انتشرت في حارات حلب القديمة أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا صفة "الزكرت" وهي كلمة – لا أدري ما أصلها- ترمز إلى الرجل الشرقي الذي تعتبر كلمته ميثاقا ونظرته كحد السيف، ومثيلتها في اللهجة الدمشقية كلمة "قبضاي" والتي لا أدري لها أصلا كذلك..
كما انتشرت صفة مختار الحارة وهو كبيرها في السن والقدر، كانت الحكومة الفرنسية تعرف ما لحاملي هاتين الصفتين من معنى في قلوب سكان مدينة حلب، لذا كانت تتجنب الاحتكاك بهم أو معاقبتهم على فعل فعلوه، بل كانت تقرب بعض "الزكرتاوية" وتكرمهم اتقاء لشرهم..
في ذلك اليوم مر أبو عبدو من جانب شرطي فرنسي يلازمه شرطي من الدرك السوري ..وأغلبهم من الجنسيات غير العربية التي تجنست بالجنسية السورية أيامها كالأرمن ، أو من المسيحيين الذين كانوا –وما زال أغلبهم – ينظر لفرنسا على أنها أم تحتضنهم لا على أنها دولة محتلة- كان أبو عبدو الزكرت ينظر لهؤلاء السوريين الذين يعملون في الشرطة الفرنسية على أنهم خونة ويجب عقابهم، لذا لم يتردد أبدا في أن يبصق على حذاء الدركي. وكأن الدركي استمد القوة من وجود الشرطي الفرنسي بجواره فامسك بـ"قبة" قمباز أبي عبدو وهزها بقوة طالبا من أبو عبدو الاعتذار... لكن الدم خرج فجأة بغزارة من فمه وسقط أرضا يتلوى من الألم... فأبو عبدو الزكرت لم يتردد لحظة في إخراج خنجره ودسه بين أحشاء هذا الخائن الذي تطاول عليه وسمح لنفسه بلمس ياقة رداءه..
اسقط في يد الشرطي الفرنسي... فالتعليمات صارمة بألا يتعرض لأي "زكرت" لأنه بذلك يستثير حفيظة بقية الزكرتاوية عليه مما يعني جعل الشرطة الفرنسية هدفا لغزوات هؤلاء الذين يعتبرون قتل البشر لأسباب أخلاقية من الرجولة..إلا أنه شهد مقتل زميل له أمامه... لكن أبو عبدو خلصه من القضية إذ اختفى عن الأعين بملح البصر، فهو كذلك لا يريد أن يتورط مع الحكومة الفرنسية ولا أن يصبح طريدها..
لسوء حظ أبي عبدو فإن رئيس شرطة الاحتلال في تلك الفترة في حلب كان ضابطا فرنسيا شابا، أراد أن يعيد للدولة الفرنسية هيبتها، فقرر إعلان " ابا عبدو" على أنه طريد العدالة..وطلب من مختار الحارة تسليمه لها... لكن مختار الحارة رفض.. فقرر الضابط أن يحاصر الحارة حتى تسلم أبا عبدو... وبلغ المختار رسميا أنه سيعطيه مهلة أسبوع قبل أن يغلق الحارة نهائيا لمدة شهرين سواء سلّموا أبا عبدو أم لا..كما أعلن عن جائزة مجزية لمن يسلم أبا عبدو أو يبلغ عن مكانه أو حتى يقتله..
في يوم كان ابو عبدو يمشي في الحارة مع زكرتاوي صديق له اسمه أبا عقيل، وفجأة ظهر من أحدى الحارات دركي شاب يحمل مسدسا وصوّبه تجاه أبا عبدو طالبا منه أن يسير أمامه، وبسرعة البرق كان أبا عقيل قد أمسك الدركي من زناره ورماه أرضا، ثم أخذ منه سلاحه، وللسخرية من فرنسا أجبره هو وأبا عبدو على خلع كامل ملابسه ثم أعطاه علما فرنسيا صغيرا ليستر به دبره أثناء مغادرته الحارة.. وهكذا أصبح اسم أبا عقيل على اللائحة الفرنسية كإرهابي كبير يجب قتله أو اعتقاله..
خرج أبا عبدو في اليوم التالي لنبأ وضع أبا عقيل على لائحة الإرهاب مع أبناءه وأبناء عمومته ورفقاءه في مظاهرة لينددوا بالاحتلال الفرنسي وبالقرارت التعسفية مطالبين بمحاكمة الضابط الفرنسي المعتدي.. وأثناء المظاهرة مر أبو عقيل في الشارع فناداه أبو عبدو ليشاركهم نضالهم فرد بأنه مشغول.. كان ابو عقيل ذاهبا ليشتري المؤن من عند اسحاق المرابي (وهو من عائلة يهودية* أعلنت إسلامها أثناء الحكم العثماني)، وطلب من أبي عبدو الذهاب معه لكنه رفض مفضلا المظاهرة على ذلك..بقي أبو عبدو يندد حتى اعتلّ صوته، ثم عاد للمنزل مرهقا فنام للصباح..
في الصباح، ولتدارس الوضع، جمع مختار الحارة أهل الحارة في ساحة القهوة المحلية.. وبدأ يخطب فيهم ذاكرا أبا عبدو وخدماته للحارة وكيف أنه انتصر للمظلوم وقتل الدركي ليرفع رأس أهل البلد ويعيد عزتها.. ومن بين أصوات المهللين والمكبرين ظهر صوت اسحق ليطالب بتسليم أبا عبدو حقنا للدماء ولمنع كارثة أن تحل بالحارة.. منبها إلى قوة الشرطة الفرنسية وإلى أنها ستقصفهم بالطيران والمدافع إذا لم يستجيبوا لها..توقع أبا عبدو أن يبصق الكل في وجهه.. لكنه فوجئ ببعض شباب الحارة ينادون بمثل ما ينادي به اسحق.. قائلين أنهم غير مضطرين لدفع ثمن جريمة إرهابية ارتكبها أبو عبدو الزكرت ليثبت لفرنسا شيئا هم غير راضين عنه.. وقام خطيبهم يندد بالعمل الإرهابي ويتهم ابو عبدو بأنه يشوّه صورة الحارة المسالمة ... وبسرعة قام مختار الحارة مغضبا وطردهم من الجلسة متأسفا على أهليهم الذين لم يعرفوا كيف يربوّهم..
حزّ الألم في نفس ابو عبدو ، وما أن حانت منه التفاته رأى فيها ابا عقيل حتى بادره بالكلام قائلا: شفت يا ابو عقيل، صرنا إرهابيين ولازم يسلمونا للدرك!!..
رد أبو عقيل:ومن عمبيقول هيك؟ أجابه أبو عبدو مستهزئا: حسّان وخالد وعبدالسلام! وهنا تدخل المختار: ولكن الحق يقال.. لقد بدأ اسحق هذا الكلام.. فرد أبو عبدو بسرعة: بس الكلام منه ما بيجرح.. مو مثل الكلام من حسان وخالد!
هز ابو عقيل رأسه قائل: سيدي.. يقولوا اللي بدهم ياه... فغدا لناظره قريب!
ومن بعيد سمع أبو عبدو تهليل الناس وتكبيرهم.. لقد حضر فخري بيك عضو البرلمان ليحيي أهالي حارته ويتضامن معهم.. كان فخري بيك علمانيا شرسا درس في فرنسا وعاد مبشرا بأفكار الثورة الفرنسية، ولما احتلت فرنسا سوريا قام وندد بالاحتلال وكتب عدة مقالات في جرائد عالمية تندد بفرنسا.. ولم تخلص منه فرنسا إلا عندما عيّنته عضوا في البرلمان
وقف فخري بيك في أهل الحارة خطيبا قائلا: نحن يا أخوة مصيرنا الاشتراكية، وقدرنا العلمانية.. نحن نحكم الشعب باسم الشعب. قوانيننا مستمدة من الشعب، وكما أنكم تؤمنون بقدرة الله على تغيير أحوالكم بدعائكم له.. نحن نؤمن بقدرتكم على تغيير أحوالكم وأحوالنا بالدعاء لنا وانتخابنا للمجلس البلدي!.. وكما أنكم لا تتذكرون الله إلا في وقت المحن والشدات وعندما تحتاجون منه شيئا... كذلك نحن... لا نتذكر وجودكم ومشاكلكم إلا في أوقات المحن .. فنأت إليكم لنعدكم بحل مشاكلكم..ونطلب إليكم أن تدعمونا في الانتخابات.. فلا خير في صوت ابن الحارة إذا لم يستمد شرعيته من انتخاب أبناء الحارة له..
الخطيب الثالث كان إمام مسجد الحارة... خطب فيهم خطبة عصماء ذكرهم فيها بجهاد النبي وآل البيت والصحابة، وربط محنة الحارة بمحنة حبس بني هاشم في شعاب مكة.. وكيف.. وكيف.. وكيف..
وبينما هو يجلجل ويرعد على المنبر –وهو عبارة عن طاولة من طاولات القهوة – نظر إليه فخر بيك وقال: ألا ترى يا سيدنا انك تحرّض على الارهاب بحديثك هذا عن إعادة أمجاد الأمة ودحر الأعداء وقتال الكفار جميعا؟؟
نظر الخطيب بوجه فخري بيك.. ثم نظر في أوراقه.. ثم قال بصوت خفيض: والله بيجوز!... لملم أوراقه بسرعة ونزل من على المنبر..
آخر خطيب كان أبا عبدو.. تحدث باللهجة العامية وبلغة الزكرتاوية، طلب لأبناء الحارة أن يمدوه ويدعموه في محنته.. وذكرهم بأيام وقف فيها إلى جانبهم ضد أبناء الحارات المجاورة..وهنا قفز أبو أحمد من كرسيه وأخرج نفس "الأركيلة" من أنفه وفمه قائلا: إمو خسا!... خسا على الرجال ما تفديك بالروح يا أبو عبدو!
زلزلت هذه الكلمة أركان القهوة.. وقام الناس يهدرون كالبلدوزر بروح أبو عبدو.. وازداد التصفيق والعياط والتصفير والهدير .. واهتزت أركان القهوة أكثر فأكثر حتى ظهر "قادوس" بلدوزر الشرطة الفرنسية وهو ممتلئ بحطام الركن الشرقي من القهوة..فعلا الهدير أكثر وأكثر .. وتدافع الناس هاربين من القهوة التي دمرت تماما وأغلقت لأنها ..تحرض على الإرهاب وتدعمه!
وفي صباح اليوم التالي خرج أبو عبدو وأبو أحمد و أولادهما وأبناء عمومتهما وخؤؤلتهما في مسيرة حاشدة تطالب بزوال الأجنبي... ولما لمح أبو عبدو ابا عقيل يحمل كيسا من القمح على ظهره ناداه: هلق وقتك! تعال شاركنا المسيرة!) لكن ابا عقيل لم يلتفت لنداء أبي عبدو بل ظل ماشيا في طريقه..
في المساء وعلى طاولة العشاء جلس أبا عقيل مع زوجته... قال لها: يا مرا.. حوالينا أربع بيوت.. بيت أبو أحمد وبيت أبو خالد.. وبيت أبو صبحي .. وهم من لحم الرقبة... بس أنا و أبو ياسين من زمان متقاتلين وما بنحكي مع بعض.. يعني إذا إجا الفرنسي وحاصر البيت ما بقدر أهرب إلا من الأطراف التلاتة.. وممكن ابو ياسين يسمح للفرنسي يهاجم البيت من سطح بيته..أنا لازم ألاقي حل!
قالت له أم عقيل: ليش ما بتروح بتصالحه بحجة المودة والتكاتف بينكم في أيام المحنة.. والناس رح تشوف موقفك هذا رجولة مو ضعف!! خذلك بإيدك كيلو بقلاوة وروح لعنده...
أعجب أبو عقيل بالفكرة وقام لتنفيذها في الصباح الباكر.. وهكذا عادت المياه لمجاريها بل عرف أبو عقيل أن أبا ياسين كان ينوي زيارته ليطلب الصلح وليبدي تكاتفه معه.. لكن كبرياءه كان يمنعه من ذلك..
قامت الشرطة الفرنسية في اليوم التالي بإغلاق الحارة ومنع التجول .. اضطر مختار الحارة بعد يومين أن يتوسط لدى الحاكم الفرنسي ليوقف الحصار على أن يحظى ابو عبدو بـ"محاكمة عادلة" من قبل الاحتلال ... وما لبث أبو عبدو أن خرج بعد ثلاثة أيام رافعا سراويله الداخلية على عصا المكنسة دليل الاستسلام..وقد نفذت مؤونته القليلة من الطعام والشراب وبات أولاده يبكون من الجوع.. وأخذه الدرك –بدون سراويل- إلى السجن... بينما لم يستطع أحد الدخول إلى بيت أبي عقيل واعتقاله لأن أهالي البيوت الأربعة رفضوا السماح للدرك بدخول بيت أبي عقيل من أسطحتهم..
وعلى الرغم من أن اسحق أعلن انه لن يبيع ولو حبة قمح للإرهابي أبا عقيل، لم يحتج أبو عقيل لشراء ولا حبة قمح من عنده، فقد تعرفت زوجته وعن طريق جيران في الحارة المقابلة عبر أسطحة البيوت- إلى بقالية يملكها شيخ ورع يبيع نفس البضاعة بسعر أرخص بكثير، وصارت تشتري لها ولبقية عوائل الحارة من عنده، بل صارت تشتري القمح وتطحنه بنفسها .. وتعلمت نساء الحارة كيف يصنعن ألبسة الصوف والأشغال الأخرى ويبيعوها عبر دكان هذا الشيخ.. وعلى الرغم من عروض الأسعار التي قدمها فيما بعد اسحق المرابي.. بقيت الحارة تقاطع دكانه حتى أفلس..فغادر الحارة إلى غير رجعة!
وللسخرية ظهرت نتائج الانتخابات وقد فاز ابو عقيل –رغم أن اسمه لم يدرج في لوائح المرشحين-بأغلبية أصوات المرشحين، بينما لم يحصل فخري بيك إلا على صوت اسحق و حسّان وخالد وعبدالسلام!!
ملت القوات الفرنسية من محاصرة الحارة، بل رأت أن حصارها بدأ يقوي أواصر الصلات بين أبناء الحارة، وبدا يجعلهم يعتمدون على أنفسهم ويتخلون عن مظاهر الحضارة الفرنسية ليعودوا لمنتجاتهم الوطنية التي استخدمها وتعود عليها آباؤهم.. فقررت رفع الحصار.. ثم صدر عفو عام عن أبو عبدو وأبو عقيل بعد أن رأت فرنسا أنهما أصبحا رمزا للبطولة.... وحاولت كثيرا تشويه صورتهما عبر عملائها في الحارة لكنها فشلت..
خرج أبو عبدو من السجن بعد شهر من إعلان العفو ليجد أبا عقيل وقد أصبح مختار الحارة.. وهنا ركض وجمع أبناءه وأبناء عمومته وأبناء أبو أحمد وأبناء عمومة أبي أحمد وخرج في مسيرة تأييد حاشدة لأبي عقيل!
كما انتشرت صفة مختار الحارة وهو كبيرها في السن والقدر، كانت الحكومة الفرنسية تعرف ما لحاملي هاتين الصفتين من معنى في قلوب سكان مدينة حلب، لذا كانت تتجنب الاحتكاك بهم أو معاقبتهم على فعل فعلوه، بل كانت تقرب بعض "الزكرتاوية" وتكرمهم اتقاء لشرهم..
في ذلك اليوم مر أبو عبدو من جانب شرطي فرنسي يلازمه شرطي من الدرك السوري ..وأغلبهم من الجنسيات غير العربية التي تجنست بالجنسية السورية أيامها كالأرمن ، أو من المسيحيين الذين كانوا –وما زال أغلبهم – ينظر لفرنسا على أنها أم تحتضنهم لا على أنها دولة محتلة- كان أبو عبدو الزكرت ينظر لهؤلاء السوريين الذين يعملون في الشرطة الفرنسية على أنهم خونة ويجب عقابهم، لذا لم يتردد أبدا في أن يبصق على حذاء الدركي. وكأن الدركي استمد القوة من وجود الشرطي الفرنسي بجواره فامسك بـ"قبة" قمباز أبي عبدو وهزها بقوة طالبا من أبو عبدو الاعتذار... لكن الدم خرج فجأة بغزارة من فمه وسقط أرضا يتلوى من الألم... فأبو عبدو الزكرت لم يتردد لحظة في إخراج خنجره ودسه بين أحشاء هذا الخائن الذي تطاول عليه وسمح لنفسه بلمس ياقة رداءه..
اسقط في يد الشرطي الفرنسي... فالتعليمات صارمة بألا يتعرض لأي "زكرت" لأنه بذلك يستثير حفيظة بقية الزكرتاوية عليه مما يعني جعل الشرطة الفرنسية هدفا لغزوات هؤلاء الذين يعتبرون قتل البشر لأسباب أخلاقية من الرجولة..إلا أنه شهد مقتل زميل له أمامه... لكن أبو عبدو خلصه من القضية إذ اختفى عن الأعين بملح البصر، فهو كذلك لا يريد أن يتورط مع الحكومة الفرنسية ولا أن يصبح طريدها..
لسوء حظ أبي عبدو فإن رئيس شرطة الاحتلال في تلك الفترة في حلب كان ضابطا فرنسيا شابا، أراد أن يعيد للدولة الفرنسية هيبتها، فقرر إعلان " ابا عبدو" على أنه طريد العدالة..وطلب من مختار الحارة تسليمه لها... لكن مختار الحارة رفض.. فقرر الضابط أن يحاصر الحارة حتى تسلم أبا عبدو... وبلغ المختار رسميا أنه سيعطيه مهلة أسبوع قبل أن يغلق الحارة نهائيا لمدة شهرين سواء سلّموا أبا عبدو أم لا..كما أعلن عن جائزة مجزية لمن يسلم أبا عبدو أو يبلغ عن مكانه أو حتى يقتله..
في يوم كان ابو عبدو يمشي في الحارة مع زكرتاوي صديق له اسمه أبا عقيل، وفجأة ظهر من أحدى الحارات دركي شاب يحمل مسدسا وصوّبه تجاه أبا عبدو طالبا منه أن يسير أمامه، وبسرعة البرق كان أبا عقيل قد أمسك الدركي من زناره ورماه أرضا، ثم أخذ منه سلاحه، وللسخرية من فرنسا أجبره هو وأبا عبدو على خلع كامل ملابسه ثم أعطاه علما فرنسيا صغيرا ليستر به دبره أثناء مغادرته الحارة.. وهكذا أصبح اسم أبا عقيل على اللائحة الفرنسية كإرهابي كبير يجب قتله أو اعتقاله..
خرج أبا عبدو في اليوم التالي لنبأ وضع أبا عقيل على لائحة الإرهاب مع أبناءه وأبناء عمومته ورفقاءه في مظاهرة لينددوا بالاحتلال الفرنسي وبالقرارت التعسفية مطالبين بمحاكمة الضابط الفرنسي المعتدي.. وأثناء المظاهرة مر أبو عقيل في الشارع فناداه أبو عبدو ليشاركهم نضالهم فرد بأنه مشغول.. كان ابو عقيل ذاهبا ليشتري المؤن من عند اسحاق المرابي (وهو من عائلة يهودية* أعلنت إسلامها أثناء الحكم العثماني)، وطلب من أبي عبدو الذهاب معه لكنه رفض مفضلا المظاهرة على ذلك..بقي أبو عبدو يندد حتى اعتلّ صوته، ثم عاد للمنزل مرهقا فنام للصباح..
في الصباح، ولتدارس الوضع، جمع مختار الحارة أهل الحارة في ساحة القهوة المحلية.. وبدأ يخطب فيهم ذاكرا أبا عبدو وخدماته للحارة وكيف أنه انتصر للمظلوم وقتل الدركي ليرفع رأس أهل البلد ويعيد عزتها.. ومن بين أصوات المهللين والمكبرين ظهر صوت اسحق ليطالب بتسليم أبا عبدو حقنا للدماء ولمنع كارثة أن تحل بالحارة.. منبها إلى قوة الشرطة الفرنسية وإلى أنها ستقصفهم بالطيران والمدافع إذا لم يستجيبوا لها..توقع أبا عبدو أن يبصق الكل في وجهه.. لكنه فوجئ ببعض شباب الحارة ينادون بمثل ما ينادي به اسحق.. قائلين أنهم غير مضطرين لدفع ثمن جريمة إرهابية ارتكبها أبو عبدو الزكرت ليثبت لفرنسا شيئا هم غير راضين عنه.. وقام خطيبهم يندد بالعمل الإرهابي ويتهم ابو عبدو بأنه يشوّه صورة الحارة المسالمة ... وبسرعة قام مختار الحارة مغضبا وطردهم من الجلسة متأسفا على أهليهم الذين لم يعرفوا كيف يربوّهم..
حزّ الألم في نفس ابو عبدو ، وما أن حانت منه التفاته رأى فيها ابا عقيل حتى بادره بالكلام قائلا: شفت يا ابو عقيل، صرنا إرهابيين ولازم يسلمونا للدرك!!..
رد أبو عقيل:ومن عمبيقول هيك؟ أجابه أبو عبدو مستهزئا: حسّان وخالد وعبدالسلام! وهنا تدخل المختار: ولكن الحق يقال.. لقد بدأ اسحق هذا الكلام.. فرد أبو عبدو بسرعة: بس الكلام منه ما بيجرح.. مو مثل الكلام من حسان وخالد!
هز ابو عقيل رأسه قائل: سيدي.. يقولوا اللي بدهم ياه... فغدا لناظره قريب!
ومن بعيد سمع أبو عبدو تهليل الناس وتكبيرهم.. لقد حضر فخري بيك عضو البرلمان ليحيي أهالي حارته ويتضامن معهم.. كان فخري بيك علمانيا شرسا درس في فرنسا وعاد مبشرا بأفكار الثورة الفرنسية، ولما احتلت فرنسا سوريا قام وندد بالاحتلال وكتب عدة مقالات في جرائد عالمية تندد بفرنسا.. ولم تخلص منه فرنسا إلا عندما عيّنته عضوا في البرلمان
وقف فخري بيك في أهل الحارة خطيبا قائلا: نحن يا أخوة مصيرنا الاشتراكية، وقدرنا العلمانية.. نحن نحكم الشعب باسم الشعب. قوانيننا مستمدة من الشعب، وكما أنكم تؤمنون بقدرة الله على تغيير أحوالكم بدعائكم له.. نحن نؤمن بقدرتكم على تغيير أحوالكم وأحوالنا بالدعاء لنا وانتخابنا للمجلس البلدي!.. وكما أنكم لا تتذكرون الله إلا في وقت المحن والشدات وعندما تحتاجون منه شيئا... كذلك نحن... لا نتذكر وجودكم ومشاكلكم إلا في أوقات المحن .. فنأت إليكم لنعدكم بحل مشاكلكم..ونطلب إليكم أن تدعمونا في الانتخابات.. فلا خير في صوت ابن الحارة إذا لم يستمد شرعيته من انتخاب أبناء الحارة له..
الخطيب الثالث كان إمام مسجد الحارة... خطب فيهم خطبة عصماء ذكرهم فيها بجهاد النبي وآل البيت والصحابة، وربط محنة الحارة بمحنة حبس بني هاشم في شعاب مكة.. وكيف.. وكيف.. وكيف..
وبينما هو يجلجل ويرعد على المنبر –وهو عبارة عن طاولة من طاولات القهوة – نظر إليه فخر بيك وقال: ألا ترى يا سيدنا انك تحرّض على الارهاب بحديثك هذا عن إعادة أمجاد الأمة ودحر الأعداء وقتال الكفار جميعا؟؟
نظر الخطيب بوجه فخري بيك.. ثم نظر في أوراقه.. ثم قال بصوت خفيض: والله بيجوز!... لملم أوراقه بسرعة ونزل من على المنبر..
آخر خطيب كان أبا عبدو.. تحدث باللهجة العامية وبلغة الزكرتاوية، طلب لأبناء الحارة أن يمدوه ويدعموه في محنته.. وذكرهم بأيام وقف فيها إلى جانبهم ضد أبناء الحارات المجاورة..وهنا قفز أبو أحمد من كرسيه وأخرج نفس "الأركيلة" من أنفه وفمه قائلا: إمو خسا!... خسا على الرجال ما تفديك بالروح يا أبو عبدو!
زلزلت هذه الكلمة أركان القهوة.. وقام الناس يهدرون كالبلدوزر بروح أبو عبدو.. وازداد التصفيق والعياط والتصفير والهدير .. واهتزت أركان القهوة أكثر فأكثر حتى ظهر "قادوس" بلدوزر الشرطة الفرنسية وهو ممتلئ بحطام الركن الشرقي من القهوة..فعلا الهدير أكثر وأكثر .. وتدافع الناس هاربين من القهوة التي دمرت تماما وأغلقت لأنها ..تحرض على الإرهاب وتدعمه!
وفي صباح اليوم التالي خرج أبو عبدو وأبو أحمد و أولادهما وأبناء عمومتهما وخؤؤلتهما في مسيرة حاشدة تطالب بزوال الأجنبي... ولما لمح أبو عبدو ابا عقيل يحمل كيسا من القمح على ظهره ناداه: هلق وقتك! تعال شاركنا المسيرة!) لكن ابا عقيل لم يلتفت لنداء أبي عبدو بل ظل ماشيا في طريقه..
في المساء وعلى طاولة العشاء جلس أبا عقيل مع زوجته... قال لها: يا مرا.. حوالينا أربع بيوت.. بيت أبو أحمد وبيت أبو خالد.. وبيت أبو صبحي .. وهم من لحم الرقبة... بس أنا و أبو ياسين من زمان متقاتلين وما بنحكي مع بعض.. يعني إذا إجا الفرنسي وحاصر البيت ما بقدر أهرب إلا من الأطراف التلاتة.. وممكن ابو ياسين يسمح للفرنسي يهاجم البيت من سطح بيته..أنا لازم ألاقي حل!
قالت له أم عقيل: ليش ما بتروح بتصالحه بحجة المودة والتكاتف بينكم في أيام المحنة.. والناس رح تشوف موقفك هذا رجولة مو ضعف!! خذلك بإيدك كيلو بقلاوة وروح لعنده...
أعجب أبو عقيل بالفكرة وقام لتنفيذها في الصباح الباكر.. وهكذا عادت المياه لمجاريها بل عرف أبو عقيل أن أبا ياسين كان ينوي زيارته ليطلب الصلح وليبدي تكاتفه معه.. لكن كبرياءه كان يمنعه من ذلك..
قامت الشرطة الفرنسية في اليوم التالي بإغلاق الحارة ومنع التجول .. اضطر مختار الحارة بعد يومين أن يتوسط لدى الحاكم الفرنسي ليوقف الحصار على أن يحظى ابو عبدو بـ"محاكمة عادلة" من قبل الاحتلال ... وما لبث أبو عبدو أن خرج بعد ثلاثة أيام رافعا سراويله الداخلية على عصا المكنسة دليل الاستسلام..وقد نفذت مؤونته القليلة من الطعام والشراب وبات أولاده يبكون من الجوع.. وأخذه الدرك –بدون سراويل- إلى السجن... بينما لم يستطع أحد الدخول إلى بيت أبي عقيل واعتقاله لأن أهالي البيوت الأربعة رفضوا السماح للدرك بدخول بيت أبي عقيل من أسطحتهم..
وعلى الرغم من أن اسحق أعلن انه لن يبيع ولو حبة قمح للإرهابي أبا عقيل، لم يحتج أبو عقيل لشراء ولا حبة قمح من عنده، فقد تعرفت زوجته وعن طريق جيران في الحارة المقابلة عبر أسطحة البيوت- إلى بقالية يملكها شيخ ورع يبيع نفس البضاعة بسعر أرخص بكثير، وصارت تشتري لها ولبقية عوائل الحارة من عنده، بل صارت تشتري القمح وتطحنه بنفسها .. وتعلمت نساء الحارة كيف يصنعن ألبسة الصوف والأشغال الأخرى ويبيعوها عبر دكان هذا الشيخ.. وعلى الرغم من عروض الأسعار التي قدمها فيما بعد اسحق المرابي.. بقيت الحارة تقاطع دكانه حتى أفلس..فغادر الحارة إلى غير رجعة!
وللسخرية ظهرت نتائج الانتخابات وقد فاز ابو عقيل –رغم أن اسمه لم يدرج في لوائح المرشحين-بأغلبية أصوات المرشحين، بينما لم يحصل فخري بيك إلا على صوت اسحق و حسّان وخالد وعبدالسلام!!
ملت القوات الفرنسية من محاصرة الحارة، بل رأت أن حصارها بدأ يقوي أواصر الصلات بين أبناء الحارة، وبدا يجعلهم يعتمدون على أنفسهم ويتخلون عن مظاهر الحضارة الفرنسية ليعودوا لمنتجاتهم الوطنية التي استخدمها وتعود عليها آباؤهم.. فقررت رفع الحصار.. ثم صدر عفو عام عن أبو عبدو وأبو عقيل بعد أن رأت فرنسا أنهما أصبحا رمزا للبطولة.... وحاولت كثيرا تشويه صورتهما عبر عملائها في الحارة لكنها فشلت..
خرج أبو عبدو من السجن بعد شهر من إعلان العفو ليجد أبا عقيل وقد أصبح مختار الحارة.. وهنا ركض وجمع أبناءه وأبناء عمومته وأبناء أبو أحمد وأبناء عمومة أبي أحمد وخرج في مسيرة تأييد حاشدة لأبي عقيل!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق