مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




١٣ أيلول ٢٠١١

الحوار الصريح بعد التراويح (3)

رد ياسين: انت تفهم العلمانية بطريقة خاطئة يا استاذ عمر.. العلمانية ليست معادية للدين..هي طريقة لتنظيم المجتمع والمحافظة على الدين بعيدا عن اهواء السياسة.. ومن ناحية اخرى هي حفاظ على حقوق الاقليات..

ضحك الاستاذ عمر: وهل أخّر الثورة السورية الا ابعاد الدين عن السياسة...لولا أن الدول العلمانية ليس هنالك من مشكلة اخلاقية امامها في ابقاء الاسد والمحافظة على حكمه طالما ان مصالحها ما زالت مرتبطة به..هل كنا ما نزال نراوح في مكاننا والدماء تسيل في شوارع سوريا؟...جميع الدول التي اقلقت منامنا بالكلام عن حقوق المواطن وعن الانسانية وعن السلام لم ترى عيبا في السماح لهذا المجرم بارتكاب جريمته وتنفيذ خطته حتى الحرف الأخير حفاظا على مصالحها..هكذا تماما يكون الوضع عند فصل الاخلاق والدين عن السياسة..فالدين ضابط للسياسة ..وسوريا الحديثة يجب الا تتميز بالمصلحية السياسية والا انهارت قبل ان تبدأ..

العلمانية معاكسة للدين.. فهي تستبدل نصوصا دينية باخرى وضعية.. وهذا معاد للدين.. ولو تبعنا ما يقوله دعاة العلمانية وقلنا انها غير مخالفة للدين..اذا فمن المفترض ألا تشرع شيئا نزل به نص واضح في القرآن..وأن تحصر تشريعاتها فيما لم ينزل به تشريع سماوي.. وهذا تماما ما هو عليه الاسلام..فلماذا تغيير المسمى؟ أما اذا كانت تستبدل النصوص الشرعية بنصوص وضعية على أساس انها خير وأكثر حضارة من النصوص الشرعية فهي معادية للاسلام حاجرة على المسلمين ممارسة حقوقهم ودينهم..

كان يبدو على ياسين الضيق من الحوار... استأذنّا الاستاذ عمر وغادرنا لنراقب ما حصل في المظاهرة ورد فعل الثوار عليها.

----------

كان رد صفحات الثورة السورية على "بدر حلب" متناقضا...هناك الكثير من التشجيع وبالمقابل كان هناك الكثير من الهجوم...هجوم فاق كل وصف ووصل لحد الطعن بشرف المدينة كلها ..سخرية غير منطقية وتعليقات مؤلمة تم توجيهها للمتظاهرين بسبب قلة عددهم وضعف تنسيقهم...كان الالم يعتصر قلبي وانا اتذكر مقدار التعب الذي نالنا لنقنع الناس بالتجمع..ثم الخوف والرعب الذي حل بنخاع عظامنا ونحن نهرب من الامن والشبيحة المسلحين بالخناجر والسواطير...بالمقابل كنت اشعر بالفخر والغبطة ان المتظاهرين تابعوا المظاهرة حتى وصلوا لساحة سعد الله الجابري...كانت فكرة الوصول لهذه الساحة جنونية بحد ذاتها ..ومن الواضح ان الامن لم يكن مهتما بكل الاعلانات عن بدر حلب ولم يتوقع ان تقوم مظاهرة بالاساس..

في اليوم التالي انهيت الافطار بسرعة وخرجت لاصلي التراويح في مسجد الكريمية...كان هذا المسجد من المساجد المحببة للاستاذ عمر خاصة وانه صديق مقرب للشيخ بكري الحياني القائم على المسجد.. المسجد كان خلية عمل تجمع الشباب الصغار من جهة وتجمع التجار الكبار والصناعيين من جهة اخرى ..ولكل نصيب في دروس الشيخ..لكنني كنت لا احبذ الالتزام معه لانه كان من الطريقة الصوفية العيساوية ..وهي طريقة لي عليها مآخذ كثيرة.

ما ان انهيت الصلاة حتى تفاجأت باحد الشباب الذين كانوا معنا في بدر حلب يوزع الماء على المصلين.. اقتربت منه لاصافحه ولكن فصلني عنه خروج المصلين من المسجد.. خرجت مع من خرج لاتفاجأ بياسين واقفا خارج المسجد.. ضحكت قائلا: ياسين ...المظاهرات لا تخرج من مسجد صغير في حارة الكريمية الضيقة!.. رد بهدوء: كنت اصلّي معكم.. أحببت ان اتابع الحديث مع الاستاذ عمر..فانا أريد ان اوضح له موقفي من العلمانية وعلاقتها بالدين..

احس ياسين بشخص يربّت على كتفه..كان الاستاذ عمر الذي تابع مبتسما: وانا مستعد لسماعك حتى موعد قيام الليل..بجوار الاستاذ عمر كان الشيخ مصطفى..سلمت على الشيخ وحاولت تقبيل يده لانني احبه جدا واعتبره كوالدي..لكنه سحب يده بسرعة ورفض ذلك.. دعانا الاستاذ عمر لمنزله.. وعند باب المنزل رايت بقية الشباب.. كانوا جميعا قد صلوا في مساجد قريبة وانتظروا الاستاذ عمر ليتابعوا الحديث...كنت اعرف السبب.. فنحن الشباب لم نجد من يوجّهنا في هذه الثورة.. بل تخلّى عنا الجميع مدّعين انها ثورتنا وليس لهم الحق في توجيهنا.. وهذا كان سببا في تخبطنا..

دخلنا لمنزل الاستاذ ..وجلسنا في الغرفة الشهيرة التي كنت اسميها دار الأرقم.. لانها كانت تجمعنا في وقت كان التشديد الامني من اصعب ما يكون خلال مرحلة احتلال العراق.. وكل التلفيقات الامنية عن وجود تنظيم جند الشام في حلب....كان الاجتماع فيها من الخطورة بمكان يجعلها تذكرني بدار الأرقم ..حيث تلقّينا الكثير من فكر الاستاذ عمر والشيخ مصطفى..

خرج الاستاذ ليحضّر الشاي..بينما التفت إلينا الشيخ مصطفى وتعرف إلى اسماء الشباب..بادرت بسؤاله عن رأيه في بدر حلب.. قال بهدوء: عسى الله ان يتقبلها منكم كما تقبل الله من أهل بدر..ولكن هذا مشروط بنيّتكم..

سالته: وكيف ذاك؟

قال: هل اغتسلتم قبل الخروج للمظاهرة؟ هل صليتم ركعتي قضاء الحاجة طلبا للنصرة؟ هل صليتم قبلها قيام الليل والفجر ؟ هل مارستم التظاهر الاسلامي؟

نظرنا في عيون بعضنا.. كنت قد قرأت هذا الكلام في موقع أحرار حلب.. وقمت بتنفيذه..لكن يبدو ان بعض الشباب لم تكن هذه الامور واردة على بالهم.. تابع الشيخ مصطفى: ما كانت شعاراتكم؟ هل قمتم –كغيركم- بشتم بشار الاسد فقط..ام انكم ناديتم طلبا للكرامة والعزة ونصرة الله لكم.. و اقررتم بنصرتكم للمحافظات الأخرى؟

قلت: وما الضير ان ننصر المحافظات الأخرى.. ونشتم الاسد بنفس الوقت؟

ضحك وهو يدرك أنني اعرف الجواب..لكنه تابع: في علم السلوك الاسلامي يُطلب إلى العبد ان يترك الامور كلها معلقة بالله..اذا ظلمك أحد فرفعت يديك لله وقلت: اللهم اني مظلوم فانتصر.. فانت قد وضعت شكواك في قاعة المحكمة عند حكم عدل يقتص لك من الظالم..أما ان شتمت عدوك فإن الله يتركك تقتص لنفسك ممن ظلمك..

سال ياسين: ولكن يا شيخ مصطفى هذا الكلام غير منطقي..كيف تريدني ان ارى الدماء في الشارع ولا اشتم المجرم الذي اسالها؟ هذا من طبع الانسان.. هل هاجمت قطة في حياتك ورأيت كيف ترد الهجوم بهجوم؟ حتى الحيوان يتألم من الظلم..فلماذا يتخلى الله عنّا لمجرد اننا شتمنا المجرم..

رد الشيخ: الفكرة هي التعلق بالله..هل تريد ان تأخذ حقك بيدك لانك تعتقد ان الله لن ياخذ بمظلمتك؟ ام تترك الامور لتدبيره؟ لا يجب ان تمنعك حواجب النفس عن رؤية يد التدبير الالهي في كل ما يدور.. وتذكر أن الله لطيف لما يشاء.. لا تنظر لهذه الدماء على أساس انها دماء قتلى .. بل على اساس انها دماء شهداء اختارهم الله ليطهرهم ويمنحهم عز الشهادة.. من لطف الله عز وجل ان جعل قلوب السوريين تجتمع على رفض تدخل الصليبيين.. وعلى رفض رفع السلاح بوجه الظالم..ومن لطفه ان قلّب قلوب السوريين جميعا ليصبحوا كارهين للنظام .. وان فصل اهل الشام لفسطاطين.. فسطاط يناصر المجرم لمنفعة..وفسطاط يعادي المجرم لمظلمة..فلم يعد هناك مجال للصامتين..وسينصر الله فسطاط العدل والحق إن شاء.. ومن لطف رب العالمين ان جمع قلوب السوريين على التظاهر ضد النظام.. ولو انك في غير وقت الثورة حاولت تغيير قلوبهم لما استطعت..ومن لطف رب العالمين ان منع عنهم النصرة حتى يخلّص قلوبهم من التعلق بغيره.. فقطع عنهم ما يظنون انه سبب للنصر.. وهاهم يطلبون النصرة من الاقليات عبر جمعة الجمعة العظيمة وصالح العلي والعشائر وغيرها..فلا يستجيب لهم احد.. ثم تطوف بهم الدوائر ليعلنوها خالصة لله في جمعة "الله معنا" وجمعة" لن نركع الا لله".. وهاهي بشائر النصر تلوح...ولكن هل تحقق معنى كلمة "الله معنا" او "لن نركع إلا لله" في قلوب المتظاهرين؟

تدخل ياسين على الخط وسال: شيخي اريد ان اعلق على كلامك.. انت تطلب منا ان ننظر للجانب الايجابي من كل شي.. فالثورة هي لتأليف القلوب.. واهمال الكرة الارضية للثورة السورية هي توحيد لقلوب الثوار على قناعة ان النصر من عند الله.. وان الدماء التي تسيل هي اصطفاء من الله وتكريم لعباده..وليست مجرد اكوام من اللحم التي تنحر يوميا على مذبح النظام... وان في كل هذا هناك لطف من الله في تسيير الامور.. طيب كيف تفسر لي صمت حلب واجتماع قلوب اهلها على عدم التحرك ضمن منظومة "إن ربي لطيف لما يشاء" التي تحاول تسويقها لنا؟

رد الشيخ باسما: قد يكون بفضل دعاء شيخ في عتمة الليل ان يجنّب اهل هذه المدينة الضرر..وقد تكون هي المدينة الوحيدة التي ستبقى عامرة بعد انكشاف الغمة لتدعم سوريا ماليا..وقد تكون موطئ قدم للجيوش العربية أو الاسلامية التي ستحرر الشام.. وقد تكون مكانا هادئا يستطيع ان يجتمع الشباب فيه مع الشيوخ ليتدارسوا امور المسلمين بدون الخوف من القناصة والرصاص ..فيلهمهم الله الحل.. ويساعدهم استقرار المدينة على نقاشه وصياغته ثم نقله لبقية المدن.. وقد يكون الله قد ادّخر هذه المدينة لتكون آخر من يثور بعد ان يكون نظام الكفر قد انهك قواه في محاربة المدن الاخرى فتقصم قومتها ظهره.. وقد يكون سببا خفيا لا ندركه يدبره الله بلطفه..

ادركت ان ياسين يستعد لجولة ثانية من النقاش الذي لن ينتهي إلى شيء..فقاطعت الحوار سائلا الشيخ: تفضلتم بالسؤال عن تحقق معنى كلمة "الله معنا" او "لن نركع إلا لله" في قلوب المتظاهرين..فهلّا بينت لنا هذا؟

رد الشيخ: ما أخوف ما يخافه المتظاهر ..في حلب خاصة؟

فكرت قليلا ثم جاوبت: ان لا يلقى النصرة من المتظاهرين او المتفرجين..فيقع بين براثن الشبيحة..أو في مفرزة أمنية يخسر فيها جزءا من جسده او حتى روحه..

قال: هو ذاك..فلو أن المتظاهرين تحققوا بقوله تعالى: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص" لما تركوا احدهم يقع بين براثن الشرطة او الشبيحة.. ولو ان المتظاهر وهو يفرّ من عنصر الامن تحقق بقوله تعالى:ففروا إلى الله ... فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم. · فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين ...لأدرك انه بين يدي رب العزة.. ورأى الشبيح كقط أجرب..ولو انه تظاهر وهو لا يربط التظاهر بالنتيجة وهي سوريا حرة لكل ابناءها..بل بالنتيجة العليا وهي طلب اعلاء كلمة الله والحرية من عبودية نظام كافر لا يؤمن بدين ..أوطلب الشهادة في سبيل الله..لما ملّ من التظاهر ولما شعر باليأس من قلة المتظاهرين...ألم يقل الله تعالى عز وجل : يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ...فالمتظاهر في المدن التي لا تشهد حركة قوية هو كعشرة فيما سواها.. والنتيجة: نصر من الله..

رد ياسين بضيق: ومتى يأتي نصر الله هذا.. الا يكفي دماء؟

بدأ الشيخ مصطفى بتلاوة الآيات التالية بصوت رخيم: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله... ألا إن نصر الله قريب..

ثم تابع... أذنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ( 41 )

يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ..

ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز

لنصر الله شرطان: أولاهما نصر الله بالعمل ..وهذا ما يفعله المتظاهرون إن ربطوا نية قلوبهم بنصرة دين الله...وصدقوا في طلب النصر من الله دون سواه... وثانيهما الاذن الالهي بالنصر..وهو امر متعلق بقولنا سابقا" أن ربي لطيف لما يشاء" فهو يدبر الامور ويقلب القلوب ويفرق قلوب المشركين ويؤلف قلوب المسلمين

حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَفْقَهُونَ(*) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُونَ


يتبع....

ليست هناك تعليقات: