كان ضيق ياسين بهذا الكلام واضحا..رد بعصبية: شيخ مصطفى..انت تريد اسلمة الثورة وهذا ليس في صالحها.. نحن نريد استمالة الاقليات... وصبغ الثورة بالصبغة بالصبغة الاسلامية يجعلهم يبتعدون عنها..
ضحك الشيخ مصطفى وهو يقول: يا بني لم يسبق لثورة قام بها الاغلبية ان استنصرت بالاقلية.. لو كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم استنصر بالاقلية اليهودية او النصرانية في مكة او في المدينة على اساس وحدة المعبود لما وصلنا الاسلام.. بل ان اليهود كانوا من أعدى أعداء المسلمين ولحق بهم النصارى..أما من التحق بالاسلام من النصارى واليهود والكافرون فقد فعلوا لأن الاسلام يحمل مبادئ سامية انسانية تهمهم من جهة، ولأن لديه خطة عمل تحررهم من العبودية لكفار قريش.. وليس لان سيدنا محمد تجنب استخدام التصريحات التي تستفزهم... هل قرأت نص القرآن المكي؟ هل تعتبر ان القرآن الذي تنزل بآية كهذه:
كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (*) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (*) فَلْيَدْعُ نَادِيَه (*) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
يأبه حقا باستمالة أي فئة او تحييدها عبر اخفاء حقيقة دعوته؟ هل تعتقد ان قرآنا يحتوي نصا كهذا:
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) المائدة
كان يهتم كثيرا لوحدة الصف مع من لا يؤمنون بثوابت العقيدة؟
الفرق بين الاسلام والعلمانية ان العلمانية تقبل بقضية اخفاء العقيدة والهدف مقابل تجييش الناس، ثم تنقلب على ما قالت عندما تتمكن من السلطة.. بينما الاسلام يثبّت الفكرة كعقيدة بغض النظر عن نسبة المؤيدين.. فالآيات السابقة التي تتحدى رؤوس الكفر نزلت في مكة والرسول واصحابه قلة..فهل كان –وفقا لمنطق استمالة الاقليات رغم اختلاف الهدف- مخطئا ومفرقا لشمل الامة؟
ما أريده ليس اسلمة الثورة في الاعلام.. فليس من اهداف الاسلام التسويق الاعلامي..بل أريد اسلمتها في صدوركم لا في الشعارات فكم من لا اله الا الله وصاحبها يبحث عن دعم الناتو والغرب والشرق ...أريد ان يشعر كل منكم ان الهدف هو نصرة الله.. وبهذا يعزل ما يفعله عن النتيجة لان النتيجة مرتبطة بالاخلاص في العمل لا بالعمل نفسه..واذا لم يكن العمل خالصا لم يتقبله الله..
رد ياسين: ولكن الاعلام له سطوته..وسيؤثر كثيرا في دعم العالم لثورتنا..الا ترى كمية الاعتراضات حتى من السوريين على أسلمة الثورة السورية؟
أجاب الشيخ : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (*) إنا كفيناك المستهزئين (*) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون(*) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (*) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين(*) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ..
هذه مشكلة أخرى من مشاكل فصل الدين عن الدولة.. ألا وهي محاولة خداع الاطراف الخارجية للحصول على دعمها.. وهو خداع دولي..اما المسلمون فلا يطلبون الدعم إلا من الله..
إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم(*) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (*) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب
استدرك ياسين: هذه الآيات لا تؤسلم الثورة فقط.. بل تعسكرها!
تابع الشيخ: ما يحصل في سوريا هو تماما كما حصل مع المسلمين في غزوة الأحزاب..حيث تكالبت عليهم جميع قبائل العرب..حتى حلفاؤهم اليهود انقلبوا عليهم.. وللغرابة نصرهم الله دون ان يقاتلوا.. وذلك بان عصف باعداءهم وفرق بين قلوبهم..وليس ذلك على الله بعزيز في حالة بلاد الشام..وعسكرة الثورة لا تعني بالضرورة الخروج عن سلميتها.. بل تعني التحريض على الانخراط فيها... ولكن الاعلام يريد اقصاء هذا الجانب من الثورة لانه يريد متظاهرين لا قيادة لهم يستطيع ان يوجههم كيف يشاء.. ألا ترى مقدار الهجوم على كل شيء يمت للاسلام بصلة؟ الا ترى مقدار التخوين والهجوم على المدينتين التين كانتا معقل الاخوان المسلمين دمشق وحلب؟ واللتين كانتا معقل الايوبيين واللتين عند اتحادهما ومن ثم اتحادهما مع مصر حرر الله على ايدي المسلمين بيت المقدس؟ لماذا كل هذا الهجوم ضد كل ما هواسلامي في هذه الثورة؟
بني..هذه الثورة خرجت من المساجد..ومن خرج لم يخرج لايمانه بالعلمانية او بسورية الحرة المدنية التي سيتم إنشاؤها بعد وفاته فقط.. بل خرج وهو مدرك انه اذا كتب الله له الحياة فسيحيا ويحيا ابناؤه بالحرية.. وإن قتل او قنص فهو قد خرج طلبا للشهادة التي تضمن له الفوز بالدارين الدنيا والآخرة..وطلب العدالة وطلب رفع الظلم.. هذه مبادئ تنتظم كل الاحرار في العالم.. فلا اعتراض لدى أي حر في العالم على مبدأ الحرية، او العدالة او الشفافية في الحكم او استقلال القضاء.. وهذه جميعا مبادئ اسلامية ..نادى بها الاسلام قبل 1400 عاما عندما كان اكبر فلاسفة الشيوعيية ما زال في ظهر جد أجداده..
ردد ياسين بصوت خفيض: ما زلت مقتنعا اننا لا يجب ان نخسر الاقليات..
تدخل الاستاذ عمر -الذي كان قد جلس في اخر الغرفة بجوار الباب فلم نشعر بوجوده –قائلا وهو يشير بعينه إلى شخص بدا داخلا للغرفة من الباب يحمل صينية الشاي: هناك سوء في فهم الموضوع...الاقليات هي كلمة تمت محاربة الاسلام بسببها من قبل الدول الاستعمارية.. فبينما تحارب العلمانية الاسلام في الغرب لانه اقلية تريد فرض رايها على الاكثرية العلمانية..نجدها تحاربه في الشرق لانه اكثرية تريد فرض رأيها على الاقلية.. هناك تصبح العلمانية راي الاكثرية، بينما هنا تصبح العلمانية تعني المساواة في الحقوق بين المواطنين...وبينما نجد في اغلب دساتير الدول العلمانية ما ينص على دين رئيس الدولة باعتباره يمثل الاغلبية التي تستحق حكم البلاد تحت ظل الديمقراطية، ونجد العديد من الدول العلمانية التي تحمل اعلامها او رموزها الوطنية مدلولات مسيحية بل صليبية ، يحارب أي بند في دساتير البلاد ذات الأغلبية المسلمة ينص على ان دين رئيس الدولة الاسلام تحت دعوة –أقصاء المكونات الأخرى للمجتمع.. هذا النفاق الذي تمارسه العلمانية هو ما يمكننا تسميته "فصل الدين عن الدولة" أو بالاحرى" اللا أخلاقية السياسية".
حاول ياسين التعليق فقاطعه: لطالما استغلت العلمانية العربية ورقة الاقليات بسبب انها فكرة نشأت في مجتمعات مسيحية كنتيجة تدخل الكنسية التي لا تملك برنامج عملي حقيقي في السياسة، بينما في العالم الاسلامي فالاسلام يمتلك برنامج عمل لربما هو أقوى من برنامج العلمانية فلهذا اضطرت لاستخدام ورقة الاقليات، لان برامجها الوطنية لا يمكن تسويقها للشعب السوري من جهة.. ولان كبار منظّري العلمانية هم من الاقليات غير المسلمة من جهة أخرى.
انفجر ياسين قائلا: نحن هنا لا نتحدث عن أقليات واغلبية، نحن نتحدث عن وحدة وطنية يجب المحافظة عليها..
تبسم الاستاذ عمر ثم قال: لربما أكثر ما أخّر الثورة السورية هو هذا المفهوم، فبينما كان الاحرار من المسيحيين والعلويين لا يجدون بأسا في الخروج من المساجد للتظاهر، بل ان بعضهم صلى التراويح مع المسلمين تضامنا معهم، نجد المعارضة التقليدية ما زالت تتحدث عن الوحدة الوطنية، وكأن الذي لا يقبل الخروج في المظاهرات هو بالضرورة من انصار النظام..او أنه كان سيخرج في المظاهرة لو خرجت من شارع الحمرة بدمشق!
رد ياسين: تقصد انه على الاغلبية اخذ زمام المبادرة حتى ولو لم تحظ بالاجماع الوطني..
تبسم الاستاذ عمر وهز رأسه..
هنا تدخل الشيخ مصطفى قائلا: سأضرب لك مثالين لتفهم المراد..في قصة سيدنا موسى عندما ترك قومه برعاية أخيه وخرج منفردا للقاء ربه ، قام السامري بخداع بني اسرائيل..وجعل لهم الها من ذهب..
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (*) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (*) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (*) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (*)
وهنا عاتب سيدنا موسى اخاه هارون :
قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (*) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ...
هنا سيدنا هارون برر عدم تصحيح الانحراف الفكري الخطير لبني اسرائيل بأنه يحافظ على على اللحمة الوطنية لقومه –خاصة وأنهم تائهون في سيناء- وجعل الوحدة الوطنية أهم من التوحيد، وكان هذا الاجتهاد خاطئا كلية..بالمقابل لنقرأ قصة طالوت..
لقد طلب بنو اسرائيل من نبيهم –يقال انه صاموئيل- ان يجعل لهم ملكا ينصرهم ويقيم لهم ملكا، وكان اختيار الله عز وجل لطالوت ملكا، وهنا رفضته أغلب " الاحزاب الوطنية" رغم أنها هي التي طالبت بالثورة على الذل والخروج لاستعادة ملكهم ..وكان تبريرهم لرفضه أنه ليس وجيها وليس من الاغنياء وليس من العائلة الملكية، ابناء يهوذا. بكلمة أخرى لانه لا يمثلهم.. وهنا كانت آية ملك طالوت هي النصرة ، فنصره الله بتابوت الملك تحمله الملائكة..اي ان آية الملك هي النصرة من الله..
ورغم انه بعد اثبات ملكه في البدء.. اضطرت الاغلبية لاتباعه لانه جاء بتعيين إلهي، إلا ان هذا الاجماع الوطني فشل في اول اختبار، حيث امر طالوت جنده من بني اسرائيل الا يشربوا من النهر الذي سيمرون عليه، وان من سيشرب عليه مغادرة الجيش، ورغم هذا التهديد شرب الكثير من الجنود من النهر..وخرجوا عن الاجماع الوطني بل عن الثورة جميعها..
وهنا وعندما اصبح عديد جيش طالوت قليلا انفض عنه من يؤمن بالمادية قائلين ان الحسابات البسيطة تثبت انه سيخسر الحرب لصالح جالوت...وهكذا اعتزلوا الحرب .ولكن الله ثبت قلوب هؤلاء الثلة القليلة التي بقيت مع طالوت، فكان أن أمدهم الله وعجل لهم بنصره..وإذلالا لجالوت لم يجعل مقتله على يد طالوت، بل على يد نبي الله داوود الذي لم يكن ملكا بل جنديا في الجيش.. وهكذا هزم جالوت وفتح الله فلسطين للقلة الثابتة ... ولو انهم انتظروا الاجماع الوطني لربما بقوا حتى الآن في سيناء..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق