مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




١٣ أيلول ٢٠١١

الحوار الصريح بعد التراويح (8)

هنا قام الشيخ مصطفى معلنا أوان صلاة القيام..توجهنا جميعا لمسجد الشيخ لأداء الصلاة.. كانت القراءة من سورة آل عمران ..وبدأت الآيات تنساب بصوت الشيخ هادئة وادعة في عتمة المصلى لتنسكب في عقلي وقلبي.. كانت السورة تتحدث عن الثورة السورية بالتفصيل..

قرأ الشيخ في الركعة الأولى:

اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (*) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (*) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (*) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (*) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ..

كان لهذه الآيان رهبة في نفسي وكذا رهبة جميع آيات التوحيد..ثم انتقل النص ليتحدث عن منهج التعامل مع القرآن

هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (*) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (*) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (*)

ثم عرجت على تأكيد النصر من عن الله

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (*) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (*) قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (*) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الأَبْصَارِ

وفي الركعة الثانية بدأ بالحديث عن التنسيقيات!

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (*) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (*) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (*) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (*) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (*) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (*) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ (*) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (*)

ومن ثم عن العقد الاجتماعي والرابطة بين الشباب المسلم والاقليات

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (*) لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ (*) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (*) لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (*) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (*) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (*)

اما في الركعة الثالثة فكانت الآيات تتحدث عن العلاقة مع الاحزاب المعادية للاسلام

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (*) هَاأَنتُمْ أُولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(*) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ .

ومن ثم خطاب تعبوي رائع ..

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (*) إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (*) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (*) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ (*) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (*) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (*) لْيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ (*) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (*) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

أما في الركعة الرابعة فهي تتحدث عن القائد وتربية المرؤوسين ..

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (*) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (*) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (*)

وعن السلبيين المحبطين لحركة الثورة..

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (*) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (*)

وبالمقابل عن المشاركين فيها خاصة القياديين

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (*) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (*) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (*) الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (*) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (*) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (*) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (*) وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (*)

وتختم الصلاة بالتأكيد على ان طريق الثورة ليس ممها وسهلا.. بل يجب على المرء ان يصبر فيه لانه في النهاية طريقة ابتلاء وتكليف وليس طريق إعلاء وتشريف..

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (*) وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (*) مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ..

اما دعاء صلاة الوتر فكان ملائكيا حلق فينا في اجواء وسماوات لما أعهدها من قبل..رغم ان جزءا منه كان من الادعية المأثورة لكن انصباب معانيها في نفس الانسان يلبسها حلية لها بهجة لا يمكن تذوقها في الحالة العادية

خرجنا من المسجد ..ولفح وجهي نسيم الصباح البارد المنعش.. فاحسست به يتغلغل في اعماقي.. اصبح لدي الان مهمة كبيرة.. ولدي تفاصيل عاملة للمنهج الذي يجب ان اسلكه لاسقاط النظام

تمت

الحوار الصريح بعد التراويح (7)

أهم هذه العراقيل برأيي استعادة العقد الاجتماعي ولعلنا شرحناه باقتضاب قابل للتفصيل في غير هذا الموطن..

الأمر الآخر : فصل الدين عن الدولة...نعم فعلينا في هذه المرحلة فصل الدين عن الدولة.. وإنشاء دولة مدنية تعمل بآليات عمل مدني لكنها لا تتصادم مع الشرائع الاسلامية او المسيحية..وتكون هذه الدولة مراقبة من طرفين: من القضاء ..ومن الأحزاب..

وبالمقابل علينا التركيز على العمل الحزبي باتجاه نقل الافكار الاسلامية للمجتمع بدلا من فرضها عبر الدولة، وقناعة الشباب بهذه الافكار هو من يفرض على الدولة الالتزام بها..وعلينا ان نميز مرحلتين لتنسيقية دار الأرقم:مرحلة الاسلام المكي والاسلام المدني.. وبينهما يكون الانتقال من الخطاب الفكري الاجتماعي الفردي إلى الخطاب الامري القانوني .. فروح التحدي في الخطاب المكي يقابلها روح الدولة في الخطاب المدني.. والخطاب العقلي المكي والهادف لانشاء العقلية النقدية الاسلامية لدى الشباب يقابلها عقلية عسكرية في الطور المدني تطلب إلى الصحابة الالتزام بأوامر الرسول –كرئيس للدولة- التزاما مطلقا ولو لم تكن هذه الاوامر مقنعة للبعض.. مهمة المرحلة المكية اعادة العقد الاجتماعي وتحريك الاحساس بالانتماء للمجموع..وإعادة تنشيط منظومة النقد العقلي ورفض تقبل الآراء التي لا برها عليها..وكذلك احياء الوطنية واحياء الانتماء الديني..بينما مهمة المرحلة المدنية التعامل مع هذا العقد والاستفادة منه في بناء مجتمع حقيقي.. وبناء العقل النقدي هام جدا للتخلص من أنماط الاسلام السياسي التي تنبني على عبادة الحاكم.. سواء اكان هذا صوفيا عبر الزهد في الدنيا وترك ما لقيصر لقيصر والسعي وراء الآخرة فقط.. أو كان سلفيا عبر استنباط أحكام غير صحيحة من أحاديث الفتنة التي يتم تأويلها في الغالب لخدمة فكرة ألوهية الحاكم بأمر الله..

علينا تحرير العقل الاسلامي من هاتين الفكرتين والسماح له بالتفكير خارج نطاق الرقابة التي بات يفرضها ارباب الشعائر الدينية بهدف المحافظة على النظام الحاكم بغض النظر عن شرعيته.. علينا الغاء الاسلام الاستسلامي الصوفي والسلفي..ومحاربة كل اشكال الانهزامية او عبادة الحاكم وإعادة تفسير الاحاديث المرتبطة بهذين الفكرين بحيث تندمج مع الثورية التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته..

من مهام العقد الاجتماعي ايضا منع الاعداء من استخدام سلاح الاعلام..هذا السلاح الذي بات يستخدم كوسيلة حرب واضحة وفعالة في الثورات.. ولهذا نزلت آيات كثيرة تحذر المسلمين من ادوات الحرب الاعلامية ..ألم نقرأ الآية الكريمة التي تقول:

يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين

وفي ايجاد العقل النقدي لدى الشاب المسلم تسهيل ايضا على التنسيقيات في العمل بدون التعرض للهجوم من قبل اعداء الثورة ..وفيها دفع للعمل الذاتي للشباب المسلم..وفي هذا يندرج الحديث الشهير..

(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)

وكما يبين الحديث فاللا مبالاة لا يمكن ادراج صاحبها ضمن فئة المؤمنين. فعل الشاب المسلم ان يحاول التغيير فيمن حوله ويعتبر ان مهمة الاصلاح مهمة ذاتية وليست واجبا على الدولة او التنسيقيات فقط..

=============

سأل ياسين: طيب بكلام مختصر..لماذا لم تنجح الاضرابات العامة او الاعتصامات أو حملات المقاطعة التي بدأها الشباب؟

رد الاستاذ عمر:..لان اللغة المستخدمة من قبل المعارضة في تحريك هذه الاعتصامات والمقاطعات هي نفس لغة النظام..سورية الحرة.. سورية العلمانية .. سورية ذات التعددية الحزبية.. كل هذه الأمور لا تهم إلا فئة ضيقة من الشباب السوري بينما الباقي يبحث عن عمل ومستقبل وعدالة اجتماعية..والبحث عن تحقيق هذه المطالب يتطلب ان تقوم فئة من الناس بالبحث وراء الاسباب التي تعرقل تحقق هذه الأهداف..ولهذا ابتدعت المعارضة مصطلح "حكومة الظل" حيث تقوم بانشاء لجنة ينبثق عنها لجان فرعية يعنى كل منها بمعلم من معالم الدولة كالاقتصاد والخارجية والقانون .. وتحلل هذه اللجان أداء الحكومة وطرح مشاريع بديلة اكثر جودة..

أما اقل ما يمكن لاستعادة العقد الاجتماعي ان تفعل فهو تنشيط العمل الصامت.. عبر مقاطعة مرافق الدولة او المتعاملين مع الدولة او على الأقل تنشيط الشباب على عدم الاستفادة من المغريات التي تقدمها الدولة لجمع المؤيدين حولها..وكشف سوء برامج عملها بهدف اسقاطها لاحقا... وبغض عن النظر عن قدرة الشباب على اسقاط النظام أم لا.. تنشيط العمل الجماعي ضروري في مرحلة ما بعد الثورة ..كضمان لاستمرارها أو تكرارها لاحقا..

والعقل النقدي الواعي يحدد ويضبط علاقة جماعة المسلمين بالجماعات الأخرى، عبر البحث عن نقاط مشتركة وليس عبر خلقها..فجميع الحركات التحريرية تسعى للحرية والعدالة .. ولكن مفهوم العدالة العلماني يعني اقصاء الدين.. ومفهوم الحرية العلماني يعني الحجر على ممارسة المسلمين لدينهم بسبب اختلاف ايديوليجيتها مع مبادئهم خاصة في قضايا المرأة والطفل والعلاقات الاقتصادية ..علينا ان نميز بين علاقتين: علاقة حركة مسلمة بأخرى.. وعلاقة الحركات الاسلامية بغير الاسلامية.. هناك تفصيل في الشرع لفض الاشكاليات بين فئات المسلمين..اما مع غير المسلمين فلا يجوز حل المشالك على حساب المبادئ..

فكما أن الله عز وجل يقول:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

وهي قمة في التوحيد بين الاطياف والفرق..نراه يقول ايضا:

لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ

أو:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا

أو:

وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

وفي هذا تحذير من انشاء الائتلافات التي تضحي بجزء من الاسلام بهدف المحافظة على جبهة معارضة موحدة تشمل جميع أطياف الوطن.. فهذه الجبهة غير ضرورية كما ذكرنا سابقا.. فنصر الله مرتبط بالايمان وبالطغيان..ايمان العبد واعتماده على الله.. وطغيان النظام الحاكم وبعده عن الله.. ولهذا تفصيل في سورية القصص..

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (*) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (*) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ

والمنهج لتحقيق التغيير ايضا هو من عند الله

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ

وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ (*) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (*) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

ويجب التأكيد ان منهج الحزب او الجماعة يجب ان يبقى في كل حالاته دعويا ولا ينخرط في السياسة لدرجة تفقده زخمه الدعوي..بل ان الدعوة والتزكية والتربية شرط من شروط الانتساب للحزب او الجماعة وترقيته فيها

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (*) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (*) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

فكما هو واضح من ترتيب الآيات ان المرحلة الأولى هي نشر المعرفة بين الناس حتى الوصول لاختيار الطليعة المثقفة.. ومن ثم يتم "تزكية" هذه الطليعة وتربيتها لتفهم مقاصد الاسلام ...ومن ثم يجب رفع ثقافتها عبر الممارسة الفكرية ليصبح لديها "حكمة " التعامل مع الأمور..

========

سادت لحظة من الصمت في القاعة...ثم عقّب ياسين قائلا: أعرف ان ما شرحته الآن يحتاج لتفصيل كثير..لكن تبادر إلى ذهني سؤال.. ما الضامن لسلامة هذه التنسيقيات.. اقصد اننا الآن نعمل في جو شديد الخطورة.. والعمل المنسق كما تطلب يقتضي بيئة تسمح به..بينما عناصر المخابرات تعدّ علينا الانفاس..

ابتسم الاستاذ عمر قائلا: وهل كان الوضع في مكة أفضل؟ ما يضمن لك السلامة وحسن العمل هو الاخلاص..والدعاء والارتباط بالله وإخلاص النية..وتذكر قوله تعالى:

ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين.

وقوله :

فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (*) إنا كفيناك المستهزئين(*)الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (*) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (*) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (*) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

أو قوله: فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين

وتذكر ان في هذا العمل فضل كبيرة أدناه احقاق كلمة الحق وأعلاه الشهادة في سبيل الله..


يتبع....

الحوار الصريح بعد التراويح (6)

تابع الاستاذ عمر قوله: "الشي الآخر ...وتحت شعار الوحدة الوطنية... تم التركيز على الاختلاف الطائفي والعرقي والمناطقي لسوري؟...فأنا استغرب الحديث عن العلوي والمسيحي والكردي والتركماني والعربي بينما المطالب هي مطالب انسانية! فالعدالة والحرية شي مطلوب لكل الاعراق والاديان...فلماذا نسيانها والتركيز على الاعراق والاديان ؟ الم يخلق هذا رد فعل سلبي ؟ وكذلك لا أجد مبررا للتركيز على المنافسة بين المدن بعدد الشهداء وعدد الدبابات التي تجتاحها...التنافس بين المدن والطوائف والذي بدأ من أفراد وتبنته صفحات الثورة خلق روحا جاهلية ادت لظهور تظاهرات متفرقة تتوزع حسب المناطق بسبب رغبة الانسان في قول انا هنا وهذه قريتي او منطقتي " بدل من توحيد الجهود وصبها في خدمة هدف واحد..وهكذا اصبحت قرى الريف تتظاهر في ساحات القرية بدل التظاهر في ساحات العاصمة...

المعارضة ذات البرنامج الوطني توحد الجميع تحت شعارات انسانية لا ترتبط بدين ولا بمنطقة.. وبحيث لا يجد ابن الريف غضاضة في التوجه للمدينة للتظاهر لانه يطالب بالحرية شأنه في هذا شأن ابن المدينة، اما النعرات التي تم إذكاؤها فهي تصنع شرخا يقسم الوطن إلى شريف وخائن.. لا على أساس مناصرة النظام مقابل معاداته، بل على اساس خروج منطقة ما في مظاهرة فيصبح جميع ابناؤها أبطالا حتى المخبرون والبعثيون، مقابل عدم خروج حارة أخرى فيصبح جميع ابناؤها خونة بلا شرف حتى المعتقلون منهم لمشاركتهم في تظاهرة الحارة المجاورة....هذا التقسيم خطير جدا ويذكرني بتقسيم سوريا ايام صلاح الدين الأيوبي إلى ولايات صغيرة انهكت صلاح الدين حتى توحدت..

مطلبنا جميعا يجب ان يكون مجتمعا مدنيا يسمح لنا فيه بالحركة والدعوة...وهذا يكفي في المرحلة الحالية.. لا يجب على اسالاميين المطالبة بدولة الشريعة ولا على اليساريين المطالبة بدولة علمانية..مطالبنا دولة تضمن حقوق مواطنيها في التعبير عن ذاتهم.. وتوزع الثروات والفرص عليهم كلّ حسب كفائته واجتهاده.. لا حسب ولائه للدولة او انتماءه الديني او الحزبي.. في هذا الجو فقط يمكننا العمل لبناء المجتمع مرة أخرى..ما يحصل الآن هي حالة ثورة بلا راية..بلا منظم .. وحتى من يدّعي انه يلتزم نبض الشارع تراه يتلزم نبضه الشخصي فقط.. يجب اعادة تنسيق الجهود ووضع اهداف واضحة .. وهذه مرحلة نحتاجها سواء أسقط النظام أم لم يسقط..

علق أحمد قائلا: ولكن الرسول استخدم المنطق القبلي والعشائري في حثّ الناس واستنهاض همتهم..ومثال ذلك غزوة حنين عندما نادى المسلمين باسماء قبائلهم..

صمت الاستاذ عمر قليلا ثم قال: ولكنه استخدمها استخداما ايجابيا.. فهو ذكّر العشائر بفضلها وعاداتها في حفظ العهد..وهذا جزء من الاقرار النبوي بان: خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام إذا فقهوا..اما التركيز على التنافس بين العشائر وتصنيفها لخائن ومتخاذل ومقدام جعلت بعض العشائر يلتزم الحياد –لمنع المصادمات مع العشائر المسلحة وبين قوات الشبيحة..وهو بالمقابل لم يستفر عشيرة البكارة عندما اعتقل شيخهم..بل اصبحوا اكثر ترقبا للاحداث..

رش الاستاذ عمر رشفة من كاس الشاي وقال: المبدأ الأول الذي رفعته الثورة هو السلمية..ولعل الثورة السورية بينت بوضوح السبب في السلمية..وأهم ما كتب في هذا هو نزع الغل المتراكب في النفوس بعد انتهاء الثورة.. لا نريد لسوريا ان تكون بحرا للدماء ومرتعا للثأر من الطرفين، لا نريد ان نخلق حزازية بين افراد الوطن عبر السماح برفع السلاح لغير المؤهلين..خاصة وان تصفية الحسابات هنا ستصبح من السهولة بمكان لا يمكن ضبطها فيه..الم يكن تصرف هابيل حكيما عندما اوقف شلال الدم عنده بقوله: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين..وهذه السلمية تترك مساحات اكبر لاكتساب المؤيدين لطرف المعارضين وتسمح للمعارضين بتداول الافكار بينهم بصورة أكثر كفاءة منها في حالة الحروب.. أليس هذا هو سبب ابرام صلح الحديبية؟ أليس هذا هو سبب قوله عليه الصلاة والسلام : إذهبوا فأنت الطلقاء" لسكان مكة بعد الفتح؟ لو كان منطق الانتقام هو السائد لربما لم نكن لنرى المسلمين في بلاد الاسلام..

ألم يقل الله تعالى : لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"..

وفي هذا تبيان لعدم السماح باعتماد مبدأ الانتقام العام من فئة معينة..وان السلم الاجتماعي هو الاساس؟

على المتظاهرين ان يدركوا ان الانتقال من السلمية للعسكرية يتطلب إذنا من الله تعالى وليس قرارا فرديا.. ألم تقرأ قوله تعالى : (( أُذِنَ للذين يُقَاتَلون بأنّهم ظُلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير ))
لقد بقي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم في مكّة المكرّمة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويأمر أصحابه بالصبر ، والتحمّل ، وكفي الأيدي، وعدم المواجهة المسلّحة مع الطواغيت ، بالرغم من ممارسة طغاة مكة ضد المسلمين كل أشكال الظلم والقهر والتعذيب والاضطهاد … امتثالاً لقول الله تعالى :
((أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن )) . والهدف من هذا انشاء الجماعة المسلمة في جو سلمي يجعلها تتقبل الافكار الصحيحة.. وتحملها لاحقا حتى في الاجواء العسكرية...فلما بايعه الأنصار رضوان الله عليهم ، على أن ينصروه ، وينصروا أصحابه ، ويحمونهم من أي خطر يتهدّدهم كما يحمون أولادهم وأعراضهم ..
أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم أصحابه بالهجرة إلى المدينة المنوّرة ، والانحياز إلى قاعدة الإسلام الجديدة ، وأذن الله لهم بالقتال والجهاد في سبيل ، دفاعاً عن دينهم وعقيدتهم وأنفسهم وأعراضهموهنا كان الطور طور مدنيا في ظل دولة الاسلامية..

المبدأ الثاني الذي وضعته هو المصداقية ..ولكنها للأسف لم تلتزم به كثيرة لاسباب عديدة منها تقنية لصعوبة التوثيق، ومنها اخلاقية بسبب عدم امتلاك بعض من يرفعون الفيديوات للحس الثوري الذي يجعلهم لا يفكرون في اعادة نشر فيديوهات أو صور قديمة على أساس انها جديدة..وفي النهاية فإن جميع الفيديوهات والصور التي تحمل معلومات غير دقيقة تم تجاهلها في الشارع السوري لانه: وأما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

نظر الاستاذ عمر في ساعة يده وقال: يبدو اننا اقتربنا من وقت قيام الليل.. ساشرح لكم ما اريد قوله بسرعة وبنقاط محددة حتى لايضيع الوقت وتختلط الأمور.. في جميع الثورات يكون الاعتماد على طليعة مثقفة، هذه الطليعة المثقفة قد تتشكل في ظل مجتمع الظلم والضيم ...وتقوم بتثقيف فئة من الشباب التي تعتمد عليهم لاحقا في تحريك الثورة.. ومثل هذه الثورات تكون طويلة الأمد وتتطلب تغييرا نوعيا في المجتمع، وتتميز هذه الثورات بدوامها لانها تغير المزاج العام للمجتمع...اما في ظل الثورات السريعة فهذه الطليعة تلعب دورا أكثر اهمية في ضمان سلامة توجه الثورة، فإذا كانت موجودة فعليها ان تضطلع بمهامها..وإن لم تكن موجودة حينها يرتبط نجاح التخطيط للثورة بسرعة تشكلها..

تدخل ياسين قائلا: سواء في حال وجود هذه الطليعة المثقفة مسبقا فلا يحق لايّ كان التحدث باسم شارع منتفض، هذه سرقة للثورة.. الثائرون فقط يحق لهم الكلام باسم الشارع..

ال استاذ عمر: رجعنا لقضية الراية العمّية.. يحق لأي كان الكلام باسم الشارع المنتفض في حال كان يهدف لنفس أهداف هذا الشارع حتى ولو كانت استراتيجيته المرحلية مختلفة عن استراتيجية الشارع..

ياسين: ودليلك؟ كيف نميز بين من يتسلق على الثورة ومن يتحدث باسمها؟

الاستاذ عمر: ساضرب لك مثالا....لو كنت في ما، وكان لدى العمال مظلمة لدى مدير لا ينطق العربية، هل تجد باسا ان تترجم له ما يقولون؟ وهل يعتبر هذا استغلالا لمطالب العمال؟

ياسين: لا!

الاستاذ عمر: طيب لو تكلم معك العمال بطريقة شعبية، وقمت أنت بتفسير مطالبهم الشعبية باستخدام مصطلحات قانونية لكي يستوعبها المدير.. فهل هذا عبث بمطالب العمال؟ لو ان مطالب العمال كانت غير قانونية او ي غير مصلحة العمل طلبت منهم تعديل هذه المطالب لتصبح اكثر قانونية، هل يكون هذا تسلقا على أكتاف العمال نحو الكرسي؟ هل لوأدرت مفاوضات بين العمال والمدير تكون قد تبوأت منصبا ليس لك؟

أجاب ياسين بصوت خفيض: لا

تابع الاستاذ عمر: وكذلك الطليعة الثورية، هي أقدر على فهم الشارع وأقدر على صياغة مطالبه بشكل قانوني ومقنع..وهذا ليس عيبا ولا حراما.. ألم ترى لقوله تعالى يصف عباد الرحمن:

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا

حتى قوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ .....وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا

إذا فمن حق الطليعة الثورية ان تطالب بامامة المؤمنين اذا توفرت فيها شروط معينة تم تبيانها في الآيات وفي آيات أخرى..وهذه الامامة ليست سياسية بل ثورية.. لتضمن سلامة مسار الثورة.. ولكن لا يجوز لهذه الثورة فرض أهداف للورة لا يقبل بها الشارع المنتفض..ومثال ذلك ما طالبت به المعارضة السورية من حل لاجهزة الأمن ومن الغاء لبند تفرد الحزب الحاكم بالدولة ومن حرية للاعلام ومن استقلال للقضاء.. فكل هذا يندرج تحت مطلب الحرية والعدالة الاجتماعية التي يطالب بها الشعب.. بينما لا تندرج علمانية الدولة وعروبتها من عدمه وقضايا علاقة الدين بالثورة تحت هذه المطالب العامة.. حتى أن المطالب الفئوية والعرقية والدينية لا يجب ان تندرج تحت أهداف ثورة شارع منتفض..

ولأي معارض الحق في الحديث باسم الشباب السوري طالما انه قادر على ترجمة الشعارات العامة إلى خطة عمل قادرة على الوصول بالثورة لأهدافها بشكل سليم.. لهذا على المعارضة السوري التوقف عن التغني باستقلال الشارع وأنها لا تمثل هذا الشارع، لأنها لو لم تكن تمثله حقا فلماذا تتكلم باسمه في الفضائيات؟

==============

رد ياسين: على فرض صحة هذه الاحقية.. ما هي خطة العمل؟

الاستاذ عمر: دعني هنا انتقل من الكلام في العموميات لاتحدث عني انا كانسان لي ميول اسلامية.. ساتحدث عن خطة الثورة التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم ..

حّرك الاستاذ عمر فأرة الكمبيوتر فظهر على الشاشة عنوانان في منتصف الملف النصي:

تنسيقية دار الأرقم.. وتنسيقية مصعب بن عمير

لم استطع ان امنع نفسي من التبسم... لقد عهدت قدرة الاستاذ عمر على ربط مصطلحات الحاضر بالماضي..لكن هذه المرة كانت قفزة نوعية في فكره..

تبسم الاستاذ عمر عندا لمحني اخفي ابتسامتي وتابع موجها الخطاب إلي: اتستغرب هذا؟ ألم يكن دار الأرقم تنسيقية شعبية استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم استغلالها لتنسيق العمل على الأرض؟

الهدف من التنسيقيات ليس تنظيم المظاهرات فقط، فالمظاهرات ليست هدفا بل وسيلة ..الهدف من التنسيقيات هو تحويل مطالب الشعب إلى مطالب قانونية ايضا..

هناك هددف آخر للتنسيقيات...ساضرب لك مثالا بعيدا نسبيا عن الثورة لتدركه.. في زيارة المطرب محمد عبدالوهاب الشهيرة لحلب، وفي اول يوم لم يحضر لحفله إلا عشرة أشخاص، كانوا يمثلون وجهاء حلب.. وعندما أجاد عبدالوهاب سمحوا لبقية أهل المدينة بحضور حفلته التالية...هذا التنسيق بين أهل المدينة ككل كان بسبب التنسيق داخل الحارات نفسها..هل تعرف ماذا يسمى هذا؟

رد ياسين : العقد الاجتماعي..

تابع الاستاذ عمر: مهم التنسيقيات هي المحافظة على العقد الاجتماعي الذي يدفع مجموعة من الناس لعمل عمل مشترك بسبب ارتباطها بمكان او زمان ما..هذه التنسقيات كانت تسمى سابقا "أعضاوات" او "كبارية" الحارة.. وعبرهم كان يتم الحل والربط.. وبسبب قدرتهم على ضبط المدينة بحيث لا تحضر حفلا لعبدالوهاب، استطاعوا لاحقا ضبطها بحيث تقوم باطول اضراب في تاريخ سوريا الحديث.. واذا عدنا لقضية العشائرية التي طرحناها سابقا، يمكننا القول ان مهمة التنسيقيات هي ايضا المحافظة على طابع المدينة، وهذا أمر مقبول شرعا.. فالرسول صلى الله عليه وسلم حافظ على مجتمعين مستقلين داخل الدينة المنورة.. المهاجرون والأنصار.. وبقيت هذه التسيمة لاحقا ولم يجد المسلمون فيها غضاضة.. وهكذا ولاعادة العقد الاجتماعي الذي فصل بسبب ممارسات البعث يجب على التنسيقيات البحث عنه في تفاصيل الحياة اليومية لاهل المدينة...مثلا هلا ذكرتم لي أحد الاهزوجات في العراضات الحلبية؟

رد أحمد: لنقل مثلا: يا سباع البر قومي.. واشربي ولا تعومي.. اشربي من بير زمزم ..زمزم عليها السلام..

تبسم الاستاذ عمر وقال: طيب لنجرب تحويلها لاهزوجة ثورية...

اخذنا نفكر قليلا ..وبعد دقائق قال الاستاذ عمر.: لنجعل آخر مقطعين منها مثلا:. وعلى حكم البعث قومي.. بدنا نسقط النظام!

ضحكنا جميعا من الاهزوجة الجديدة... لكنها بالفعل كانت تمس شيئا ما داخل كل منا..بخلاف الاهازيج التي تكررت في الثورة السورية والتي لا تستخدم في حلب ولا ترتبط بتراثها..

تابع الاستاذ عمر: عندما تكون الحركة الشعبية مصبوغة بصبغة المدينة تنعدم الحاجة لكتابة ورقة تبين فيها اسم المدينة .. فمظاهرة يقودها شاب يلبس اللباس التقليدي ويستخدم الموروث الثقافي سجلب اهتماما اكثر ويشعر الشباب بحماس اكبر من مجرد نسخة مكرورة لمظاهرة حدثت في مكان آخر... هذا ما حصل في حماة والدير وأدى لحصول مليونيات..التركيز على هذه الأمور يعيد العقد الاجتماعي للمدينة ويسهل عمل التنسيقيات لاحقا... وبرأيي أن جزءا من عزوف الشباب في المدينة عن المشاركة هو بسبب اختلاف نمط هذه الثورة عن ما اعتادوه..

علق ياسين: الا ينصب هذا في نفس منطقك الذي كنت تعارض به العشائرية؟

تابع الاستاذ عمر: هناك فرق بين التركيز على الموروث الثقافي وبين التركيز على الاختلاف العرقي.. الرسول صلى الله عليه وسلم استخدم الموروث الثقافي لقريش فدخل مكة في جوار مطعم بن عدي رغم أن الأخر كافر، وهذا الشخص نفسه كان من المبادرين لتمزيق وصحيفة المقاطعة التي عزل بموجبها بنو هاشم في شعبهم..وبنفس الطريقة استحث الانصار في مواضع عدة بتذكيرهم بعهده معهم ..والحفاظ على العهد من الموروث الثقافي للعرب في حينها.. نحن هنا لا نتحدث عن قبيلة بل مدينة ..

توقف الاستاذ عمر لفترة ثم تابع: ومن اساليب استرجاع العقد الاجتماعي انشاء تنسيقيات داخل اصحاب المهنة الواحدة ..كتنسيقيات للمهندسين وللاطباء وللتجار أو على الأقل ابناء التجار.. وهكذا.. هذه التنسيقيات تسهل الحركة لان ابناء المهنة الواحدة يعرفون بعضهم.. وبالمثل تنسيقيات الحارة الواحدة ..ولكن يجب ان تصب هذه التنسيقيات ضمن اطار جامع شامل يجمعهم..وبهذه الطريقة يمكن تحويل الاحتجاجات من مجرد مظاهرات إلى عصيان مدني او محاضرات تثقيفية او حتى احتفاليات اجتماعية... أهل المدن الكبرى تعودوا على نمط العمل هذا وأغلب ثوراتهم بدأت من الطبقات المثقفة أو الوجهاء.. وفي بداية الثورة السورية بدأ الحراك عن طريقة ثلة من المثقفين اقاموا اعتصاما امام وزارة الداخلية ، ثم انطلقت الحركة بعدها من المسجد – والمسجد في منطق المدينة القديمة هو البرلمان الذي يجتمع فيه اهالي الحارة وليس مجرد "مكان تسمح الدولة فيه بالاجتماع" ..وشيخ المسجد له جاه كبير وليس مجرد موظف ..

اطرق ياسين برأسه لانه شعر ان هذه الكلمة موجهة له..بينما تابع الاستاذ عمر:

علي ان اعترف ان الشيوخ مثلي لن يستطيعوا ان يدركوا الآلية التي يمكن عبرها استعادة العقد الاجتماعي لمدينة خاصة في ظل التنوع السكاني الكبير لها..ولهذا فهذه مهمة الشباب.. لكن علينا أيضا ان نقرّ بعجز الشباب عن وضع برنامج عمل واضح.. ليس لعيب فيهم بل لان الشيوخ من امثالي كانوا شبابا وبدأوا بوضع برامج واثبتت خطأها وهكذا حتى توصلوا لبرنامج يعتقدون انه الأصوب، وعلى الشباب ان يبدأوا من حيث انتهينا..

قاطعت الاستاذ عمر سائلا: وما هو هذا البرنامج:

تابع الاستاذ عمر: هناك نقاط مفصلية علينا التركيز عليها في هذه المرحلة: أهمها وكما اتفقنا لاحقا العمل السري.. فالتنسيقيات لا يجب ان تكون مكشوفة بل ويفضل الا تشارك قياداتها في التظاهرات نفسها.. وعليها ان تضع الاسباب التي تعرقل العمل وتحللها بنقاشها مع أولي الخبرة للوصول لتذليلها..



يتبع....

الحوار الصريح بعد التراويح (5)

قال ياسين بصوت خفيض: المحافظة على حقوق الاقليات ليس مطلبا سياسيا فقط بل مطلب اعلامي..

رد الاستاذ عمر: اما الاعلام الذي تتحدث عنه فدوره الايجابي تماما كدوره السلبي..الاعلام الذي اهمل الثورة السورية قرابة شهر لعلّ النظام يقدر على قمعها، والذي اهمل جانبا من المعارضة لصالح جانب آخر..فنراه يستقبل الشيوعيين أو المسيحيين ليسألهم عن المظاهرات التي تخرج من المساجد...هذا الاعلام استخدم من قبل الجميع لتصفية الحسابات..فنراه وفي وقت مبكر جدا بدأ يتحدث عن اشتراك حزب الله في قمع المظاهرات...وعن دور ايران.. ثم بدأ بمهاجمة حماس –تاركا الجبهة الشعبية التي اشتركت فعلا في قتل السوريين وقمعهم، ثم نراه بدأ يهاجم تركيا ... وهكذا نراه يلعب خطة محكمة في تشويه جميع الاطراف التي كانت في يوم ما تسبب ازعاجا للادارة الامريكية.. هذا الاعلام لن يهتم كثيرا لقضية الاقليات في سوريا ما لم يحتج لذلك...فالمشكلة في سورية هي مشكلة أقلية استبدت بالحكم..لهذا فالحديث عن حقوق الاقليات لن يلقى ترحيبا في شارع مزاجه ضد استبداد الاقليات التي تقف في سوريا بشكل عام على الحياد او ضد الثورة..بالمقابل نجد ضعفا سياسيا في المعارضة التي وبدلا ان تستميل الاطراف المؤثرة بدأت تستفزها، فرأينا احراق اعلام ايران والصين وروسيا والتهجم على الاسلاميين وعلى تركيا ثم بدأ المعارضون يهاجمون بعضهم بعضا..

اقترب من الشخص الذي ييحمل صينية الشاي ، نظرت إليه وهو يقدم إلي كاس الشاي فإذا هو نفس الشاب الذي كان في المسجد يقدم الماء ونفسه الذي كان في المظاهرة يقود الهتافات، ولربما انتبه الاستاذ عمر إلى تفحصي للشاب فتبسم قائلا: هذا ابن اختي ..

اعجبتني فكرة ان ابن اخت الاستاذ عمر يشارك في المظاهرات، فهذا يعني انه معنا ..

التفت للاستاذ عمر وسألته: طيب كيف ستضمن ان يلتف حولك الشعب والا تتكاتف المعارضة ضدك؟ فكما تعرف ان الغرب يبحث عن جبهة معارضة موحدة ليفاوضها على مصالحه، وايجاد جبهة داخلية يتلفت حولها الاغلبية لن تكون في صالح هؤلاء الصقور الرمّامة التي تنتظر النظام ليموت ليتأكل من جثته، حتى ولو أدى ذلك لقتل مئات الآلاف من الشعب السوري..

تناول الاستاذ عمر رشفة من كأس الشاي واجاب: لم يكن عديد المجاهدين في يوم عاملا حاسما في أي معركة، ولنا في معركتي أحد وحنين عبرة هامة، المهم هو التوحد على الهدف، وحدة القلوب على الهدف والمنهج اهم بكثير من كثرة عديد الاجساد.. لالف متظاهرة على قلب واحد اقوى واثبت من عشرين الفا نصفهم يساري والآخر اسلامي وينظرون لبعضهم بنفس العداء الذي ينظرونه به للنظام.. إن جمع القلب على قضية ما عند الطليعة الثورية سيجمع قلوب العوام عليها.. وأغلب الثورات اعتمدت على طليعة ثورية هي قليلة في عددها عظيمة في ايمانها..

وهنا بدأ الشيخ مصطفى يقرأ من سورة الانفال:

وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (*) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (*) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (*) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (*) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (*)

ثم تابع: الاصل في الامور تيقن حقيقة التوحيد في قلبك، أيمانك بان النصرة من عند الله يجعلك تنظظر لجميع الاسباب على أنها نصرة من الله، فنصرة حلف الناتو هو تسخير من الله، ونصرة المسلمين هو وعد من الله، وانفكاك تآلف قلوب المجرمين ومعاداتهم لبعضهم هو نصر من الله ..فإن لم أذن الله بان تتحقق واحدة من هذه العوامل فذلك لن يضيرك ليقينك بان ربك لطيف لما يشاء.. الذي اخذ يوسف من اهلكل ليلقيه في البئر ثم ليجعله عبدا ثم ليعرضه للعذاب والفتنة والسجن هو من أراد له ان يكون عزيز مصر، وهذه النصرة حجبت حتى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اقتضت حكمة الله ان يتعرض وصحبه للعذاب لينشئهم التنشئة الصحيحة على حب البذل وعدم الخوف من المشركين، والله الذي لم ينصر محمدا في الحرم عندما القى عليه المشركون بقايا احشاء الجمل، نصره بالطائف عندما استفز اهل الطائف عليه غلمانهم بملك الجبال ليطبق على الطائف وأهلها، فما كان منه صلى الله عليه وسلم الا العفو ليعلمنا معنى اليقين وعدم التعامل بذاتية مع الاشياء..الوحدة الوطنية تتحقق بعد انتهاء المرحلة الثورية.. وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عفى عن قريش بعد فتح مكة..

من جوانب الوحدة الوطنية ايضا تجنب صيغ التهديد والوعيد لافراد النظام ، فعندما تقول للجندي الذي يطلق عليك الرصاص انك ستنتقم منه فإن هذا يدفعه لمحاولة القضاء عليك لانه يعتقد انك عدو له، فهو يأخذ تهديدك بمعزل عن الجرائم التي يتكبها بحقك، بينما لو قلت له انك تعده بمحاكمة عادلة، فهذا يجعله يشعر ان جرائمه تجاهك هي من سيزيد ثقل أوزراه، فانت بهذا تنقل المعركة من كونها بينك وبينه إلى كونها بينه وبين ضميره..سواء اكان هذا الضمير حيا يخاف من عاقبة اعماله في الآخرة، أم ميتا ولكن يخاف من المحاكمة الدنيوية ..لفظة الانتقام استخدمت على نطاق محدود جدا في القرآن، بينما كانت الاغلبية العظمى هي لكلمة المحاسبة، وان الله لا يترك حسنة ولا سيئة الا أحصاها..انظر لقوله

وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (*) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (*) مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً

او لقوله في الكهف:

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (*) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا (*) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا

صمتنا جميعا كان هذا انتقاد واضح من الشيخ ومن الاستاذ عمر لشعاراتنا.. لكنه كان محققا..وكهروب من الموقف تدخل احمد –احد الشباب الجالسين –وسأل عن سبب السلبية في حلب وبعض أجزاء دمشق رغم ان هاتين المدينتين كانتا عماد المعارضة قبل فترة حكم حافظ

تنهد الاستاذ عمر قائلا: اعتمد نظام البعث على شيئين.. نزع القيادات وهذا ما فعله باعتقال الكثير من حملة الشهادات والمثقفين والقياديين في سوريا، والشيء الآخر زرع عدم الثقة في نفوس الشعب السوري لمنع تشكل قيادات جديدة، فاصبح أي شخص يمتلك فكرة قياديا عاجزا عن نشر هذا الفكر بسبب احساسه انه لن يستطيع إنشاء خلايا عمل كبيرة أو ينشر فكره قبل ان يقبض عليه الامن السوري..لهذا اصبح فكر شباب المعارضة حبيس اذهانهم ..يعبرون عنه احيانا بمقال او نص او تصريح لا يأبه له الشارع السوري اساسا..لإحساس الشارع السوري انه لا أمل هناك بالتغيير.. هذا خلق جوا عاما من البلادة .. زكاه البعض بغباء سياسي ..وأكبر مثال دمشق وحلب..حيث يشعر الدمشقي والحلبي ان لا مكان له للتميز داخل بلده لان المناصب الكبرى هي للمنتفعين وان الترقيات للمنتفعين، بل ومما زاد الطين بلة في عصر بشار انه تدّخل حتى في التطور الاقتصادي فاصبح أي عمل رابح ناجح هدفا لعصابات الامن بهدف اجبار صاحبه على مشاركة قيادات النظام الامني تجاريا وإلا تتم محاربته بعنف لافلاسه...اصبح ابن البلد يشعر ان بلده محتل.. وانه غير مرغوب فيه.. وان محاولته البقاء على غير طرف النظام لن تؤدي إلا لان ياخذ المناصب الكبرى الموالون للنظام..ويبقى هو خارج اللعبة... وهنا كسر بعض ابناء هاتين المدينتين الحاجز النفسي وقرروا مشاركة النظام في الفساد.. وما زال هذه العدد يتزايد حتى اصبح هو الأصل..

إن احساس الدمشقي او الحلبي ان مدينته محتلة من قبل الموالين يجعله يفقد الاحساس بانتمائه لها وبالتالي يفقد الرغبة في الدفاع عنها.. وهنا النقطة التي فشلت بها المعارضة السورية مقارنة بالمعارضة المصرية.. حيث استغلت المعارضة المصرية الوسائل التي لا يستطيع النظام حجبها كالانترنت والفضائيات لنشر فكر الوطنية والانتماء للبلد مرة أخرى، واعادت موازين الصواب ليشعر المواطن المصري ان الفاسدين هم الغرباء عن مصر لا الشرفاء...بينما في سوريا يكاد يشعر الشريف بان لا مكان له في بلد اصبح الجميع فيها لا يميز بين الحلال والحرام ولا يجد بأسا من وضع يده بيد قاتل ابيه ليخدم مصلحة مؤقتة..شباب كعمرو خالد والدكتور صفوت الحجازي والشيخ محمد حسان وابو اسحاق الحويني كانوا سببا هاما في احياء العقد الاجتماعي المصري بحيث اصبح يشعر الشاب المصري بضرورة تخليص البلد من الفاسدين..وهو احساس ايجابي مقارنة بالاحساس السلبي لدى السوريين رغم تشابه النظامين المصري والسوري..

سال أحمد: ولماذا لا نحمل جزءا من المسؤولية للخطباء والعلماء في سوريا؟ لماذا مثلا لم نجد الشيخ مصطفى يخطب خطبة نارية تجعل الشباب تقوم للمظاهرات؟

رد الشيخ مصطفى ضاحكا: ولماذا تريد التخلص مني؟ ..ثم تابع مبتسما: مازلت يا بني تفكر بمنطق الشارع الذي يتنافس في المظاهرات دون النظر إلى ان المظاهرات هي وسيلة وليست غاية..ما دامت فكرة القيام بمظاهرة ونشرها عبر الانترنت وقناة الجزيرة هي الهدف لعمل التنسيقيات فلن نصل لنتيجة أبدا..

ثم تابع بصوت اكثر حزما: ان الخطب النارية قد تجعل الشباب يفورون لمدة نصف ساعة ويقومون بمظاهرة.. ما تلبث ان يفرقها الامن.. ويقوم باعتقال الشيخ... وهكذا وخلال شهر يكون الشباب قد فقدوا جميع القيادات الواعية التي تستطيع ان تنظم عملهم..هلا اخبرتني كم تصريحا ناريا قام به الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة؟ الم يكن قادرا من اول يوم ان يخرج للحرم ويهدد ويتوعد ويحفز بني هاشم ضد بني أمية وضد ابي جهل؟ فلماذا لم يفعل؟ لماذا لم يعلن دعوته لغير عشيرته الاقربين الا بعد ثلاث سنوات؟

هناك فقه للواقع أهم وأشمل من فقه قناة الجزيرة.. ولأكن صريحا معك.. إن اصرار كل من المعارضة والنظام على السواء بالمحافظة على نسبة محددة من التظاهر هدفه ارهاق الشارع السوري.. فالمعارضة العلمانية تدرك انها لاتحمل مشروعا وطنيا مقبولا في الشارع السوري ولهذا تنتظر نهاية المعركة بين النظام و الشباب الاسلاميين...والنظام يريد ان يظهر جميع القياديون المحتملون ليعتقلهم... فهو يقتل ويعتقل نسبة محددة كل اسبوع.. وينتظر ان تستبدل القيادات التي اعتقلها بقيادات جديدة فيقوم باعتقالها ثانية.. وسبب هذا رغبة الشباب في نقل تظاهراتهم للاعلام.. ورغبة من النظام والمعارضة على السواء في ارهاق الشارع ليقبل باي تسوية لاحقا..

ما أراه ان اجتماع شباب التنسيقيات مع العلماء والمقفين لتباحث الخطوات من الناحية المنهجية الشرعية والسياسية خير وأكثر نفعا من خطبة نارية لا تؤدي الا لمظاهرة محدودة في الزمان وإن لم تكن محدودة في عدد المتظاهرين..خاصة وان قبضة الامن بدأت بالتراخي وهيبتهم بدأت بالزوال من نفوس الشباب.

وهنا سأل أحمد سؤال المتعطش للجواب: والحل؟ ما الخطوات المناسبة للتحريك الوضع ؟فالثورة اصبحت تراوح في مكانها ؟

==========================

رد الاستاذ عمر باقتضاب: لنقل ان اسلوب المظاهرات ونقل الصور وعدد القتلى استنفذ غرضه..ولا يبدو ان عداد القتلى يهم القيادات العربية ولا الاسلامية ولا العالمية...كما ان التجييش الاعلامي قد حصل..ولم نجد له ذاك النفع المتوقع..وهنا لابد لنا من مراجعة لتقنيات الثورة نفسها...هناك سيناريو تم وضعه –للأسف- على صفحة الثورة السورية يعتمد على قيام مليونيات...ثم انتفاض حلب ودمشق والقيام بعصيان مدني واضرابات..وشل الاقتصاد..ثم انشقاقات في الحكومة والجيش...ثم تدخل سياسي دولي ...ولكن للاسف جميع خطوات هذه السيناريو فشلت بسبب ضعف التنسيق وضعف دراسة الواقع من قبل منظّري هذا السيناريو..

شرب الاستاذ عمر رشفة من كاس الشاي وقام لجهاز الحاسب الخاص به، ثم فتح ملفا نصيا بدت منه كلمات بخط عريض كان يبدو ان الاستاذ عمر جهزها لهذا اللقاء..

أول كلمة كانت "الراية العمية"

تذكرت اول لقاء لي مع الاستاذ عمر بعد ان طلبت منه الاطلاع على الثورة السورية عبر الفيسبوك وقمت بانشاء حساب وهمي له وزودته ببرامج الحماية وتجاوز البروكسي...وتذكرت الحديث الشريف الذي أورده لي حينها.. وبالتركيز في النص المكتوب رأيت تحت العنوان العريض المكتوب في صفحة الملف نص الحديث الاشكالي:

" مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَنْصُرُ الْعُصْبَةَ وَيَغْضَبُ لِلْعُصْبَةِ ، فَقَتْلُ جَاهِلِيَّةٍ.

نظر في عيني مباشرة وسأل: هل يستطيع احدكم ان يشرح لي ما ينطبع في ذهنه عند قراءة هذا النص؟

تجنبنا جميعا الاجابة..كان في عقل كل منا مئات الافكار لكن لم يجرؤ احدنا على الاجابة..

تابع الاستاذ بنبرة من يتوقع انه لن يجد إجابة قائلا: كيف بدأت الثورة السورية؟

رد أحمد: ثورة اطفال درعا.. فعلقت انا : بل بدأت 18 آذار في المسجدين الامويين في حلب ودمشق...ومن ثم بانياس والاذقية وحمص... فعلق ياسين منتفضا : بل بدأت في 15 آذار بالوقفة الاحتجاجية للمعارضة اليسارية ممثلة برموزها سهير الاتاسي والطيب تيزيني وغيرهم..

تبسم الاستاذ عمر قائلا: طيب بغض النظر عن البداية..ما هي مطالب الثورة؟

رد أحمد: اطلاق سراح الاطفال الذين اعتقلهم النظام...

التفت إلي الاستاذ وسألني: وأنت؟ قلت :الحرية!... اما ياسين فكان جوابه: الغاء البند الثامن من الدستور واطلاق حرية الاعلام والسماح بقانون الاحزاب..

رد الاستاذ : وهل كان أطفال درعا ينادون بالغاء البند الثامن؟ وهل خرج المصلون من المساجد في دمشق وحلب واللاذقية وحمص ليطالبوا بقانون أحزاب وحرية إعلام؟ لم نسمع هذه المطالب من احد المتظاهرين...طلبهم كان الحرية ..والحرية فقط..اذا ومنذ البداية كان هناك ضبابية في مطالب الثورة السورية..

طيب من نسق لهذه الثورة؟ وما سبب اشتعالها؟

كان جواب احمد ان من نسق لها هم أهالي الاطفال ووجهاء درعا... وكان جوابي انها جاءت عفوية ولكنها لاحقا اصبحت تحت اشراف بعض أئمة المساجد كالشيخ كريّم الراجح وسارية الرفاعي وأنس عيروط ومحمود الدالاتي وغيرهم..اما ياسين فكان جوابه ان المنسقين هم هيثم مناع وطيب تيزيني وسهير اتاسي ..والتحق بهم لاحقا الكثير من المفكرين اليساريين ..

سأل الاستاذ عمر: من منكم قرا الدستور السوري سابقا قبل الثورة..

نظرنا في عيون بعضنا..وصمتنا..

تابع الاستاذ: فإذا كنتم انتم –وانتم الطليعة الواعية المثقفة- لم تقرأوا الدستور ولا تدرون أي بند يحتاج لتغيير..فهل تتوقعون ان يقرأ اطفال درعا أو آبائهم هذا الدستور ليصبح تغيير البند الثامن مطلبهم؟

لقد حدد الناس مطلبهم في البداية بشعار واحد: الله سورية وحرية وبس... ولكن للأسف هذه الكلمة لم تترجم من الطبقة المثقفة إلى مطالب دستورية وقانونية مرحلية وعامة واضحة ( والبند الثامن وجميع البنود الأخرى التي ترتبط به جزء منها ).. ولهذا وجد النظام فرصة ليدّعي انه يطلب الحوار ولكن لا محاور حقيقي من المعارضة..

مطلب الشعب السوري كان العدالة، رفع الظلم، الحرية، القدرة على المشاركة في بناء الوطن بدل ان يكون الوطن مرتهنا باشخاص.. .وهي مطالب انسانية فلماذا تحولت لمطالب سياسية تتعلق بالاحزاب كالمطالبة بقانون الاحزاب والانتخابات وحرية الاعلام؟ ولماذا تم حذف الجزء الاول من الشعار ليصبح رمزا طائفيا ولتصب الثورة وبقدرة قادر:يسارية؟



يتبع.....

الحوار الصريح بعد التراويح (4)

كان ضيق ياسين بهذا الكلام واضحا..رد بعصبية: شيخ مصطفى..انت تريد اسلمة الثورة وهذا ليس في صالحها.. نحن نريد استمالة الاقليات... وصبغ الثورة بالصبغة بالصبغة الاسلامية يجعلهم يبتعدون عنها..

ضحك الشيخ مصطفى وهو يقول: يا بني لم يسبق لثورة قام بها الاغلبية ان استنصرت بالاقلية.. لو كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم استنصر بالاقلية اليهودية او النصرانية في مكة او في المدينة على اساس وحدة المعبود لما وصلنا الاسلام.. بل ان اليهود كانوا من أعدى أعداء المسلمين ولحق بهم النصارى..أما من التحق بالاسلام من النصارى واليهود والكافرون فقد فعلوا لأن الاسلام يحمل مبادئ سامية انسانية تهمهم من جهة، ولأن لديه خطة عمل تحررهم من العبودية لكفار قريش.. وليس لان سيدنا محمد تجنب استخدام التصريحات التي تستفزهم... هل قرأت نص القرآن المكي؟ هل تعتبر ان القرآن الذي تنزل بآية كهذه:

كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (*) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (*) فَلْيَدْعُ نَادِيَه (*) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ

يأبه حقا باستمالة أي فئة او تحييدها عبر اخفاء حقيقة دعوته؟ هل تعتقد ان قرآنا يحتوي نصا كهذا:

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) المائدة

كان يهتم كثيرا لوحدة الصف مع من لا يؤمنون بثوابت العقيدة؟

الفرق بين الاسلام والعلمانية ان العلمانية تقبل بقضية اخفاء العقيدة والهدف مقابل تجييش الناس، ثم تنقلب على ما قالت عندما تتمكن من السلطة.. بينما الاسلام يثبّت الفكرة كعقيدة بغض النظر عن نسبة المؤيدين.. فالآيات السابقة التي تتحدى رؤوس الكفر نزلت في مكة والرسول واصحابه قلة..فهل كان –وفقا لمنطق استمالة الاقليات رغم اختلاف الهدف- مخطئا ومفرقا لشمل الامة؟

ما أريده ليس اسلمة الثورة في الاعلام.. فليس من اهداف الاسلام التسويق الاعلامي..بل أريد اسلمتها في صدوركم لا في الشعارات فكم من لا اله الا الله وصاحبها يبحث عن دعم الناتو والغرب والشرق ...أريد ان يشعر كل منكم ان الهدف هو نصرة الله.. وبهذا يعزل ما يفعله عن النتيجة لان النتيجة مرتبطة بالاخلاص في العمل لا بالعمل نفسه..واذا لم يكن العمل خالصا لم يتقبله الله..

رد ياسين: ولكن الاعلام له سطوته..وسيؤثر كثيرا في دعم العالم لثورتنا..الا ترى كمية الاعتراضات حتى من السوريين على أسلمة الثورة السورية؟

أجاب الشيخ : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (*) إنا كفيناك المستهزئين (*) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون(*) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (*) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين(*) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ..

هذه مشكلة أخرى من مشاكل فصل الدين عن الدولة.. ألا وهي محاولة خداع الاطراف الخارجية للحصول على دعمها.. وهو خداع دولي..اما المسلمون فلا يطلبون الدعم إلا من الله..

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم(*) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (*) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب

استدرك ياسين: هذه الآيات لا تؤسلم الثورة فقط.. بل تعسكرها!

تابع الشيخ: ما يحصل في سوريا هو تماما كما حصل مع المسلمين في غزوة الأحزاب..حيث تكالبت عليهم جميع قبائل العرب..حتى حلفاؤهم اليهود انقلبوا عليهم.. وللغرابة نصرهم الله دون ان يقاتلوا.. وذلك بان عصف باعداءهم وفرق بين قلوبهم..وليس ذلك على الله بعزيز في حالة بلاد الشام..وعسكرة الثورة لا تعني بالضرورة الخروج عن سلميتها.. بل تعني التحريض على الانخراط فيها... ولكن الاعلام يريد اقصاء هذا الجانب من الثورة لانه يريد متظاهرين لا قيادة لهم يستطيع ان يوجههم كيف يشاء.. ألا ترى مقدار الهجوم على كل شيء يمت للاسلام بصلة؟ الا ترى مقدار التخوين والهجوم على المدينتين التين كانتا معقل الاخوان المسلمين دمشق وحلب؟ واللتين كانتا معقل الايوبيين واللتين عند اتحادهما ومن ثم اتحادهما مع مصر حرر الله على ايدي المسلمين بيت المقدس؟ لماذا كل هذا الهجوم ضد كل ما هواسلامي في هذه الثورة؟

بني..هذه الثورة خرجت من المساجد..ومن خرج لم يخرج لايمانه بالعلمانية او بسورية الحرة المدنية التي سيتم إنشاؤها بعد وفاته فقط.. بل خرج وهو مدرك انه اذا كتب الله له الحياة فسيحيا ويحيا ابناؤه بالحرية.. وإن قتل او قنص فهو قد خرج طلبا للشهادة التي تضمن له الفوز بالدارين الدنيا والآخرة..وطلب العدالة وطلب رفع الظلم.. هذه مبادئ تنتظم كل الاحرار في العالم.. فلا اعتراض لدى أي حر في العالم على مبدأ الحرية، او العدالة او الشفافية في الحكم او استقلال القضاء.. وهذه جميعا مبادئ اسلامية ..نادى بها الاسلام قبل 1400 عاما عندما كان اكبر فلاسفة الشيوعيية ما زال في ظهر جد أجداده..

ردد ياسين بصوت خفيض: ما زلت مقتنعا اننا لا يجب ان نخسر الاقليات..

تدخل الاستاذ عمر -الذي كان قد جلس في اخر الغرفة بجوار الباب فلم نشعر بوجوده –قائلا وهو يشير بعينه إلى شخص بدا داخلا للغرفة من الباب يحمل صينية الشاي: هناك سوء في فهم الموضوع...الاقليات هي كلمة تمت محاربة الاسلام بسببها من قبل الدول الاستعمارية.. فبينما تحارب العلمانية الاسلام في الغرب لانه اقلية تريد فرض رايها على الاكثرية العلمانية..نجدها تحاربه في الشرق لانه اكثرية تريد فرض رأيها على الاقلية.. هناك تصبح العلمانية راي الاكثرية، بينما هنا تصبح العلمانية تعني المساواة في الحقوق بين المواطنين...وبينما نجد في اغلب دساتير الدول العلمانية ما ينص على دين رئيس الدولة باعتباره يمثل الاغلبية التي تستحق حكم البلاد تحت ظل الديمقراطية، ونجد العديد من الدول العلمانية التي تحمل اعلامها او رموزها الوطنية مدلولات مسيحية بل صليبية ، يحارب أي بند في دساتير البلاد ذات الأغلبية المسلمة ينص على ان دين رئيس الدولة الاسلام تحت دعوة –أقصاء المكونات الأخرى للمجتمع.. هذا النفاق الذي تمارسه العلمانية هو ما يمكننا تسميته "فصل الدين عن الدولة" أو بالاحرى" اللا أخلاقية السياسية".

حاول ياسين التعليق فقاطعه: لطالما استغلت العلمانية العربية ورقة الاقليات بسبب انها فكرة نشأت في مجتمعات مسيحية كنتيجة تدخل الكنسية التي لا تملك برنامج عملي حقيقي في السياسة، بينما في العالم الاسلامي فالاسلام يمتلك برنامج عمل لربما هو أقوى من برنامج العلمانية فلهذا اضطرت لاستخدام ورقة الاقليات، لان برامجها الوطنية لا يمكن تسويقها للشعب السوري من جهة.. ولان كبار منظّري العلمانية هم من الاقليات غير المسلمة من جهة أخرى.

انفجر ياسين قائلا: نحن هنا لا نتحدث عن أقليات واغلبية، نحن نتحدث عن وحدة وطنية يجب المحافظة عليها..

تبسم الاستاذ عمر ثم قال: لربما أكثر ما أخّر الثورة السورية هو هذا المفهوم، فبينما كان الاحرار من المسيحيين والعلويين لا يجدون بأسا في الخروج من المساجد للتظاهر، بل ان بعضهم صلى التراويح مع المسلمين تضامنا معهم، نجد المعارضة التقليدية ما زالت تتحدث عن الوحدة الوطنية، وكأن الذي لا يقبل الخروج في المظاهرات هو بالضرورة من انصار النظام..او أنه كان سيخرج في المظاهرة لو خرجت من شارع الحمرة بدمشق!

رد ياسين: تقصد انه على الاغلبية اخذ زمام المبادرة حتى ولو لم تحظ بالاجماع الوطني..

تبسم الاستاذ عمر وهز رأسه..

هنا تدخل الشيخ مصطفى قائلا: سأضرب لك مثالين لتفهم المراد..في قصة سيدنا موسى عندما ترك قومه برعاية أخيه وخرج منفردا للقاء ربه ، قام السامري بخداع بني اسرائيل..وجعل لهم الها من ذهب..

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (*) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (*) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (*) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (*)

وهنا عاتب سيدنا موسى اخاه هارون :

قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (*) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ...

هنا سيدنا هارون برر عدم تصحيح الانحراف الفكري الخطير لبني اسرائيل بأنه يحافظ على على اللحمة الوطنية لقومه –خاصة وأنهم تائهون في سيناء- وجعل الوحدة الوطنية أهم من التوحيد، وكان هذا الاجتهاد خاطئا كلية..بالمقابل لنقرأ قصة طالوت..

لقد طلب بنو اسرائيل من نبيهم –يقال انه صاموئيل- ان يجعل لهم ملكا ينصرهم ويقيم لهم ملكا، وكان اختيار الله عز وجل لطالوت ملكا، وهنا رفضته أغلب " الاحزاب الوطنية" رغم أنها هي التي طالبت بالثورة على الذل والخروج لاستعادة ملكهم ..وكان تبريرهم لرفضه أنه ليس وجيها وليس من الاغنياء وليس من العائلة الملكية، ابناء يهوذا. بكلمة أخرى لانه لا يمثلهم.. وهنا كانت آية ملك طالوت هي النصرة ، فنصره الله بتابوت الملك تحمله الملائكة..اي ان آية الملك هي النصرة من الله..

ورغم انه بعد اثبات ملكه في البدء.. اضطرت الاغلبية لاتباعه لانه جاء بتعيين إلهي، إلا ان هذا الاجماع الوطني فشل في اول اختبار، حيث امر طالوت جنده من بني اسرائيل الا يشربوا من النهر الذي سيمرون عليه، وان من سيشرب عليه مغادرة الجيش، ورغم هذا التهديد شرب الكثير من الجنود من النهر..وخرجوا عن الاجماع الوطني بل عن الثورة جميعها..

وهنا وعندما اصبح عديد جيش طالوت قليلا انفض عنه من يؤمن بالمادية قائلين ان الحسابات البسيطة تثبت انه سيخسر الحرب لصالح جالوت...وهكذا اعتزلوا الحرب .ولكن الله ثبت قلوب هؤلاء الثلة القليلة التي بقيت مع طالوت، فكان أن أمدهم الله وعجل لهم بنصره..وإذلالا لجالوت لم يجعل مقتله على يد طالوت، بل على يد نبي الله داوود الذي لم يكن ملكا بل جنديا في الجيش.. وهكذا هزم جالوت وفتح الله فلسطين للقلة الثابتة ... ولو انهم انتظروا الاجماع الوطني لربما بقوا حتى الآن في سيناء..


يتبع....