انطلقنا من مسجد الحريري في نزلة مستشفى الحياة ومشينا سوية ننادي بعد صلاة التراويح مطالبين بالحرية ومنادين أننا
مع حماة للموت.. كان أغلب المشاركين خائفون جدا في البدء.. خائفين من المجرمين الذين اطلقهم الرئيس في شوارع حلب بثلاثة مراسيم عفو رئاسية متتالية ..وخائفين من أن تؤدي هذه المظاهرة لأن "تظهر العصابات المسلحة في حلب ويطلب الاهالي نجدة الجيش" رغم ان المنطقي هو ان تظهر العصابات المسلحة في المناطق التي ينحدر منها الرئيس مزودين بفتوى ابن تيمية التي تقر بان طائفة النظام ليسوا مسلمين.. والتي يمكن للعصابات المسلحة المزعومة ان تفسرها على اساس انها رخصة بالقتل.. اما ان تقتل المسلمين السنة فهذا امر مضحك!
ولكن وما ان وصلنا لمنطقة مجاورة لمنطقة المشارقة التي شهدت في الثمانينات مذبحة مروعة حتى ظهرت العصابات المسلحة الاسدية.. هاجمونا بكل عنف فانطلق بعضنا باتجاه منطقة الجميلية بينما هربت انا ومن معي باتجاه المشارقة.. هربنا بين البيوت ولكن الشبيحة ظلوا يطاردوننا .. كانت الشوارع الفرعية مظلمة واغلبنا لا يعرف المنطقة.. وهكذا هربنا بين الحواري الضيقة حتى خرجت من شارع فرعي إلى ساحة صغيرة قرأت اسم المسجد الذي يتوسطها "مسجد جمال عبدالناصر" فعرفت أنني في الكلاسة بقرب باب قنسرين.. ولكنني ما ان التفت يسرة حتى انتبهت لوجود سيارة امن محاطة بالشبيحة..هربنا مرة أخرى باتجاه باب قنسرين وكلي أمل ان يتوه من يطاردنا في شوارع قلعة الشريّف او في حواري السوق القديم... دخلت من باب قنسرين انا ومحمد وياسين..ياسين هذا كان علمانيا وكان ينتظرنا خارج المسجد ليشاركنا المظاهرات.. لكنه لم يكن حاقدا على الاسلام كما غيره.. رأيت بعد الباب "جلة معروف" فضحكت.. اين انت يا شيخ معروف لتنقذنا..ثم تذكرت ضرورة المحافظة على سلمية الثورة..كانت صلاة التراويح في مسجد الكريمية قد انتهت وخرج الناس متجهين لبيوتهم أو لدكاكينهم..مشيت بسرعة قائدا بقية الشباب في حواري المنطقة التي اعرفها بالتفصيل..منظر حلب الايوبية والمملوكية مبهر في الليل... اقسم انني اشتم رائحة صلاح الدين فيها.. منظر الشوارع التي ما زالت تحافظ على طابعها المملوكي يعيدنا سنين إلى ايام مجد نسيناه في غمرة البعث والشيوعية والهراء الفكري الذي غمرنا به "المستغربون والمستشرقون على السواء"..
لمحت الاستاذ عمر من بعيد.. التفت خلفي فرأيت الشبيح ما زال يطاردنا..يبدو ان هناك جائزة لمن يعتقل متظاهرا.. انتبه الاستاذ عمر ايضا لوجودنا..ادخلنا بسرعة إلى بيته واغلق الباب..ثم وضع يده على صدري ليوقفني ونادى على أهل بيته بالاختباء لان لديه ضيوفا.. دخلنا الغرفة الصغيرة التي لطالما سهرنا فيها سوية نتحاور بشأن الامة والاحداث السياسية وننهل من معين فكره... الاستاذ عمر هو مهندس مدني من شباب حلب الذين كانوا يميلون لفكر الاخوان المسلمين رغم عدم انتسابه لهم... اعتقل فترة طويلة ثم اطلق سراحه..ومنذ ذلك الوقت اعتزل الهندسة وصار يعمل في التجارة..
تبسّم الاستاذ عمر وهو ينظر إلينا ونحن نتنفس بصعوبة.. كنت اشعر ان هنا آلة رهيبة تسحب الدم من جسدي عبر اصابع يدي..شعرت بهبوط حاد في الضغط.. لكنني لم استطع الا ان اتبسم في وجه الاستاذ ردا على ابتسامته.. سألني: كنتم في مظاهرة؟... لم استطع الاجابة لضيق نفسي وتسارع لهاثي فهززت راسي مؤكدا ..فقال: تقبّل الله!
لم ادر إن كان يقصد فعلا ان التظاهر عمل يثيب عليه الله.. ام انه كان يسخر منا لاننا كنا نترك صلاة التراويح عشرين ركعة ونخرج بعد الركعة الثامنة..مستعيضين بالمظاهرة عن بقية الصلاة..رددت بصوت متقطع: منا ومنكم صالح الاعمال..
خرج الاستاذ من الغرفة .. بقيت انا وبقية الشباب.. كان ياسين هو اكثرنا شعورا بالغربة.. فغرفة الجلوس في منزل الاستاذ عمر تفوح بالاسلام من كل اركانها.. السجاد المطرز بآيات القرآن الكريم.. السجادة في الزاوية.. المكتبة التي تئن تحت وطأة المجلدات الضخمة لكتب التفسير والحديث والتراجم والسيرة.. نوع الخشب.. حتى رائحة الرطوبة الخفيفة التي تتميز بها البيوت القديمة المطلية بالكلس..والتي لاجلها سميت منطقة مسجد جمال عبدالناصر بالكلاسة..حيث تصنع مادة الكلس المستخدمة في طلاء الجدران هذا..كانت غريبة على ياسين.. الشاب المترف الذي يقطن منطقة الشهباء الجديدة.. وينسل كل مرة ليذهب لسيف الدولة او صلاح الدين ليشارك في المظاهرات..
بقينا نتهامس لنتفق على فترة بقاءنا هنا.. قلت لهم دعونا نشرب الشاي ونغادر..كنت اعرف ان الاستاذ عمر خرج ليحضر الشاي.. وصدق حدسي عندما دخل الغرفة وبيده صينية الشاي يعلوها الابريق الشهير الذي لطالما شهد سهراتنا مع الاستاذ عمر والشيخ مصطفى..
بادرته سائلا وانا ابتسم :استاذ عمر ...هل ما زلت تؤمن باحقية الامراء الذين رأسهم زبيبة في ولاية المسلمين.؟
رد ضاحكا: انت تعرف رأيي في هذا الحديث..فهذا الحديث يتكلم عن وال ولاه إمام مسلم..ومصطلح "زبيبة" لم يستخدم هنا للتعبير عن ضعف القدرات العقلية بل عن شكل الشعر الذي يتميز به العبيد الأحباش...كما ان الحديث لا يتحدث عن معاداة لدين او كفر او نشر كفر..ولكم تناقشنا سابقا في احاديث الفتنة واتفقنا ان احاديث الفتنة تكون فتنة إذا ما استعملها رجال دين فتنة...ولقد اتفقنا ان منهجنا هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في حال الفتن الفكرية... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا...فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنه في حال الفتن يجب توطين النفس على رفض الظلم والاساءة.. اما في قضية التغيير فهو اشترط القدرة على التغيير باليد.. فاذا انعدمت فالتغيير باللسان ثم بالتغيير السلبي عبر الرفض بالقلب.. وهذا آخر حدود الايمان.. اما القبول القلبي أو حتى الاقرار وعدم الانكار فهو خارج عن الايمان وصاحبه مفارق للجماعة..
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : الا أن رحى الإسلام دائرة، فدوروا حيث دار. الا أن السلطان والقرآن سيفترقان فالزموا الكتاب، الا انه سيولى عليكم أمراء ضالون مضلون، أن اتبعتوهم أضلوكم، وان خالفتموهم قتلوكم، قالوا: فماذا نفعل يا رسول الله؟ قال كما فعل أصحاب عيسى، شدوا على الخشب ونشروا بالمناشير، فوالذي نفس محمد بيده لميتة في سبيل الله خير من حياة في معصية). مثل هذه الاحاديث هي مقياسنا في النضال ضد المستبد الطاغية...
"النضال؟!" كانت هذه الكلمة هي الكلمة الاولى التي ينطق بها ياسين في هذه الجلسة.. رد الاستاذ عمر: نعم النضال..ولماذا تستغرب؟ ..رد ياسين: هذه الكلمة من أدبيات اليساريين واستغرب ان يستخدمها الاسلاميون.. فانتم تستبدلونها بكلمة جهاد..
بدأ الاستاذ عمر يردد النشيد المشهور: قد عزمنا للنضال .. واتحدنا للخطوب.. نحن رهبان الليالي..نحن فرسان الحروب.." ثم تبسم ضاحكا وقال: اليست هذه الانشودة خير من اناشيد ابراهيم قاشوش ؟
شعرنا كلنا بالحرج.. خاصة ان مثل هذه الاهزوجات التي رددها ابراهيم رحمه الله اضحت تعتبر اناشيد للثورة السورية.. رغم انني اخجل عند ترديدها بسبب ورود بعض الكلمات التي تشذّ عن الذوق العام..
عقب ياسين قائلا: لكن للكلمتين معنى مختلف.. النضال عن اليساريين سلمي..لكنه عندكم عسكري ..لا يتردد في قتل المعارضين.."
مرة اخرى تبسم الاستاذ عمر قائلا.. يبدو انك تصدق قصص العصابات المسلحة التي تنتشر في حماة ودير الزور..لان من يصدق هذه القصص يصدق ان الاخوان كانوا دمويين..
رد ياسين : الاهداف مختلفة..نحن نطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة وباحقية المرأة في التعليم والعمل.. وهذا مناقض لمنطق طالبان..
- حق المراة في التعلم محفوظ في الاسلام.. وهناك الكثير من الاحاديث التي تحث على تعليم المرأة.. اما ما تسميه حق المرأة في العمل فانا لا اؤمن به.. فليس للمرأة حق بالعمل..."
وقبل ان يفتح ياسين فاهه اكمل الاستاذ عمر مقاطعا:" العمل بالنسبة لمعيل الاسرة حق يجب على الدولة تأمينه...لكنه في نفس الوقت واجب على المعيل.. وسواء اكان المعيل رجلا او امرأة كان له الحق في الحصول على عمل..وتوجب عليه العمل... اما في حالة وجود المعيل الذكر.. فعمل المرأة اصبح تعديا على حقوق معيل آخر في الحصول على عمل.. وليس حقا لها.. واجب الدولة في ايجاد العمل للمعيلين اساسي.. وواجب المعيلين الحصول على عمل اساسي.. وما فوق ذلك تجاوز على الحقوق..اذكر معملا يرفض تشغيل الشباب ويقبل على تشغيل البنات.. لان رواتبهم تقارب نصف رواتب الشباب..واغلب من يشتغلن فيه لسن بحاجة للعمل.. بينما يقف على باب المعمل العشرات من الشباب العاطلين.....اما المساواة.. فلو شاء الله ان يكون الرجل مساويا للمرأة لخلقهما متشابهين بالجسد والقدرات.. وإلا فكيف يستقيم حق المساواة في ظل عدم التساوي؟
صمت ياسين قليلا ثم قال: كيف تفسر صمت مشايخ حلب عن نصرة الثورة؟
نظر إليّ الاستاذ عمر وضحك..كنت اعرف رأيه في مشايخ حلب..بل في مشايخ سوريا.. اغلبهم اما ضباط امن او متعاونون مع الامن..منهم الماسونيون .. ومنهم متشيعون بالسر... كيف بربك تتوقع ان يكون وضع من يتوجب عليه الانتساب للحزب قبل الالتحاق بكلية الشريعة؟
اجاب الاستاذ اجابة مقتضبة: انتم ترفضون ربط الثورة بالمساجد.. فلماذا يتوجب على المشايخ دعم ثورة انتم ترفضون ربطها بهم؟ لقد تنكر اغلب مثقفي المعارضة للثورة التي تخرج من المساجد واعتبروها تخرج من هناك لانه المكان الوحيد الذي يسمح بالتجمع فيه... رغم ان الدولة لا تمنع التجمع في السوق ولا في مباراة كرة قدم ولا في مقهى ولا في أي مكان عام آخر.. الناس التي تخرج من المسجد تخرج من هناك لهدف..وريثما يتم الاعتراف بهذا الهدف لا تطلب من المشايخ المشاركة.. هل تريد الشيخ مصطفى مثلا ان يخرج إلى المنبر ليطالب بالغاء البند الثالث من الدستور (المتعلق بكون رئيس الدولة مسلم) وينادي باستبدال الشرائع الاسلامية بالقانون الفرنسي أو أن يشتم الاسلاميين الظلاميين الذين يقفزون على الثورة؟ ما هو المطلوب بالضبط؟
رد ياسين بحماس: المطلوب منهم تحريض الناس على الثورة.و..
قاطعه الاستاذ عمر: الثورة لاجل ماذا؟ لاجل دولة علمانية كفرنسا يمنع فيها الآذان والرموز الطائفية؟
رد ياسين: علينا جميعا ان نكون ضد الطائفية.. سوريا الحديث يجب الا تكون طائفية..هي دولة لكل مواطنيها..
تبسم الاستاذ عمر قائلا: ما هو تعريف الطائفية؟
تلعثم ياسين قليلا ..فتابع الاستاذ : يبدو ان المعارضين الذين يستخدمون كلمة طائفية اما انهم لا يفهمونها -وهذا وارد لانه من الواضح ان ثقافتهم السياسية محدودة جدا ومقتصرة على ما يتلقونه من التلفزيون- او انهم يتعمدون استخدامها لانهم يعرفون تمام المعرفة انه اذا دخل حزب كحزب الاخوان المسلمين في اللعبة السياسية فإن جميع هذه المعارضات الوهمية ستخرج خارجها..
الطائفية ان يتم منح بعض الميزات للشخص بناءا على طائفته.. وهنا لا يمكن اعتبار ميزات الاغلبية طائفية وبالتالي فإن وجود أغلبية من أهل السنة في مناصب الدولة لا يعتبر طائفيا لانهم أغلبية....وكذلك الأمر بالنسبة للأحزاب.. فمثلا لو تأسس حزب للاخوان المسلمين ووضع برنامج وطني وقبله الشعب ثم قصر هذا الحزب الانتساب إليه لابناء الطائفة السنية او منح اهل السنة كامل الميزات في الحكومة التي يشكلها ووضع ابناء الطوائف الاخرى خارجها عندها يكون هذا الحزب طائفيا... اما اذا تشكل حزب للشيعة مثلا وهدفه الدفاع عن مصالح الشيعة كأقلية بدون تغليب مصلحة الطائفة على مصلحة الوطن ككل.. وسمح لجميع من يؤمن بحقوق الشيعة بالانتساب اليه سواء اكان سنية او مسيحيا ..وكانت الأغلبية فيه للشيعة.. وعند دخوله في الحكومة سلم كراسيه في الحكومة لابناء الطائفة الشيعية من منتسبيه بناءا على كفائتهم...عندها هذا الحزب لا يكون طائفيا.. بل حزب وطني ... وبنفس الشكل يمكن اعتبار احزاب الاكراد والتركمان والحزب المسيحي البروتستانتي ...هذه الاحزاب اذا كان هدفها الدفاع عن حقوق طائفة ما ونقل مطالبها للبرلمان بدون قصر الانتساب او الترشح للبرلمان او الحكومة على ابناء الطائفة التي يمثلونها فهذه الاحزاب لا تعتبر طائفية الا في عيون من لا يفهم معنى الكلمة او من لديه اجندة اقصائية لمنافسيه..
بالمثل الحزب العلماني السوري لو منع مسلما سنيا ملتزما من الانتساب للحزب او استلام منصب في الحزب او الحكومة او عادى حزبا او فئة بسبب انتماءه الاسلامي -كما تفعل جميع الاحزاب العلمانية - فهو حزب طائفي بامتياز..
اما ان يصلي المسلم في مسجد اسلامي ويلبس لباسا اسلاميا ويتعامل وفق شريعة اسلامية فهذا ممارسة لثقافته وليس تعديا طائفيا على الآخرين..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق