مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




٣ كانون الثاني ٢٠٠٨

أنا متصوف!!

أنا متصوف... نعم أقولها وأنا أعلم ما لهذه الكلمة من أبعاد...أعلم علم اليقين أنها تعني أنني ألبس عصابة صفراء أغلق بها أذني عن كل شيء عدا كلام الشيخ.. أعلم أنني أحطم هتاف :يا الله ... وأحشر فتاته في أذني لأسدها عن الحق، لكن قل لي يا قلب ماذا أفعل؟.. إذا كان درب التصوف هو المخدر الذي يهدأ ذاتي ويخمد جذوتي ويطفئ ناري.. إذا كانت الحلقة بعجاجها وقعقعتها تغطي على أصوات الكلاب تتنابح على دولة بني العباس..إذا كانت نداءات المنشد تميت في فكري التناقض الذي يريدون زرعه فيه...أو ليست استغاثتي بأحمد البدوي (وهو الميت) أجدى من استغاثتي ببني جلدتي وهم الأحياء؟ أوليس أسهل لي أن اقتنع أن مناجاتي للقبور - رغم عدم ورود نص قرآني أو نبوي - مندوبة شرعا من أن اقتنع من أن دفاعي عن عرضي وأهلي وشرفي محرم شرعا لعدم وجود إذن من ولي الأمر أو فتوى من أهل الاختصاص؟؟؟
أنا كالمدمن..ما أن أخرج من الحلقة حتى أشعر بقشعريرة في جسدي ترعبني من حياتي المتوقفة حتى إشعار آخر..ما أن تلامس وجنتي الهواء النقي في الشارع حتى يصيبني صليل في أذني يسمعني سنابك الحق... ما أن يتناهى لمسمعي صوت "خديجة بن قنة" حتى ينتابني دبيب يسري في ساعدي ويدي ويخرج من أناملي يستحثني على حمل السلاح ومحاربة الكون...اسمع أصوات أخوتي في أرض جريحة تتكلم لغة وتنطق باسمها لغة أخرى..اسمع غمغمات الحق المكمم واسمع خاطفيه يترجمون غمغماته بكلام غير الكلام ومناجاة غير المناجاة وفكر غير الفكر...اسمع العالم يتنادى على أرض الإسلام باسم حقوق الإنسان..وإسلامنا يتنادى شيعته ضد سنته وقادريته ضد هلاليته وسلفيته ضد وهابيته..فأعود مهرولا إلى شيخي فآخذ حقنة أخرى... ويا لها من حقنة..إنها تزيدني ألما..تشعرني بمدى حقارتي أمام إسلامي وأمام صليبيتهم...تحرقني... تؤجج ناري يوما بعد يوما بعد يوم..لكن إن كان قلبي سيحترق فارتاح.. فليحترق...إذا كان عقلي سيوأد فيجد الرقاد لعيني سبيلا .. فليوأد..إذا كانت إنسانيتي ورجولتي ستلجم بعصابتي التي اعصب بها رأسي في حلقة الذكر فلا تجد خواطر الجهاد إليه سبيلا...فلتلجم..المهم أن نار الحقنة لهي أخف وطأ من نار المحنة.

بعد أشهر شعرت بأن نفسي تزدري نفسي.. وأن روحي تتقيأ روحي... وأن ناري تأكل وجاري...لذا تركت الحلقة وذهبت إلى غيرها علما مني بأن الأخيرة أقدر وأشد جرأة على وأد العقول...دفنت نفسي فيها... خنقت أحلامي وآلامي في عرق وصديد القافزين والراقصين وأغلقت أنفي عن اشتمام عبق الحرية لكن لا جدوى...ضحكت على نفسي وقلت: "لّما تبلغ الجذب بعد!"

أفنيت نفسي في الحلقة علني أفنى في الله..لم تحصل تجليات.. ولم استحصل السكينة المنشودة..ولم أشاهد المعنى..بل إن هي وريقات "قات" أملا بها شدقي وألوكها فـ"أسلطن"على نغمات المنشد... وفقط!

سألت شيخا مهيبا بلحية بيضاء ويسكن بجوار الزاوية عن سبب عدم التجلي، وصف لي وصفة دسمة من الأذكار والخلوات وقراءة القرآن بترتيب معين فلم أزدد – بعد آلاف التسبيحات وساعات الخلوة الطوال- إلا يقينا بعدم جدوى ما أفعل...كررت السؤال فقال لي: أنت لست بشفاف... قلت في نفسي"وكيف بربك أكون شفافا وأنا احرق نفسي وابتلع دخاني خوفا من العيون؟؟؟...

سألته: ما الذي يميز المتصوف الحقيقي عن غيره؟ قال" صدق التوجه"، قلت: فكيف تعرف أنت المتصوف الحقيقي؟؟" قال:"يخبرنا عنها الملأ الأعلى، فالأولياء يرونه بنور الله ويكاشفون روحه...."

سألته:" وهل تراني متصوفا؟" قال:" أنت مجتهد، ولكل مجتهد نصيب!! أرى أن الله حباك وسيحبوك من أنوار حبيبه المصطفى وعلم السادات رضي الله عنهم إذا تابعت السعي بجد.."

راجعت نفسي، كل هذه النار والحريق في نفسي والشيخ يرى أن الله حباني أنوارا "جوّانية" خاصة بي.. إذا فكل هذا الدخان في روحي لا يراه إلا أعمى بصيرة مثلي!"

وانطلاقا من هذه الحقيقة قررت أن أبقى متصوفا... وما دام أحد لم يثبت العكس..فأني أعلنها وأنشرها... والعنها وأشكرها..أعلنها علاجا لصداع الفكر المزمن وأزمة الضمير الحي..وأنشرها داءا على مبدأ "وداوها بالتي كانت هي الداء"... وألعنها سما زعافا للعقل... وأشكرها مخدرا للنفس والإنسانية.. واصرخ بأعلى صوتي:" أنا متصوف.. فمن أراد عقلي فليأت ويستلمه على عنوان الحلقة الفلانية..ولكم جزيل الشكر لتخليصي من عقل "أبي القاسم الطنبوري" الذي كلما قذفته على باب الزاوية عاد إلي..فأنا متصوف ولا حاجة لي بالعقل.. يكفينا عقل شيخي..أدامه الله.

ليست هناك تعليقات: