التعرف إلى هذا الدين بشكل أقرب، ولما كان هذا يتطلب جوا من الهدوء والتسامح وحرية الفكر بعيدا عن ضوضاء المشككين من جماعة التنصير، افتتحت لنفسي مجموعة خاصة ودعوت إليها كل هؤلاء الذين وجدت في نفوسهم هدوءا وموضوعية بحيث يمكنني على الأقل وإن لم استطع جعلهم مسلمين، أن اجعلهم دعاة إلى الإسلام عبر تصحيحهم للغير من أصدقاءهم المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، وانضم إلى مجموعتي بعض الشباب ممن توسمت فيهم الصلاح، ولكنني فوجئت بأحدهم يطلب مني عدم مخاطبة أحدى الأخوات المسيحيات بلقب "أختاه"، رغم أنني كنت قد توصلت إلى مراحل رائعة معها أقرت فيها بصواب القرآن وبتحريف الكتاب المقدس بل كانت تبحث لها عن زوج مسلم ليهديها الله إلى الإسلام على يديه وتتعلم منه الإسلام حيث كان من الصعب لها اتخاذ قرار صعب كالإسلام وهي تسكن مع أهلها، ولما أوضحت له أنها معنا وتقر بديننا عاود ليطالبني بأن ادعوها ما شئت إلا لقب "أختاه" فهذا اللقب – بزعمه - مخصص للمسلمين (الذين نحبهم)، ولما رفضت إلا أن ألقبها بهذا اللقب نعتي بأشد الألفاظ، وكان منهاجه في هذا مفهوم الولاء و البراء، فهو تبرأ مني لأنني (واليت) المشركين حسب زعمه، رغم أن الفتاة لم تكن من أهل التثليث، بل كانت قد ارتدت منذ زمن عن فكر التثليث إلى فكر التوحيد هي وعائلتها (بما يدعى البروتستانتية)!!! وقد أصيبت الفتاة بصدمة كبيرة وهي تتعامل مع مثل هذا المنطق، وزادها ألما محاولتها فهم الإسلام من مصادره المباشرة (من المواقع السلفية) وفوجئت بهم يطردونها شر طردة، ولم يتلقها بالأحضان إلا فئتان، الشيعة والقاديانية !!! حاولت بشدة أن أبين لها أن هؤلاء الذين تعاملوا معها بعنف هم فئة من المسلمين ممن حجب الله عنهم نور المحبة فأصبحوا يكرهون كل المسلمين وغير المسلمين ممن لا ينتمون إلى فكرهم، وأن ما عليها إلا أن تتجاوزهم، وأننا نحن الأغلبية من المسلمين هم من يمثل الإسلام الحق، لكنها أهملت جوابي ببساطة، و اضطررت فيما بعد لإلغاء المنتدى لكثرة ما تعرضت له من هجومات مماثلة!
راسلتني بعد عدة أشهر ودعتني لمجموعة على الانترنت اكتشفت فيما بعد أنها أسستها هي وجماعة من القاديانيين، ولما بينت لهم بالدليل القاطع خطأ مذهبهم (وهم يعتقدون بالقرآن فقط وينفون الحديث برمته يقولون بجواز استنباط الأحكام من القرآن المترجم وغير هذا من الأفكار الضالة) كان رد فعلها باردا وقالت لي إن لم يعجبك هذا النمط من الإسلام فما عليك إلا أن تتجاوز ما يقوله البعض، وذكرتني بجوابها هذا بما قلته لها عن هؤلاء، وراحت نداءاتي لها أدراج الرياح فقد أصبحت مقتنعة تماما بما يقوله هؤلاء! وبأن الإسلام الذي هو دين محبة وإخاء لا يمكن أن يكون بين هؤلاء الذين طردوها وهي تبحث بينهم عن دين الله!
موقف آخر آلمني في عمرتي الثانية، عندما التقيت في الحافلة وأنا في طريقي إلى مكة بأخ تركي لا يتحدث العربية، وطلب إلى أن أعينه في فهم أصول العمرة وما يقوله حراس الحرم المكي وغير هذا مما يتطلب فهم اللغة العربية، ووجدتها فرصة لأتعرف إلى وضع الإسلام في تركيا، وقد كان هذا الرجل صريحا معي فحدثني عن مذهبه الصوفي (وهو من جماعة المولوية من أتباع جلال الدين الرومي) وكيف كان قد حج في السبعينيات (1395هجري) و..و.. وعندما أخبرني عن حجته وكيف كانت وكيف كان شيخه قد أخبره الكثير عن الرسول صلى الله عليه وسلم شعرت أنه كاد يبكي، وكان مجهزا نفسه للقاء حميم مع رسول الله يعاهد فيه الرسول عند قبره على إتباعه كما أمر و وأراني وريقات فيها أصول الزيارة وأدعية وغيرها، ناقشت هذا الرجل العجوز فلم أرى في نفسه أية إشراك لرسول الله فيما هو من فعل الله، لكنه كان محبا صادقا وتخيلت كيف سيكون عليه الأمر عندما يحاول الوقوف أمام قبر النبي ليعاهده، فتذرف عيناه بالدموع، فيأتي رجل شرطة ويدفعه ناعتا إياه بالمشرك!!! و لربما رحمه الله فاكتشف أن الوقت لا يكفيه للذهاب إلى المدينة فاكتفى بالعمرة وعاد!
لقد اتهمت بالتشيع لأنني تكلمت في حب آل البيت في أحد المنتديات، أو لأنني هاجمت بعض الآراء الغريبة للمتسلفين، ونعت بالمتصوف الضال عندما تحدث عن حب الرسول وضرورة أن نشعر بوجوده حولنا يشهد أعمالنا، وعندما شرحت باستفاضة أحاديث الحوض المشهورة، كما نعت بالتسلف (السلفية) عندما نقضت فكرة أن يكون الدعاء عند القبور والتوسل بالصالحين شرطا لقبول الدعاء، اتهمت بالعمالة عندما تحدث في فقه الدعوة وميزت بين مهاجمة أعداء الإسلام ومهاجمة المسيحيين الذين لا يناصبون الإسلام عداء معلنا، واتهمت بالقاديانية عندما قلت أن الحديث ولو كان موجودا في صحيح البخاري ومسلم لا يؤخذ به إذا عارض مورد نص قرآني، واتهمت بعداوة السنة بل ونقضها وحربها عندما ميزت بين ما هو سنة مؤكدة ورد فيه أحاديث واضحة متواترة كسنن الوضوء والصلاة وغيرها، وبين مجمل الأحاديث التي قد يكون فيها خطأ في النقل ولو كانت قد صحت سندا، يجب دراستها متنا و تفريدها وشرحها بل و حتى نقضها إذا خالفت ما هو عليه القرآن، وهو قول قال به الكثير من علماء السنة والحديث المنصفين، و تلقيت الكثير من الاتهامات نتيجة تبني آراء أخذ بها بعض علماء الأمة ولم تنتشر لمجرد أن صاحبها لم تعرف كتبه أو لم تعتمد كمرجع في احدى الجماعات الإسلامية، فأفكار ابن قيم عرفت لأن جماعة أهل السنة والجماعة تبنتها، وأفكار ابن العربي انتشرت لأن جماعة المتصوفة تبنتها، وأفكار فلان انتشرت لأن جماعة كذا تبنتها، وبقي الكثير من علم أساطين الإسلام مسجى في الكتب لعدم إطلاع عامة المسلمين عليه، وأصبح حمل آراء هؤلاء خروجا عن الإسلام !!!!
إن من كبار مصنفي الحديث وعلماءه من قال عن علماء حديث آخرون أنه مدلس!، ومن كبار علماء الدين من قال عن صاحب كتاب "الإتقان في علوم القرآن" أنه حاطب ليل، والكثير من علماء الفقه والحديث وغيرهم انتقدوا بعض أحاديث وردت في الصحاح وردوها وضعفوها، بل لقد وصلت النقاش بين المسلمين لدرجة أنكر فيها الكثير فكرة الناسخ والمنسوخ في القرآن، وأبطل فيها الكثير من علماءهم الكثير من آراء علماء السلف أو علماء التصوف أو علماء الأشعرية و..و.. واتسع رحب صدر الإسلام لكل هؤلاء، ولما كنا في أغلب عقيدتنا مقلدين، فلا أجد بأسا في تبني رأي أي منهم ما دامت حججه أبلغ – في منظوري- من حجج الآخرين. وفي آخر الأمر يحاسبني الله بخير إذا اجتهدت فأصبت، كما يحاسبني بخير إذا اجتهدت فأخطأت، والكثير من من ينسبون أنفسهم لجماعة السلفية ينصبون أنفسهم قائمين بأعمال الله، فيكفرون كل من قال بالتصوف، رغم أن الإمام ابن القيم له تجارب هامة في التصوف وأهمها كتابه القيم "مدارج السالكين". ويعتبر الأغلبية الساحقة من أهل السنة أن الانتماء للمذهب الجعفري ضلال ما بعده ضلال ويعتقدون أن الإمام جعفر الصادق من أئمة الضلال الذين يجب حربهم وحرب مذهبهم، ويستغرب بل ينكر الكثيرون علي عندما أؤكد لهم أن هذا الإمام هو معلم الإمام الحنفي والذي هو بدوه أحد أساتذة الإمام الشافعي والذي هو بدوره أحد أساتذة الإمام أحمد ابن حنبل!!!... لا أنكر أن المذهب الجعفري دخله الكثير من الخلط والأخطاء، لكن إذا نظرنا لإفتاء الإمام جعفر نفسه وجدناه لا يسرح بعيدا عما أفتى به بقية تلامذته من علماء السنة!. بل أن الكثير مما نسب إليه هو محض افتراء عليه، فهو لا يقول بالخمس ولا يقول بزواج المتعة ويحرمهما، كما يحرم سب الصحابة ويعترف بفضل الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل إنه لا يفضل آل البيت على غيرهم من الصحابة، وغير هذا من الأمور التي تعتبر خلافيات بين السنة الشيعة.
لقد أصبح فقه الدعوة عند الكثير من المسلمين هو أن ندعو كل من قال بحب آل البيت رافضيا، وأن ندعو كل من دعا لحب الرسول متصوفا ضالا، وأن ندعو كل من دعا للنظر في موروثاتنا من الأحاديث على أساس المتن لا السند "عدوا للسنة"، وان ندعو كل من خالفنا الرأي " مضل لا يتبع هدي محمد"، وندعو كل من خالفنا في الدين "كافرا" ونكرهه، وندعو من يحاول التقريب بين مذاهب السنة "مدلسا "، ناهيك عن تكفير من يدعو لحل الأزمة المعضلة بين السنة والشيعة، فهو كافر ومصيره إلى نار جهنم و بئس المصير...ففقه الدعوة الحديث هو فقه "التسميات والتهم الجاهزة" ولعمري هذا ما أطاح ببني إسرائيل ليلعنهم الله، فهم كانوا يقتلون كل من لا يفتي على هواهم، وكانوا يأخذون من علوم علمائهم وأنبيائهم ما يريدون ويرمون بالباقي، ولعمري كلما تحدثت مع أحد هؤلاء وجدتني أتذكر الآية الكريمة:
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون(125( الأنعام
وكأني بمن أخاطبه بغير ما يدين به يضيق صدره بي وأشعر بالكره يخرج بواحا من عينيه، وليس هذا غيرة على دين الله بل ضيقا بسماع الرأي الآخر، لقد أنكر النبي أصحابه قتل رجل أعلن الشهادة تحت حد السيف، وقال لفاعلها:أاطلعت على قلبه؟" فكيف بنا ونحن ننسب بواحا تهمة الإشراك للكثير ممن قطعوا المسافات ليحجوا بيت الله ويزوروا الحرم المدني؟ وهل يحق لنا أن نطلق لقب بدعة على كل أمر يفعله المسلمون ولا نجد له نصا صريحا في السنة أو القرآن؟ ألم تصبح كلمة "بدعة" سيف يجز به بعض دعاة التدين رؤوس المسلمين؟ ألم تصبح فكرة الولاء والبراء محكمة تفتيش يرسل عبرها الكثير من المؤمنين إلى الموت؟ أليس فقه التصحيح أصلح لوضع أمتنا من فقه التفريق والتمييز؟
إن فقه الدعوة يمر بمرحلة خطيرة نعادي فيها بعضنا البعض، ولقد أخفقت دعوة الإخوان المسلمين عندما تجاوزت هذه الفوارق المذهبية والفكرية وادعت أنها حركة فكرية اجتماعية سياسية وليست مذهبا دينيا، فقد تفككت من الداخل قبل أن يضربها العدو من الخارج، ورأينا الكثير من قياداتها يتفرق بعضهم عن بعض، ويفتي بعضهم بغير ما يؤمن بعضهم الآخر، والكثير من أبنائها يضرب بعضهم بعضا بناءا على اختلافات مذهبية، ولعلي أرى في التنازع الفئوي الذي ابتلى به الله المسلمين خطرا اكبر يتهدد وحدتهم ، ولعلي لي في الآية الكريمة أنسا لما يجب فعله في المرحلة القادمة:
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون( 159( الأنعام
والله أعلم.
__________________
بسم الله الرحمن الرحيم
قبيل أن أذهب إلى الحج لم يكن لدي أية فكرة عن ماهية الحج وكيفية أداءه، وما هي مراحله وأنواعه وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالحج، أما الآن فقد وجدت الأسئلة التي كانت تدور في مخيلتي عن كيفية أداء الحج أجوبتها، لكن برزت بدلا عنها أسئلة عن سبب أداء الحج بهذه الطريقة، وعن سبب تسمية كل مشعر أو منطقة في الحج باسمها.
يتضمن الحج عددا من الثنائيات العجيبة التي لا يمكن تصورها في رحلة تعتبر مناط التوحيد، ففي الحج يكون المرء مسؤولا عن أن يرى الله في كل مكان، ومع هذا لا يحرم بالحج إلا من مواقيت معينة، ويرتبط بالأمكنة والأزمنة ارتباطا شديدا. في الحج يكون الإنسان مسؤولا أن يستخلص خلاصة التوحيد بفعل أفعال الوثنية، يكون الإنسان مسؤولا عن أن يتصرف تصرفا متوازنا رزينا مع أن شروط الحج تحثه عل فعل العكس، ولعل الله أشار لهذه الحالة وحذرنا من أن نفقد التمييز بين الشعائر وبين أماكنها، بين تمجيد الله وتمجيد المشاعر:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(28)ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ(29)ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(30)حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ(31)ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ(33) الحج
فهناك ثنائية حرجة بين تمجيد شعائر الله وبين النجاة من الإشراك، فلا يجوز للمسلم أن لا يمجد هذه الشعائر بدعوى تنزيه نفسه عن الإشراك، كما لا يجوز له تمجيدها تمجيدا فائقا يكاد ينحرف به إلى الشرك.
يبدأ الحج بالإحرام، وهو لبس غير المخيط الأبيض، والتنزه عن التطيب وقص الشعر وغيرها من الأمور التي ترفه الإنسان، وما أن يدخل الحرم (مناطق الحرم بعد الميقات) حتى يطلب منه أن يهمل نفسه (من حيث التطيب والغسل والتأنق ولبس الملابس) ويهتم بالآخرين (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). يطلب منه أن يهمل حاجاته ويهتم بحاجات الآخرين، وتتنوع الطرائق التي يفرض فيه الحج على الحاج البدء بالجدال والشجار، فالكثير من مناسك الحج تتطلب حصول ازدحام شديد على المواقيت والمشاعر، ومنها طواف القدوم والإفاضة وتقبيل الحجر الأسود وصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم ورمي الجمرات والنوم بمنى والنفور من وإلى عرفة ومزدلفة، وغيرها كثير، وهنا تتنوع الثقافات ويظهر بجلاء للمسلمين اختلاف الأدبيات العامة، فالبعض يفهم فهما واعيا الأحاديث التي ترتبط بهذه المواقف،ويعيها سلوكا عمليا في الحج، فطواف القدوم هو إعلان الطاعة وطلب الهدى، ولا يكون هذا بالازدحام والشجار، وتقبيل الحجر الأسود هو إعلان المبايعة على السير في الطريق، ولا تكون المبايعة بالمدافعة والتزاحم، فهو عهد فردي لا يمكن إقراره للمزاحمين، وهنا يكاد يبدو للبعض أدب الآخرين على أنه سذاجة، أو ضعف في الدين وعدم إتباع لسنة محمد (، ويظهر بجلاء البون الشاسع بين فقه الواقع وفقه الكتب، فالكثير مما يوجد في فقه الكتب (مثلا سنة الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى للطواف، أو سنة تقبيل الحجر واستلام الركن اليماني في كل شوط أو الطواف ملاصقا للبيت العتيق) لا يمكن تحقيقه عمليا في مكان يطوف فيه الناس فرادى وبغير تنظيم، فمن يطوف الأشواط الأولى رملا يعرقل ويتعرقل بمن يطوف الأشواط الأربع الباقية، وحتى لو رَمَل الناس كلهم في وقت واحد (كما فعل الرسول ( وأصحابه) فإن الشاب النشيط يتعرقل برَمَل الشيخ العجوز، وقد حصل لي هذا الأمر شخصيا عندما كنت امشي بهدوء لوجود شيخ كبير ونساء أمامي، فجاء رجل وربت على كتفي يطلب مني أن استعجل في الطواف لأنه كان خلفي مباشرة وهو مستعجل! قلت له: إنني مستمع بوجودي بجوار الكعبة، فإذا كنت مستعجلا وتريد الخلاص منها فتجاوزني).
تتجلى هذه القضية أيضا في ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم والتي غالبا ما تعرقل الطائفين الذين يصطدمون بوجود مصلين في مسار الطواف، وكذلك في الدعاء عند الجمرات وغيرها كثير، فما يتركه البعض رحمة بالمسلمين، يعتبره البعض الآخر نقصا في الدين! وما أمر به رب العزة أو سنّه سيدنا محمد ( لحكمة في الحج ( كرفع المرأة النقاب أوحجاب الوجه والكفين أثناء الطواف) يغيره البعض لعدم فهمهم حكمة الحج ويرون في تشويههم لهذه الحكمة (زيادة في التقى)، ولعمرى ما قال الله تعالى فيهم قوله هذا عبثا:
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ *ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا* وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(15)*قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ* وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(16) (الحجرات)
أول ما يفعله الحاج ليصل إلى حقيقة التوحيد هو فعل الوثنية ظاهراً (الطواف حول كعبة من حجر) فإذا ما انتهى من هذا الطواف قام بفعل أشد وثنية منه ظاهراً وهو تقبيل الحجر الأسود، ثم عاد ليسعى بين جبلين، فإذا ما انتهى بات بمنى ثم وقف بعرفة ثم بمزدلفة ثم رمى الجمار، وكلها أفعال لا تمت للتوحيد ظاهريا بصلة، وليس لها تطبيق عملي في واقع حياة المسلم، بل تبدو رحلة الحج كلها – لمن لم ينر الله قلبه بالتقوى - رحلة عبثية لا طائل منها إلا التعبير عن الطاعة العمياء، وقد حيرتني رمزية هذه الأفعال فلم أجد ملجأ من حيرتي إلا الله أسأله عن معانيها، ولعلي حصلت على معانيها الظاهرة ، وبقيت لي معانيها الباطنة.
رحلة الحج هي رحلة العمر، وهي رحلة يقوم بها الإنسان مرة واحدة في الأعم الأغلب، وقد وعد رسول الله ( أن من يقوم بها بشكلها المبرور غفر له ما تقدم من ذنبه أو لم يكن له جزاء إلا الجنة أو رجع كما ولدته أمه أو...الخ ... وعلى هذا فليس من المعقول أن تكون هذه الرحلة ببساطة أن تقبل لمجرد القيام بالأفعال السابقة بشكل صحيح فقط، بل لا بد من رموز على المرء أن يستجليها من خلف الحجب ليرى إلى ماذا ترمي هذه الأفعال، فيجد لها تطبيقا عمليا في حياته، بحيث يعود للفطرة التي عبر عنها النبي ( بقوله (رجع كما ولدته أمه)، وما جعلها الله تشابه أفعال الوثنية إلا ليدلنا على أنها رمز وليست أصلا في حد ذاتها، فبضدها تتمايز الأشياء.
إن قصة الحج ما هي إلا قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهي قصة ثنائية المراحل، قصته عندما كان وحيدا، وقصته عندما كان متزوجا (سواء من السيدة سارة أو من السيدة هاجر). لقد بدأ سيدنا إبراهيم رحلته مع التوحيد برفضه فكرة تعدد الآلهة، فهو يرى أن وحدة الخلق تستدعي وحدة الخالق، ومن هنا جاءت رمزية طواف القدوم، فما أن يسير فكر الإنسان بلا ارتباط بقيود العصر والثقافة المحلية حتى يجد نفسه في تناسق مع المنطق السباعي للكون الذي يدور في أفلاك ثابتة لا تتغير معبرة عن خلود الخالق، إن رفض سيدنا إبراهيم لما آمن به قومه هو ما أوصله إلى بداية الطريق إلى الله.
يمثل الطواف في مرحلة إبراهيم الأولى حالة انعزال الإنسان عن المؤثرات الخارجية ليبقى مع نفسه، وتنعكس حركته المادية على حركته الفكرية، فيسير فكره بخطوات متناسقة متسلسلة ليصل إلى بداية الحقيقة، وهنا لا بد له من العودة للاتصال بالعالم الخارجي ليصل إلى الحقيقة كاملة، فيأتي دور السعي، وللسعي معنيين مختلفين وفقا لمراحل حياة سيدنا إبراهيم.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا(41)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43)يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا(46)قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(47)وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48)فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا(49)وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا(50) مريم
هنا
للطواف في حياة سيدنا إبراهيم الثانية معنى مختلف، فهو الانتظام مع حركية الكون من حيث استجابته لأمر الله، فلقد مضى سيدنا إبراهيم في الانتظام في هذه الحركية رغم كل المغريات، فهو يعلم أن الكون انتظم فيها طواعية، ولولا ذاك لانتظم فيها كرها، ولأنه كان قد وصل لحقيقة التوحيد، لم يرى بدّا من الانتظام طوعا، ولو أدى ذلك لتحديه للنمرود، أو لدخوله النار، أو لتركه زوجته وابنه في واد غير ذي زرع استجابة لأمر الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ* فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*(36)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) إبراهيم
فالطواف في حياة إبراهيم هو معرفة تناسق الكون، والتيقن من واحدية الخالق، ومن اضطرار العالمين لإتباع الحركية التي وضع هذا الخالق هذا الكون وفقها، وبالتالي يكون إتباع أي حركية أخرى مخالفا للمنطق ومعاكسا لحركية الكون، ويرمز طواف القدوم لمرحلة الطواف الأولى، فهو مرحلة يبدأ فيها الحاج رحلة الحج وهو قادم من العالم الخارجي ليعيش في معتزل الحج أياما معدودة، وفيها يدرك الحاج أنه في مكان ليس له هدف سوى الله، وأن كل ما يفعله هو لمرضاة الله وليس تكريما للبنيان والأحجار، فيبدأ في مرحلة التجريد، ليصل في النهائية لتقبل فعل أي شي إذا كان في هذا رضاء لله (كالإحرام وتمضية عدة أيام لا يستر جسمه إلا قماش خفيف، عدم الحلق والتطيب وتمشيط الشعر وقص الأظافر وغيرها، وهي أمور لا تربك حجاج هذه الأيام بالقدر الذي أربكت الصحابة الذين قضوا أياما ليصلوا من ميقات المدينة إلى الحرم، وكذلك طبيعة النوم في منى ومزدلفة والوقوف بعرفة ورمي الجمار وغيرها من الأمور التي لا فائدة ظاهرية منها في تحقيق التوحيد) ومن ثم يبدأ فكره يعمل في معرفة ما وراء هذه الأفعال، فالحج ليس معسكرا حربيا يجبر فيه المجند على فعل أمور لا تتعلق بطبيعة التدريب العسكري إرضاء لنزوات المدرب، بل لكل شيء فيه معنى, حتى الأسماء ومواقع الأماكن بل وأشكالها ويأتي طواف الإفاضة معبرا عن تجاوز الحاج مرحلة التفكير لمرحلة الانصياع التام، لهذا كان الحج عرفة، فعندها تكون مرحلة الانتقال السابقة.
إن المرحلة التي تلي مرحلة الطواف الأولى هي مرحلة السعي، وليس السعي مشيا بين جبلين فحسب، فهو في مرحلة إبراهيم الأولى يمثل سعيه إلى الحقيقة، وهذا السعي له نوعان توضحهما سورة الحج نفسها:
1- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ(3)كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(4)
2- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ(9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(10)
فالنوع الأول من البشر يبدأ مرحلة اليقين بحقيقة ما قبل أن يبدأ مرحلة السعي وذلك بإتباعه هواه أو أقوال من سبقه ويبدأ بنشرها على أساس أنها الحقيقة، فهو ضال مضل، وهو حال قوم إبراهيم وفق ما تشير له الآيات التالية:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ(52)قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ(53)قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(54)قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ(55)قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ(56) الأنبياء
أما النوع الثاني فهو من يكون لديه هدى من كتاب أو ذكر أو منطق، فيعرض عنه ويسعى ليجد طريقه وحده، هذا الطريق الذي يكون غالبا موافقا لهواه أيضا، وهو حال النمرود وفق ما تصفه الآيات:
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) البقرة
فالسعي في الدنيا هو إما لإيجاد الهدى في عالم ليس فيه هدى (كحال إبراهيم في مرحلته الأولى) عبر دراسة الكون وتنسيقه واستجلاء واحدية الخالق عبر هذه الدراسة،فينعكس اليقين العقلي يقينا قلبيا بضرورة وجود خالق واحد لهذا الكون، أو سعي لإيجاد حقيقة الهدى باستقراء الآيات ودراسة النصوص الإلهية ومعرفة مقاصدها العليا، وإيجاد العلاقة الواقعية بين ما وجده من يقين قلبي، وما هو الكون عليه، فيحصل بذلك اليقين العقلي.
سعي سيدنا إبراهيم الأول كان عبر استجلاء حقيقة تنسيق الكون لإدراك واحدية الخالق، وعلى هذا تنص الآيات التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75) َلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ(76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79)وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)*وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ *نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84) الأنعام
أما السعي اللاحق فهو سعيه في التحقق من موافقته لهذا التنسيق عبر الانصياع التام للأوامر الإلهية، ونرى ذلك في الآيات:
بسم الله الرحمن الرحيم
*وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا* قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125)وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127)رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128)رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129)وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(130)*إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ*(132) البقرة
ويأتينا سعي من نوع آخر، وهو ما قامت به السيدة هاجر عندما تركها سيدنا إبراهيم وحدها في وادي مكة مخبراً إياها انه ينصاع لأمر الله، لقد كان سعيها هو بحثها الواثق عن مساعدة الله لها، فلما انتهت من سعيها ووجدت أن لا فائدة من سعيها ما لم يقدر الله لها أن تنجو، جاءتها المساعدة الإلهية من حيث لا تحتسب.
وقد جاء التشريع الإسلامي ليبيح جعل السعي مقترنا بطواف القدوم، بحيث يبدأ الحاج بالسعي سعي سيدنا إبراهيم الأول ثم الالتزام (السعي بعد طواف القدوم وقبل عرفة) أو تأخيره ليقترن بطواف الإفاضة بحيث يبدأ الحاج بالالتزام ثم السعي سعي السيدة هاجر ...سعي الواثق بكون الله وليه في الدنيا والآخرة. فالسعي يكون بين الصفا والمروة، فكلما صفا ارتوى ، وكلما ارتوى أصطفي لشوط آخر فيعود ليصفو فيرتوي...
المبيت بمنى يوم التروية هو معتزل أولي يقصد به إنهاء مراحل الاصطفاء، فالحاج في منى يكون في حال صفاء عال وقابل لتلقي الهدى، فيروى وهو عَطِشٌ للمزيد، فإذا ما أدرك معنى التروية نفر إلى عرفة، وهو الموقف الأهم في الحج.
عرفة مكان منبسط محاط بالجبال، يقع جبل الرحمة في طرفه تقريبا، يكون الموقف في عرفة وقت الزوال موقف شتات، ففي وقت الزوال لا يكون لشيء ظل معين يمكن الاستدلال به على الجهات، وكذلك حال الحاج بعد يوم التروية، فهو يكون في حال من الصفاء عال، لكنه لا يعرف كيف يعكس هذه الصفاء على العالم الواقعي حوله، ويتميز اجتماع الناس في عرفة عنه في منى أنه اجتماع مفتوح لا يقام في الخيام، ويكون فيه اختلاط الحجاج في مكان واحد من مختلف الجنسيات والآراء (طبعا هذا في ما مضى، أمام الآن فموقف عرفة لا يختلف كثيرا عن موقف منى)، وبعد الزوال يتيه أغلب الحجاج عن ما يجب عليهم فعله، ويبقون في حالة ضياع حتى حلول وقت العصر، حينها يتدارك الإنسان ما فاته من وقت ليبدأ عمليا في الوقوف بعرفة.
من الصعب القول أن عرفة موقف يتعرف فيه الإنسان إلى ربه كما يبدو من الاسم، بل هو مكان يفقد فيه الإنسان معرفته لربه بالشكل التقليدي ليعرفه بشكل آخر، يعرفه كما عرفه سيدنا لإبراهيم في النار، وكما عرفته السيدة هاجر في وادي مكة، لا إله غيره، ولا رازق سواه، ولا تدبير لأمور الكون بغير علمه.
موقف عرفة يذكرني بالآيات التالية من سورة الحج:
1- يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)
2- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11)يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(12)يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ(13)
3- مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ(15)
4- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(18)
الغريب في الأمر أن الوقوف بعرفات لم يذكر بشكله الصريح في آيات القرآن كما هو الحال مع الطواف و السعي أو الهدي و الإفاضة من مزدلفة أو في المبيت بمنى أو في غيرها، إلا أنه المكان الوحيد الذي ذكر باسمه من بين المواقف الثلاثة (عرفة ومنى ومزدلفة)، ويأتي الرسول ( ليخبرنا أن الحج عرفة! وكأن سر عرفة ترك لكل إنسان ليعرفه بنفسه، وهذا ما توحي به الآيات التالية:
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ(34)الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(35) الحج
وبالفعل تبقى حالة عرفة تجربة شخصية بحتة كل امرئ يخبر عنها بشكل مختلف عن الآخر، إلا أن الجميع متفقون أن الساعات الأولى من عرفة (قبيل وبعيد الزوال) تكون ساعات تائهة لا يعرفون ماذا يفعلون بها.
الرحلة التي مشاها سيدنا رسول الله ( من عرفة إلى مزدلفة بليل رحلة ذات خصوصية (ضاعت في زحمة الباصات المتحركة على الطريق في أيامنا هذه) فهي تشبه موقف حشر مبسط حيث يمشي الإنسان من اللامكان إلى اللامكان، بما يشبه رحلة الإنسان في حياته الدنيا، فهو يسير في الظلام لا يستدل إلى وجهته إلا بإشارات على الطريق، وهو يعلم أنه جاء من مكان غير معروف المعالم (عالم الذر والمتمثل هنا بعرفة) وذاهب إلى مكان غير معروف المعالم (عالم الروح يوم القيامة والمتمثل بمنى) وهو يسير في طريق وحيدة لا يملك تغييرها، وعليه خلال هذه الطريق أن يتجنب المزالق وأن يتجنب أذى الناس كما كان يفعل الرسول ( الذي دأب على أن يأمر الناس بالسكينة في ارتحالهم من عرفة لمزدلفة، وهو يعلم تمام العلم أنه لن يبقى فيها بل سيبيت فيها ليلة واحدة ويقوم ركعتين قيام الليل ويصلي الصبح ثم يغادر...وتكون مزدلفة صلة الوصل التي يدرك فيها الحاج علاقته باليوم الآخر وبعالم الذر.
من المفترض أن تنتهي هذه الرحلة برمي جمرة العقبة، وهذا يشير إلى نهاية هذه الرحلة عندما يتخلص الإنسان من سيطرة النفس عليه، وهو يرميها بعد شروق الشمس حيث تكون نفسه قد أشرقت بالهدى...ولكن رحلته مع الهدى ما انتهت بعد.
استوقفني سؤال مهم: ما المقصود برمي الجمرات الثلاثة على ثلاثة أيام متوالية رغم أننا رجمناها في يوم العيد؟ وما المقصود برمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى فالعقبة؟ ولماذا اشترط المبيت بمنى حين رمي الجمرات؟
كان هذا السؤال مركزيا في رحلة الحج، ولرحمة من الله كنا قد انصعنا لتنفيذ الأمر حتى دون أن نعرف الجواب، والذي وجدنا أنفسنا نطبقه قبل أن نعرف أنه هو الجواب، فقد تسلمنا عدة مهمات أجبرتنا على أن نكون في موقف منى كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا حاج تائه دللناه إلى مخيمه، وهذا حاج لا يقرأ العربية ترجمنا له ما يريد، وهذا رجل لا يعرف أين الجمرات أو كيف يرميها..... لقد كانت ليالي منى ليال القيام على عباد الله، ولم يرد - فيما أعرف – في السيرة أو في الصحاح ما فعله رسول الله في منى، لكنني أعتقد أنه فعل ما فعلناه من حيث أنه كان دائما يهتم بشؤون الحجاج، وقد أمضينا وقتا جميلا ونحن نبحث في مخيمات الحجاج عن مخيم السوريين، وخلالها شاء الله أن يطلعنا على حال الأمة ويعرفنا إلى ما آلت إليه أمور المسلمين من الجنسيات المختلفة العربية وغير العربية، وخلاصة الأمر أن منى هي المناط الحقيقي لرحلة ما بعد عرفة. وأنني لأستحي أن أقول أن منى هي مقياس تحضر الأمة الإسلامية، بل هي في وقتنا الحاضر مقياس لتخلف الأمة، فالأمة في تراجع من ناحية الأخلاق. إن تناسق وتآلف المسلمين في منى ووحدة حالهم تعبر عن وحدة الأمة، فكلما زاد التآلف بين الناس وبين أنماط مبيتهم في منى زاد توحد الأمة وزاد قربها من مفهوم الحج الحقيقي، وبالعكس كلما تمايزت مخيمات الأفارقة عن مخيمات الآسيويين، وكلما عجت مخيمات المصريين بالبشر بينما وجدت مخيمات دول الخليج يقوم فيها الحجاج فرادى علمت أن الأمة بعيدة عن التوحد.
بقي رمز الجمرات سرا حتى رميت أول جمرة، وكانت نيتي فيها مختلفة (كالعادة) عن نية سائر المسلمين ، فقد نويت أن ارمي الجمرات بشرط أن يعرفني الله لماذا أرميها، وجاءني الجواب سريعا لم أدركه، لكنه يتعلق بالنفس وهمومها... وبمراجعة قصة سيدنا إبراهيم وجدت حلا للغز الجمرات، وقد أكد لي أخي في الله مازن ما توصلت إليه نسبيا:
1- الجمرة الصغرى هي جمرة المجتمع، فلقد كفر سيدنا إبراهيم بما وجد عليه آبائه وسعى ليحصل على المعنى الحقيقي للعبودية، وقد رفض هذه الأصنام كونها لا تعبر عن واحدية الخالق، وكونها لا تملك من مقومات القوة ما يؤهلها لتكون آلهة، وكونها لا تؤثر بشكل مباشر على حياته من حيث الرزق والنصرة وما إلى ذلك...وبهذا رمى ثلاثا أول صنم (جمرة) كان الشيطان يضل بها الكثير من الناس.
2- الجمرة الوسطى هي جمرة العقل، فكثيرا ما يؤدي العقل إلى الضلال إذا ترك يعمل وحده، وقد استطاع سيدنا إبراهيم بهدي من الله أن يحصل على اليقين العقلي عبر مطالعة حقيقة الخلق وضرورة واحدية الخالق، وقد رماه في ثلاثة مواضع بثلاثة براهين عقلية:
أ- أولها إظهار الله له ملكوت السماوات والأرض وعظمة خلقها وعجز الآلهة المزعومة عن القيام بمثل هذا الخلق.
ب- وثانيها تلقينه الحجة في مناظرته لنمرود في كون الإله الحق قادر على التصرف في ملكوته مما تعجز عنه الآلهة المزعومة.
ج- وثالثها القدرة على منح وسلب الحياة مما تعجز عنه تلك الآلهة.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260) البقرة
وقد لخص هذه النتائج الثلاثة دعاء النبي يوم عرفة:
حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فالله واحد في تدبير ملكه، واحد في رزقه، واحد في خلقه.
3- الجمرة الثالثة هي جمرة النفس، وهي الأهم وهي مناط رحلة الحج، وقد رجمها في ثلاثة أماكن مختلفة:
أ- عندما لم يخف من نمرود وكان واثقا من معونة الله له حتى وهو يلقى في النار.
ب- عندما لم يخف على أهله وترك زوجته وولده الرضيع في واد غير ذي زرع امتثالا لأمر الله
ج- عندما لم يتردد في الامتثال لرؤية رأى فيها أنه يذبح ابنه الأكبر إسماعيل.
ونلاحظ أن عائلة سيدنا إبراهيم كانت معه في رمي هذه الجمار، فلا السيدة هاجر أنكرت عليه، ولا سيدنا إسماعيل كرهه كونه تركه في صغره هو وأمه، أو كونه أراد ذبحه أو لأي أمر آخر.
وخلاصة رحلة الحج التي جاء بها سيدنا إبراهيم هي ما دعا ربه أن يحققه:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(36)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) ابراهيم
ونتيجتها هي ما وصفه الله به:
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(121)وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(122)ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(123) النحل
وما علينا إلا أن نكون على هذا النهج:
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(161)قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(165)
هذه لمحات ونظرات ذكرتني بها بهجة اقتراب موعد الحج
رزقنا الله وإياكم متعة القيام به مرارا وتكرارا