في أيام الجهالة والصبا كانت عندي هواية ما زلت أمارسها بين الحين والآخر، ألا وهي صيانة الأجهزة الالكترونية، لكنني ومنذ أن دخل ما يسمى بالإنتاج الصيني إلى سوق الأجهزة الالكترونية طلقت هذه الهوايةغير رجعة، إلا أنني اقبل أحيانا أن أقوم بصيانة بعض الأجهزة تحت ضغط الترجيات ودموع الاستجداء من نساء أسرتي، خاصة وأنهن يثقن بعملي أكثر من الصيانة التجارية في السوق منذ يومين طلب أبي مني إصلاح قارئ الفيديو الرقمي الخاص به،كان باب قارئ الأقراص لا يعمل، ترددت كثيرا في إبداء استعدادي لذلك، ولكن بصراحة بعد أن رأيت الجهاز- وخصوصا عندما قرأت اسم ماركة يابانية على الواجهة الأمامية - شعرت بفضول لاقتحام هذا الحصن التكنولوجي الياباني، و ازدادت إثارتي عندما فتحت الغطاء العلوي.... شعرت وكأنني أدخل لغرفة نوم ملكية من قصور ألف ليلة وليلة، كانت كتلة حامل الأقراص الليزرية تتصدر علبة الجهاز المعدنية وكأنها سرير ملكي. إلى اليمين وعلى بعد نصف ساعة بالسيارة توجد علبة التغذية..إلى اليسار بعد الدوار المركزي توجد وحدة التكبير والتحكم... عصائب الأسلاك كانت تروح جيئة وذهوبا بتنسيق جميل جاعلة من الجهاز يبدو كعروس يابانية تلبس الكيمونو، كل شيء ملون ومرتب، كل مجموعة أسلاك مترابطة ببعضها ويصلها لجسم لوحة التكبير قابس مميز،وتسير بتناسق إلى جانب بعضها البعض حتى بدون وجود شرطي مرور"
المسجل يتألف من قسمين أساسيين.. جسم المسجل الأساسي، والغطاء الخلفي.. كان الغطاء الخلفي يحتوي على وحدة التغذية وهي أثقل ما في الجهاز... تتصل وحدة التغذية ببقية المسجل بواسطة أسلاك قصيرة جدا لا يمكن معها فتح المسجل تماما... وحتى لا تنقطع هذه الأسلاك اضطرت أختي للامساك بالغطاء الخلفي طوال فترة العملية الجراحية حتى أتممت عملية إخراج النابض وإعادة تركيبه .. تلك العملية التي استغرقت ... ثلاث ساعات ونصف!!!! كان عليها خلال هذه الفترة أن تلعب الكونغ فو لتتفادى الحركات السريعة التي كنت أقوم بها أحيانا خوفا منها أن تتقطع هذه الأسلاك.. بصراحة لم أعرف أن حركاتها كانت سريعة ورشيقة هكذا... ربما من عاشر بضائع الصينيين صار مثلهم... يلعب الكونغ فو!!
المهم وبحركة بهلوانية وضعت جسم المسجل بحيث أستطيع رؤية النابض الصغير... أخرجته بخفة ثم أمسكته بملقط معدني وحاولت أعادته لمكانه... ففشلت.. كان علي أن أفك الغطاء الداخلي حتى تمتلك أصابعي مساحة أكبر للعمل.. ما أن فتحت الغطاء الداخلي حتى شعرت أنني داخل الصين الشعبية... حارات ضيقة تصلها ببعضها أسلاك قصيرة، وروائح سيئة تشبه رائحة الطعام الصيني تفوح من داخلها... كانت وصلات الأسلاك القصديرية تبدو وكان من قام بها جاسوس صيني يعمل بسرعة كبيرة قبل أن تأتي السي آي أيه لتقبض عليه.. توصيلات عشوائية وأسلاك بألوان كئيبة ...حاولت وضع النابض في مكانه لكنه علق بالمغناطيس القوي للسماعة.. فككت براغي السماعة حتى أبعدها فاصل إليه لكن البراغي كانت تلتصق بمادة تشبه السائل المخاطي لتنين خرافي، كانت هذه المادة تغطي أطراف السماعة وبراغي التثبيت و... تقريبا كل شيء حول السماعة..وكأن حلزونة كانت تمضي مهرجان التسوق داخل المسجل..
بعد محاولات فاشلة كثيرة لدفع النابض لداخل الحجرة التي تحمله ثارت ثائرتي... كنت قد أمضيت ساعتين في هذه المحاولات البائسة.. نظرت إلى وجه أختي التي أضناها التعب وهي وواقفة تحمل غطاء المسجل وتدور به حيثما دارت يدي كيلا تقطع الأسلاك... كانت وجنتاها الصغيرتان حمراوان وحبات العرق تتقاطر على جبينها الأبيض.. قلت لها:
ما رأيك أن أشتري لك مسجلا يابانيا على أن تسمحي لي بتكسير هذا المسجل بالمطرقة إلى ألف قطعة؟؟) توقعت أن يغريها هذا العرض لكنه كان ذا تأثير سلبي، اختفت معالم الحماسة من عينيها وبدأت تنظر إلى المسجل المسجى على فخذي وقد تناثرت أشلاؤه هنا وهناك... قرأت في عينيها محبة ومودة لهذا اللعين الذي جالسها في طوال سهراتها العجاف أثناء دراستها للثانوية العامة...كانت تنظر إليه بودّ و دمعاتها تكاد تتساقط وكأنها تنظر لأبنها المريض... أما قطرات العرق التي كانت تغطي وجهي، أما الكآبة التي لازمتني خلال اليومين التاليين ولم اتخلص حتى حضرت حفلة زفاف صديق عزيز فلم تكن تعنيها بشيء.. استخدمت أقوى أسلحة التدمير لديها ..دمعات صغيرات كدن يخرجن من عينيها، نظرت بشفقة لها وقلت: أمرنا لله... لا بد مما لا بد منه...
حملت مفك البراغي وأخرجت كامل أحشاء الجهاز للخارج،واضطررت كي أفعل هذا إلى قطع بعض الأسلاك التي تربط الغطاء الخلفي بجسم الجهاز... يعني كل الحركات البهلوانية التي قامت بها أختي راحت ببلاش..كانت القطع متلاصقة ومثبتة بمليون برغي من النوع السيئ.. تعذبت كثيرا حتى فككتها وتعذبت أكثر حتى أعد تثبيتها لاحقا..
أصبحت أنا والنابض ومفك البراغي وحدنا في الساحة الآن... ضربتين كونغ فو على شوية كاراتيه وأصبح النابض في مكانه..... استغرقت عملية تجميع أحشاء الجهاز اللاحقة حوالي أربعين دقيقة..ثم ... اشتعل أخيرا ابن الأبالسة...طبعا لم يكن هناك من فرصة لتشغيله قبل تجميعه.. ولكن المفاجأة ظهرت بعد تجميعه.. لقد توقفت السماعة اليمنى عن العمل... فككته ثانية وعبثت قليلا بالأسلاك حتى عادت للعمل.. أغلقته بسرعة قبل أن يغير رأيه وأعطيته لأختي والتي حملته بين يديها كطفل صغير وقد عجزت من التعب حتى عن أن تشكرني... وبصراحة حمدت الله في سري فانا كنت عاجزا أن أرد عليها شكرها لي..
بعد أن أنهكت قواي و أصبحت عاجزا حتى عن الوصول لغرفة الطعام رغم النداءات المتتالية من والدتي لم يكن لدي من عمل سوى التفكرّ فيما جرى وأنا اسمع أصوات قرقعة الصحون تقضي على غدائي العزيز...
أخذت أحلام الجهاز الأول تدغدغ مخيلتي، ورغم أنه لا يجوز شرعا المقارنة بين الجهازين لما فيه من غبن للجهاز الأول، إلا أنه عند مقارنتي بين الجهازين لفت انتباهي موضوع... ربما تكون اليابان متفوقة على الصين من الناحية التكنولوجية، لكن ضعف التكنولوجيا لا يعني أن نوصل أجزاء الجهاز بأسلاك قصيرة متشابه بالألوان، ولا يعني أن نلوث كامل الجهاز بلاصق غبي يشبه مخاط كائن فضائي خاصة وأننا قد ثبتنا ما نشاء تثبيته ببراغي!! كما لا يعني انه هناك حاجة لكل هذه الشربكات، وليس من المنطقي أن اضطر لإخراج كامل أحشاء الجهاز للوصول إلى نابض الباب الأمامي والذي لم يتطلبني الوصول إليه في الجهاز الياباني إلا إلى فك بضعة براغي!!!
في رحلتي هذه عبر الصين الشعبية تبين لي أن الموروث الثقافي لشعب ما والبيئة التي يعيش فيها تلقي بظلالها على إنتاجه سواء الصناعي أو الفكري، فحياة اليابانيين التي تعتمد على تقسيم العمل وعلى التعاون وعلى النظام والانضباط الشديد يجعلهم ينسقون كل شيء بحيث يكون سهل الترتيب وسهل الصيانة، أسلاكهم تصطف كأنساق السيارات وتنظمها عصائب ذات ألوان مميزة، كل شيء في مكانه، لا يبخلون بسلك ولا يستخدمون البصاق اللاصق.. تكاد تفوح من أجهزتهم رائحة العطر.. بينما تنعكس البيوت الفقيرة ذات الألوان الداكنة على الأجهزة الصينية، رائحتها لا تعنيهم فحياة الفلاح تملؤها الروائح الغريبة، أسلاكهم عصائب من "سنابل" الأرز لا ينتظمها ناظم، لوحات تحكمهم كسوق شعبية دكان الحلاق بجانب دكان اللحام بجانب دكان البقال.. يتوسطها سوق للماشية..الناس والدواب فيها سواسية، وقطع أجهزتهم تعمل وهي تنظر بعينين توّاقتين ليوم التقاعد...أجزاء أجهزتهم الميكانيكية تعاني من نقص التكلس وبحاجة إلى مستوصف وعناية مشددة، أو لناقلتي نفط مملوءتين بمحلول الجفاف!
لقد أيقظت صيانة هذا الجهاز في نفسي كل آلام الشيوعية، تلك النظرية الوهمية التي آمن بها بعض قادتنا السياسيين المعتوهين فدمروا اقتصادنا وشحذت شعوبنا، وصرنا بين الأمم كالمسجل الصيني في معرض لأجهزة كينوود..تذكرت فقر مصر بعد انتصارات عبد الناصر، تلك الانتصارات التي أدت لعجز مرّوع في الميزانية و التي أجبرت مصر على قبول الصلح والوقوف بعين المتفرج على الصراع العربي الإسرائيلي، والتي أخرجت اليمن من تقسيم لتلقيه في صراع سياسي انتهى بتسليم قزم يصلي نحو البيض الأبيض..والتي كلفت سوريا عشرات الدبابات ومئات الجنود في أيلول الأسود، والتي سلمت قزما أخضر في بلد مجنون طاحت قواه تحت سنوات من العقوبات لأجل تفجير طائرة لم يعط أي نتيجة.. أو سلمت قزما آخر في بلد زج بشعبه في حروب استمرت أكثر من عشرين عاما وانتهت باقتلاعه كالفأر بعد أن باع جزء من شعبه نفسه للشيطان..
خلاصة الأمر... في المرة القادمة وعندما يُطلب مني إصلاح جهاز صيني... سأكسره فورا واستبدله بجهاز ياباني... أو حتى أمريكي... ويل#ن أبو المقاطعة!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق