في سجن اسمه الوطن..
حدثني سمير وهو يلهث ..يبكي ويضحك معا.. كنت قد رأيته بعد ان اختفى من المنطقة لعدة سنوات..ثم ظهر فيها شاردا غائبا عن الوعي.. قال وكأنه يتحدث عن كابوس مزعج مر عليه.. أو كحلم بعيد ..مكملا روايته:
وقفنا كعادتنا في طابور الصباح في ذلك السجن الكبير القابع خلف أسوار الصحراء.. كانت قد مرت علينا سنوات على هذا الروتين..كل يوم صباحا التفقد.. حصة رياضة كما يسمونها وتعذيب كما هي على الحقيقة.. بعض الأشياء التي تسمى مجازا فطور... جلسة رياضة أخرى.. كانت السنون قد حفرت في أعماقنا قناعة ان حياتنا ستبقى هكذا ولن تتغير.. وقد تركبت لدى جلادينا نفس القناعة نتيجة مللهم من فرض شخصياتهم الكليلة على هذه الهياكل العظمية لسنوات عدة دون أن يحركها شيء.. وكأنهم يضربون وسادات ممتلئة بالدم.. تقذفه في وجوههم كلما ضربوها..ثم يتم إصلاحها ذاتيا ليقوموا بممارسة نفس الحركات التي خرجت عن كونها إفرازات مرضية لعقدة نقص.. لتصبح روتينا مملا كل يوم.. صباحا ومساءا.. حتى الإبداعات التي كانوا يكتشفونها سابقا وفنون التعذيب الجديدة التي كانوا يبدعونها اصبحت مملة.. طالما انهم يمارسونا لاستفزاز كتلة من اللحم التي يكاد لا شيء في الكون يستفزها.. كل المحاولات البئيسة لاثارتنا ابتداءا من اجبارنا على شرب مياه المجاري وابتلاع بصاقهم واكل الفئران الميتة .. ووصولا لإجبار بعضنا على ممارسة الافعال الشائنة علنا بالبعض الآخر..كل هذه المحاولات باءت بالفشل ..ولم تثر فينا الرغبة في المقاومة ..وبالتالي ممارسة جنون عظمتهم علينا بلذة أكبر ..امام جثة أصبحت قادرة على أن تتألم ثانية..جدران السجن ملت من بردها ومن لونها الرمادي.. وساحات القهر أصبحت اعتيادية لدرجة الملل..
في ذلك اليوم الصباحي البارد.. جمعونا في طابور الصباح.. عراة كالعادة ..في شمس أصبحت تخاف ان تدخل ساحة السجن لانها تعودت الحرية... فأصبحت شعاعها باردا تماما كعتمة الليل...في هذا اليوم لم تكن رياضة الصباح عنيفة كعادتها.. رغم أنها أصبحت اقل عنفا في السنوات الأخيرة لأن سجانينا وكما قلت لك ملوا من الضرب في وسادات الدم الميتة.. والتي هي نحن. .وبعد حفلة "رياضة" صباحية اكتشفنا السبب في برودة أحداث حفلة الصباح..كانت هناك دفعة جديدة من المساجين قادمة... وكان السجانون ينتظرون ممارسة ساديتهم على كائنات مازالت تشعر بالالم.. تختلف عن تلك الجرذان الجبانة..التي لم تعد تشعر بالاهانة.. والتي هي نحن...
ارتشف سمير قليلا من كوب الشاي الذي أمامه وتابع: كانت قلوبنا معلقة بالقادمين وإن كنا لم نستطع رؤيتهم لان أعيننا كانت مغمضة.. سمعنا سيل الشتائم المعتادة تخرج من أفواه السجانين.. وللغرابة لم يكن عدد السجانين كبيرا.. كانوا اثنين او ثلاثة ..بدأوا طقوس التأهيل ..وهي كسر نفسية السجين حتى يشعر بحيوانيته فقط تطغى على كل شيء.. فيتحول لوسادة دم جديدة..تماما ممثلنا..لا تؤثر فيها الاهانات.. ولا مكان للعزة والشرف بين جنبات صدرها..
سمعت صوت اول المساجين يتحدث.. كان يتحدث عن الحرية والديمقراطية وأنهم لا يريدون غيرها.. وتلقى أول الصفعات القاسية مع سيل من الشتائم.. ولكنه ما لبث ان انتفض ورد الضربة بمثلها –رغم عدم معرفتي بالكيفية التي فعلها بها وهو مربوط اليدين والقدمين-.. تراجع العسكري بسرعة للخلف وسقط فوقي تماما.. فارتفعت القطعة القماشية قليلا عن عيني واستطعت ان ارى للمرة الأولى ساحة السجن على حقيقتها...ورأيت السجناء الجدد والسجانين..
رأيت هذا العريف الذي لطالما تخيلته وحشا بشريا ..فإذا به حليق الرأس مفتول العضلات.. لكن اوصال جسده كانت ممتلئة بالرعب لوقوعه أرضا .. قفز كالقط وهجم بعنف على الشاب.. بسرعة تحولت عيناي للشاب فإذا هو شاب عشريني يكاد شكله لا يوحي بأي رجولة .. حتى صوته ناعم ولا يعبر عن ... ما علينا.. كان الشاب مقيدا.. وكنت أنا مقيد كذلك.. درات عيناي بسرعة فرأيت بقية السجانين.. كانوا يمسكون بأسلحتهم بقوة والقلق باد على عينيهم.. عاد العسكري ليهجم على الشاب المقيد.. فتحرك الشاب حركة بسيطة سقط العسكري على اثرها على كتف الشاب ثم على وجهه أرضا.. كانت هذه الحركة كافيا أيضا لتسقط عصابة العين عن وجه الشاب بالكامل. .. "
صمت سمير قليلا ثم تابع يتحدث وقد ضاقت عيناه وكأنه يرى منظرا بعيدا خلال الضباب: حينها عادت بي الذاكرة بسرعة لأول يوم دخلت فيه المعتقل.. في أول ليلة تحدثت فيها بصوت عال مع الشباب المعتقلين.. وقلت لهم اننا كثرة وهم قلة ..فلماذا الهوان؟ وسارع احد المعتقلين القدماء ليحدثني عن بداية اعتقاله وكمية التعذيب التي كان يتلقاها.. بينما عندما مال للسكون خفت كمية التعذيب وبدأوا باعطاءه كمية اكبر من الطعام.. حدثني عن الفوضى التي حصلت في المهجع العاشر نتيجة حركة كهذه وكيف ان المهجع ما زال يعاني العذاب حتى الآن بسببها رغم ان المشاركين فيها كلهم تقريبا ماتوا او نقلوا..بدأ يحدثني عن الامان الذي يتمتع به المهجع حاليا وانه لا يؤيد فكرة التغيير..."
صمت سمير قليلا وتابع بصوت منكسر " أصبحت انا أيضا لا أؤيد فكرة التغيير بعد ان تلقيت نصيبي من التأهيل.. وهو نصيب مضاعف من رياضة الصباح"..ارتد على قليلا للخلف وقال: الأمن والأمان"...
ضحك سمير من الفكرة وتابع قائلا: وبينما انا افكر وقع علي جسم ثقيل أعادني لساحة المعركة.. هذه المرة كان رقيب آخر يعرف بالوحش قد سقط ايضا على يد سجين آخر من السجناء الجدد.. سجين لم يكن ليتصور أحد في الوجود انه قادر على إسقاط الوحش.. الوحش الذي كان يتفنن في تعذيب السجناء حتى بعد ان يفارقوا الحياة بين يديه..
كان السجانون قد فقدوا التركيز تماما على السجناء القدامى وبدأوا التركيز على المعركة الواقعة في وسط الساحة.. الشباب الصغار يحاربونهم بتكتيك ذكي رهيب عبقري يسقطهم أرضا مرارا دون أن يقوموا بأي حركة قتالية.. هذه العملية أنستهم ان بأيديهم سلاح.. وأنستهم ان هناك اكثر من مائة وخمسين سجين سابق يحيطون بهم.. اقتربت بهدوء من جاري وطلبت هامسا منه ان يفك وثاقي.. تردد ..ولكنني أخبرته أنني سأتحمل كامل المسؤولية ولن ابلغ عنه.. كنت مكان ثقة ولهذا صدقني.. وخلال عشرة دقائق كان كل السجناء مطلقو الأيدي.. سقط علي عسكري ثانية فأمسكته بقوة إلى صدري.. بدأ يصرخ فالتفت زميله ليراني احمي صدري به...حاول إطلاق النار فأمسكته"وسادة دم" أخرى ممن كان قد نسيهم معلقين على الجدار.. وفي غضون دقائق كان جميع السجانين بين أيدينا مثبتين على صدورنا العارية... وأسلحتهم على الأرض... سمعنا جلبة كبيرة ورأينا ضابطا كبيرا يظهر في ساحة السجن يحيط به بعض العسكريين.. تفاجأ من المنظر لكنه سرعان ما اسقط في يده عندما عانقته "وسادة دم" أخرى.. هي العم صالح العجوز.. ذلك الذي حدثني عن الأمن والأمان في المهجع البئيس..
اقتربت من رئيس السجن بهدوء... ونظرت في عينيه...بدأ يهدد ويتوعد..تابعت النظر بقوة في عينيه.. واقسم بالله إنني رأيت دمع الخوف يتسلل في عينيه وهو ينظر في عيني الميتة..مهددا تارة بأنه سيستعين بقوات من العاصمة.. ومرة يترجى.. ومرة يذكرني بأننا إخوة في الوطن.. ومرة ثالثة يذكرني بالسلام الذي ننعم به في السجن..قبل أن تأتي هذه القلة فتعكر صفو الحياة.."
ضحك سير وهو يتابع:" لربما مات في الخوف فأصبحت نظرة عيني ميتة..تماما كزومبي..خاصة وانه لم يتعود النظر في عيون السجين...رأيت هذه الأسد الهصور يرتجف خوفا بين يدي كقط صغير..فلم استطع منع من لطمه على أرنبة انفه... فبكى وانهار طالبا الرحمة.. ووعدني بأنه سيسامحني ولن يعاقبني إذا أخليت سبيله..ثم ولما لم أجبه وبقيت انظر في عينيه نظرتي الميتة نفسها...سقط على ركبتيه يبكي كطفل صغير طالبا الرحمة"
تابع سمير قائلا..: في خلال سويعات قليلة كان جميع السجانين في السجن ..عراة بالملابس الداخلية.. بينما لبسنا نحن ملابسهم العسكرية.. وخرجنا بهدوء من السجن..نحو الحرية..
حدثني سمير وهو يلهث ..يبكي ويضحك معا.. كنت قد رأيته بعد ان اختفى من المنطقة لعدة سنوات..ثم ظهر فيها شاردا غائبا عن الوعي.. قال وكأنه يتحدث عن كابوس مزعج مر عليه.. أو كحلم بعيد ..مكملا روايته:
وقفنا كعادتنا في طابور الصباح في ذلك السجن الكبير القابع خلف أسوار الصحراء.. كانت قد مرت علينا سنوات على هذا الروتين..كل يوم صباحا التفقد.. حصة رياضة كما يسمونها وتعذيب كما هي على الحقيقة.. بعض الأشياء التي تسمى مجازا فطور... جلسة رياضة أخرى.. كانت السنون قد حفرت في أعماقنا قناعة ان حياتنا ستبقى هكذا ولن تتغير.. وقد تركبت لدى جلادينا نفس القناعة نتيجة مللهم من فرض شخصياتهم الكليلة على هذه الهياكل العظمية لسنوات عدة دون أن يحركها شيء.. وكأنهم يضربون وسادات ممتلئة بالدم.. تقذفه في وجوههم كلما ضربوها..ثم يتم إصلاحها ذاتيا ليقوموا بممارسة نفس الحركات التي خرجت عن كونها إفرازات مرضية لعقدة نقص.. لتصبح روتينا مملا كل يوم.. صباحا ومساءا.. حتى الإبداعات التي كانوا يكتشفونها سابقا وفنون التعذيب الجديدة التي كانوا يبدعونها اصبحت مملة.. طالما انهم يمارسونا لاستفزاز كتلة من اللحم التي يكاد لا شيء في الكون يستفزها.. كل المحاولات البئيسة لاثارتنا ابتداءا من اجبارنا على شرب مياه المجاري وابتلاع بصاقهم واكل الفئران الميتة .. ووصولا لإجبار بعضنا على ممارسة الافعال الشائنة علنا بالبعض الآخر..كل هذه المحاولات باءت بالفشل ..ولم تثر فينا الرغبة في المقاومة ..وبالتالي ممارسة جنون عظمتهم علينا بلذة أكبر ..امام جثة أصبحت قادرة على أن تتألم ثانية..جدران السجن ملت من بردها ومن لونها الرمادي.. وساحات القهر أصبحت اعتيادية لدرجة الملل..
في ذلك اليوم الصباحي البارد.. جمعونا في طابور الصباح.. عراة كالعادة ..في شمس أصبحت تخاف ان تدخل ساحة السجن لانها تعودت الحرية... فأصبحت شعاعها باردا تماما كعتمة الليل...في هذا اليوم لم تكن رياضة الصباح عنيفة كعادتها.. رغم أنها أصبحت اقل عنفا في السنوات الأخيرة لأن سجانينا وكما قلت لك ملوا من الضرب في وسادات الدم الميتة.. والتي هي نحن. .وبعد حفلة "رياضة" صباحية اكتشفنا السبب في برودة أحداث حفلة الصباح..كانت هناك دفعة جديدة من المساجين قادمة... وكان السجانون ينتظرون ممارسة ساديتهم على كائنات مازالت تشعر بالالم.. تختلف عن تلك الجرذان الجبانة..التي لم تعد تشعر بالاهانة.. والتي هي نحن...
ارتشف سمير قليلا من كوب الشاي الذي أمامه وتابع: كانت قلوبنا معلقة بالقادمين وإن كنا لم نستطع رؤيتهم لان أعيننا كانت مغمضة.. سمعنا سيل الشتائم المعتادة تخرج من أفواه السجانين.. وللغرابة لم يكن عدد السجانين كبيرا.. كانوا اثنين او ثلاثة ..بدأوا طقوس التأهيل ..وهي كسر نفسية السجين حتى يشعر بحيوانيته فقط تطغى على كل شيء.. فيتحول لوسادة دم جديدة..تماما ممثلنا..لا تؤثر فيها الاهانات.. ولا مكان للعزة والشرف بين جنبات صدرها..
سمعت صوت اول المساجين يتحدث.. كان يتحدث عن الحرية والديمقراطية وأنهم لا يريدون غيرها.. وتلقى أول الصفعات القاسية مع سيل من الشتائم.. ولكنه ما لبث ان انتفض ورد الضربة بمثلها –رغم عدم معرفتي بالكيفية التي فعلها بها وهو مربوط اليدين والقدمين-.. تراجع العسكري بسرعة للخلف وسقط فوقي تماما.. فارتفعت القطعة القماشية قليلا عن عيني واستطعت ان ارى للمرة الأولى ساحة السجن على حقيقتها...ورأيت السجناء الجدد والسجانين..
رأيت هذا العريف الذي لطالما تخيلته وحشا بشريا ..فإذا به حليق الرأس مفتول العضلات.. لكن اوصال جسده كانت ممتلئة بالرعب لوقوعه أرضا .. قفز كالقط وهجم بعنف على الشاب.. بسرعة تحولت عيناي للشاب فإذا هو شاب عشريني يكاد شكله لا يوحي بأي رجولة .. حتى صوته ناعم ولا يعبر عن ... ما علينا.. كان الشاب مقيدا.. وكنت أنا مقيد كذلك.. درات عيناي بسرعة فرأيت بقية السجانين.. كانوا يمسكون بأسلحتهم بقوة والقلق باد على عينيهم.. عاد العسكري ليهجم على الشاب المقيد.. فتحرك الشاب حركة بسيطة سقط العسكري على اثرها على كتف الشاب ثم على وجهه أرضا.. كانت هذه الحركة كافيا أيضا لتسقط عصابة العين عن وجه الشاب بالكامل. .. "
صمت سمير قليلا ثم تابع يتحدث وقد ضاقت عيناه وكأنه يرى منظرا بعيدا خلال الضباب: حينها عادت بي الذاكرة بسرعة لأول يوم دخلت فيه المعتقل.. في أول ليلة تحدثت فيها بصوت عال مع الشباب المعتقلين.. وقلت لهم اننا كثرة وهم قلة ..فلماذا الهوان؟ وسارع احد المعتقلين القدماء ليحدثني عن بداية اعتقاله وكمية التعذيب التي كان يتلقاها.. بينما عندما مال للسكون خفت كمية التعذيب وبدأوا باعطاءه كمية اكبر من الطعام.. حدثني عن الفوضى التي حصلت في المهجع العاشر نتيجة حركة كهذه وكيف ان المهجع ما زال يعاني العذاب حتى الآن بسببها رغم ان المشاركين فيها كلهم تقريبا ماتوا او نقلوا..بدأ يحدثني عن الامان الذي يتمتع به المهجع حاليا وانه لا يؤيد فكرة التغيير..."
صمت سمير قليلا وتابع بصوت منكسر " أصبحت انا أيضا لا أؤيد فكرة التغيير بعد ان تلقيت نصيبي من التأهيل.. وهو نصيب مضاعف من رياضة الصباح"..ارتد على قليلا للخلف وقال: الأمن والأمان"...
ضحك سمير من الفكرة وتابع قائلا: وبينما انا افكر وقع علي جسم ثقيل أعادني لساحة المعركة.. هذه المرة كان رقيب آخر يعرف بالوحش قد سقط ايضا على يد سجين آخر من السجناء الجدد.. سجين لم يكن ليتصور أحد في الوجود انه قادر على إسقاط الوحش.. الوحش الذي كان يتفنن في تعذيب السجناء حتى بعد ان يفارقوا الحياة بين يديه..
كان السجانون قد فقدوا التركيز تماما على السجناء القدامى وبدأوا التركيز على المعركة الواقعة في وسط الساحة.. الشباب الصغار يحاربونهم بتكتيك ذكي رهيب عبقري يسقطهم أرضا مرارا دون أن يقوموا بأي حركة قتالية.. هذه العملية أنستهم ان بأيديهم سلاح.. وأنستهم ان هناك اكثر من مائة وخمسين سجين سابق يحيطون بهم.. اقتربت بهدوء من جاري وطلبت هامسا منه ان يفك وثاقي.. تردد ..ولكنني أخبرته أنني سأتحمل كامل المسؤولية ولن ابلغ عنه.. كنت مكان ثقة ولهذا صدقني.. وخلال عشرة دقائق كان كل السجناء مطلقو الأيدي.. سقط علي عسكري ثانية فأمسكته بقوة إلى صدري.. بدأ يصرخ فالتفت زميله ليراني احمي صدري به...حاول إطلاق النار فأمسكته"وسادة دم" أخرى ممن كان قد نسيهم معلقين على الجدار.. وفي غضون دقائق كان جميع السجانين بين أيدينا مثبتين على صدورنا العارية... وأسلحتهم على الأرض... سمعنا جلبة كبيرة ورأينا ضابطا كبيرا يظهر في ساحة السجن يحيط به بعض العسكريين.. تفاجأ من المنظر لكنه سرعان ما اسقط في يده عندما عانقته "وسادة دم" أخرى.. هي العم صالح العجوز.. ذلك الذي حدثني عن الأمن والأمان في المهجع البئيس..
اقتربت من رئيس السجن بهدوء... ونظرت في عينيه...بدأ يهدد ويتوعد..تابعت النظر بقوة في عينيه.. واقسم بالله إنني رأيت دمع الخوف يتسلل في عينيه وهو ينظر في عيني الميتة..مهددا تارة بأنه سيستعين بقوات من العاصمة.. ومرة يترجى.. ومرة يذكرني بأننا إخوة في الوطن.. ومرة ثالثة يذكرني بالسلام الذي ننعم به في السجن..قبل أن تأتي هذه القلة فتعكر صفو الحياة.."
ضحك سير وهو يتابع:" لربما مات في الخوف فأصبحت نظرة عيني ميتة..تماما كزومبي..خاصة وانه لم يتعود النظر في عيون السجين...رأيت هذه الأسد الهصور يرتجف خوفا بين يدي كقط صغير..فلم استطع منع من لطمه على أرنبة انفه... فبكى وانهار طالبا الرحمة.. ووعدني بأنه سيسامحني ولن يعاقبني إذا أخليت سبيله..ثم ولما لم أجبه وبقيت انظر في عينيه نظرتي الميتة نفسها...سقط على ركبتيه يبكي كطفل صغير طالبا الرحمة"
تابع سمير قائلا..: في خلال سويعات قليلة كان جميع السجانين في السجن ..عراة بالملابس الداخلية.. بينما لبسنا نحن ملابسهم العسكرية.. وخرجنا بهدوء من السجن..نحو الحرية..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق