مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




١٣ أيلول ٢٠١١

الحوار الصريح بعد التراويح (7)

أهم هذه العراقيل برأيي استعادة العقد الاجتماعي ولعلنا شرحناه باقتضاب قابل للتفصيل في غير هذا الموطن..

الأمر الآخر : فصل الدين عن الدولة...نعم فعلينا في هذه المرحلة فصل الدين عن الدولة.. وإنشاء دولة مدنية تعمل بآليات عمل مدني لكنها لا تتصادم مع الشرائع الاسلامية او المسيحية..وتكون هذه الدولة مراقبة من طرفين: من القضاء ..ومن الأحزاب..

وبالمقابل علينا التركيز على العمل الحزبي باتجاه نقل الافكار الاسلامية للمجتمع بدلا من فرضها عبر الدولة، وقناعة الشباب بهذه الافكار هو من يفرض على الدولة الالتزام بها..وعلينا ان نميز مرحلتين لتنسيقية دار الأرقم:مرحلة الاسلام المكي والاسلام المدني.. وبينهما يكون الانتقال من الخطاب الفكري الاجتماعي الفردي إلى الخطاب الامري القانوني .. فروح التحدي في الخطاب المكي يقابلها روح الدولة في الخطاب المدني.. والخطاب العقلي المكي والهادف لانشاء العقلية النقدية الاسلامية لدى الشباب يقابلها عقلية عسكرية في الطور المدني تطلب إلى الصحابة الالتزام بأوامر الرسول –كرئيس للدولة- التزاما مطلقا ولو لم تكن هذه الاوامر مقنعة للبعض.. مهمة المرحلة المكية اعادة العقد الاجتماعي وتحريك الاحساس بالانتماء للمجموع..وإعادة تنشيط منظومة النقد العقلي ورفض تقبل الآراء التي لا برها عليها..وكذلك احياء الوطنية واحياء الانتماء الديني..بينما مهمة المرحلة المدنية التعامل مع هذا العقد والاستفادة منه في بناء مجتمع حقيقي.. وبناء العقل النقدي هام جدا للتخلص من أنماط الاسلام السياسي التي تنبني على عبادة الحاكم.. سواء اكان هذا صوفيا عبر الزهد في الدنيا وترك ما لقيصر لقيصر والسعي وراء الآخرة فقط.. أو كان سلفيا عبر استنباط أحكام غير صحيحة من أحاديث الفتنة التي يتم تأويلها في الغالب لخدمة فكرة ألوهية الحاكم بأمر الله..

علينا تحرير العقل الاسلامي من هاتين الفكرتين والسماح له بالتفكير خارج نطاق الرقابة التي بات يفرضها ارباب الشعائر الدينية بهدف المحافظة على النظام الحاكم بغض النظر عن شرعيته.. علينا الغاء الاسلام الاستسلامي الصوفي والسلفي..ومحاربة كل اشكال الانهزامية او عبادة الحاكم وإعادة تفسير الاحاديث المرتبطة بهذين الفكرين بحيث تندمج مع الثورية التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته..

من مهام العقد الاجتماعي ايضا منع الاعداء من استخدام سلاح الاعلام..هذا السلاح الذي بات يستخدم كوسيلة حرب واضحة وفعالة في الثورات.. ولهذا نزلت آيات كثيرة تحذر المسلمين من ادوات الحرب الاعلامية ..ألم نقرأ الآية الكريمة التي تقول:

يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين

وفي ايجاد العقل النقدي لدى الشاب المسلم تسهيل ايضا على التنسيقيات في العمل بدون التعرض للهجوم من قبل اعداء الثورة ..وفيها دفع للعمل الذاتي للشباب المسلم..وفي هذا يندرج الحديث الشهير..

(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان)

وكما يبين الحديث فاللا مبالاة لا يمكن ادراج صاحبها ضمن فئة المؤمنين. فعل الشاب المسلم ان يحاول التغيير فيمن حوله ويعتبر ان مهمة الاصلاح مهمة ذاتية وليست واجبا على الدولة او التنسيقيات فقط..

=============

سأل ياسين: طيب بكلام مختصر..لماذا لم تنجح الاضرابات العامة او الاعتصامات أو حملات المقاطعة التي بدأها الشباب؟

رد الاستاذ عمر:..لان اللغة المستخدمة من قبل المعارضة في تحريك هذه الاعتصامات والمقاطعات هي نفس لغة النظام..سورية الحرة.. سورية العلمانية .. سورية ذات التعددية الحزبية.. كل هذه الأمور لا تهم إلا فئة ضيقة من الشباب السوري بينما الباقي يبحث عن عمل ومستقبل وعدالة اجتماعية..والبحث عن تحقيق هذه المطالب يتطلب ان تقوم فئة من الناس بالبحث وراء الاسباب التي تعرقل تحقق هذه الأهداف..ولهذا ابتدعت المعارضة مصطلح "حكومة الظل" حيث تقوم بانشاء لجنة ينبثق عنها لجان فرعية يعنى كل منها بمعلم من معالم الدولة كالاقتصاد والخارجية والقانون .. وتحلل هذه اللجان أداء الحكومة وطرح مشاريع بديلة اكثر جودة..

أما اقل ما يمكن لاستعادة العقد الاجتماعي ان تفعل فهو تنشيط العمل الصامت.. عبر مقاطعة مرافق الدولة او المتعاملين مع الدولة او على الأقل تنشيط الشباب على عدم الاستفادة من المغريات التي تقدمها الدولة لجمع المؤيدين حولها..وكشف سوء برامج عملها بهدف اسقاطها لاحقا... وبغض عن النظر عن قدرة الشباب على اسقاط النظام أم لا.. تنشيط العمل الجماعي ضروري في مرحلة ما بعد الثورة ..كضمان لاستمرارها أو تكرارها لاحقا..

والعقل النقدي الواعي يحدد ويضبط علاقة جماعة المسلمين بالجماعات الأخرى، عبر البحث عن نقاط مشتركة وليس عبر خلقها..فجميع الحركات التحريرية تسعى للحرية والعدالة .. ولكن مفهوم العدالة العلماني يعني اقصاء الدين.. ومفهوم الحرية العلماني يعني الحجر على ممارسة المسلمين لدينهم بسبب اختلاف ايديوليجيتها مع مبادئهم خاصة في قضايا المرأة والطفل والعلاقات الاقتصادية ..علينا ان نميز بين علاقتين: علاقة حركة مسلمة بأخرى.. وعلاقة الحركات الاسلامية بغير الاسلامية.. هناك تفصيل في الشرع لفض الاشكاليات بين فئات المسلمين..اما مع غير المسلمين فلا يجوز حل المشالك على حساب المبادئ..

فكما أن الله عز وجل يقول:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

وهي قمة في التوحيد بين الاطياف والفرق..نراه يقول ايضا:

لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ

أو:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا

أو:

وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

وفي هذا تحذير من انشاء الائتلافات التي تضحي بجزء من الاسلام بهدف المحافظة على جبهة معارضة موحدة تشمل جميع أطياف الوطن.. فهذه الجبهة غير ضرورية كما ذكرنا سابقا.. فنصر الله مرتبط بالايمان وبالطغيان..ايمان العبد واعتماده على الله.. وطغيان النظام الحاكم وبعده عن الله.. ولهذا تفصيل في سورية القصص..

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (*) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (*) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ

والمنهج لتحقيق التغيير ايضا هو من عند الله

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ

وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ (*) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (*) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

ويجب التأكيد ان منهج الحزب او الجماعة يجب ان يبقى في كل حالاته دعويا ولا ينخرط في السياسة لدرجة تفقده زخمه الدعوي..بل ان الدعوة والتزكية والتربية شرط من شروط الانتساب للحزب او الجماعة وترقيته فيها

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (*) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (*) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

فكما هو واضح من ترتيب الآيات ان المرحلة الأولى هي نشر المعرفة بين الناس حتى الوصول لاختيار الطليعة المثقفة.. ومن ثم يتم "تزكية" هذه الطليعة وتربيتها لتفهم مقاصد الاسلام ...ومن ثم يجب رفع ثقافتها عبر الممارسة الفكرية ليصبح لديها "حكمة " التعامل مع الأمور..

========

سادت لحظة من الصمت في القاعة...ثم عقّب ياسين قائلا: أعرف ان ما شرحته الآن يحتاج لتفصيل كثير..لكن تبادر إلى ذهني سؤال.. ما الضامن لسلامة هذه التنسيقيات.. اقصد اننا الآن نعمل في جو شديد الخطورة.. والعمل المنسق كما تطلب يقتضي بيئة تسمح به..بينما عناصر المخابرات تعدّ علينا الانفاس..

ابتسم الاستاذ عمر قائلا: وهل كان الوضع في مكة أفضل؟ ما يضمن لك السلامة وحسن العمل هو الاخلاص..والدعاء والارتباط بالله وإخلاص النية..وتذكر قوله تعالى:

ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين.

وقوله :

فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (*) إنا كفيناك المستهزئين(*)الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (*) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (*) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (*) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

أو قوله: فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين

وتذكر ان في هذا العمل فضل كبيرة أدناه احقاق كلمة الحق وأعلاه الشهادة في سبيل الله..


يتبع....

ليست هناك تعليقات: