بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
يسوؤني كما يسوء الكثير ممن يعملون في مجال الدعوة الإسلامية على الإنترنت وغير الإنترنت وجود الخلافات العقدية البسيطة التي يجعلها المشككون وأنصاف الدعاة فروقا شاسعة كافية لتدخل الإنسان النار أو تحرمه من الجنة، و يؤسفني تدخل بعض أولئك الذين يفهمون عقيدة الولاء والبراء بشكل مقيت في سير الدعوة الإسلامية بحيث تنقلب عداء للمسلمين ولمن يقتربون من الإسلام من غير المسلمين، وقد تعرضت أنا نفسي لكثير من هجوماتهم بينما كنت أحاول تقريب بعض المفاهيم الإسلامية لأذهان غير المسلمين وخصوصا الأمريكيين الذين يتميزون عن غيرهم بضعف الثقافة وتغلب عواطفهم على عقولهم، وكنت قد بقيت سنتين أجادل بعض المسيحيين الصليبيين على الانترنت في أحد منتديات شركة ياهو الأمريكية، وقد وفقني الله وأقتنع الكثير من المسيحيين غير الصليبيين في هذا المنتدى من الأمريكيين وغيرهم بأن الإسلام دين سماوي وليس بدعة ابتدعها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبقي عليهم التعرف إلى هذا الدين بشكل أقرب، ولما كان هذا يتطلب جوا من الهدوء والتسامح وحرية الفكر بعيدا عن ضوضاء المشككين من جماعة التنصير، افتتحت لنفسي مجموعة خاصة ودعوت إليها كل هؤلاء الذين وجدت في نفوسهم هدوءا وموضوعية بحيث يمكنني على الأقل وإن لم استطع جعلهم مسلمين، أن اجعلهم دعاة إلى الإسلام عبر تصحيحهم للغير من أصدقاءهم المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، وانضم إلى مجموعتي بعض الشباب ممن توسمت فيهم الصلاح، ولكنني فوجئت بأحدهم يطلب مني عدم مخاطبة أحدى الأخوات المسيحيات بلقب "أختاه"، رغم أنني كنت قد توصلت إلى مراحل رائعة معها أقرت فيها بصواب القرآن وبتحريف الكتاب المقدس بل كانت تبحث لها عن زوج مسلم ليهديها الله إلى الإسلام على يديه وتتعلم منه الإسلام حيث كان من الصعب لها اتخاذ قرار صعب كالإسلام وهي تسكن مع أهلها، ولما أوضحت له أنها معنا وتقر بديننا عاود ليطالبني بأن ادعوها ما شئت إلا لقب "أختاه" فهذا اللقب – بزعمه - مخصص للمسلمين (الذين نحبهم)، ولما رفضت إلا أن ألقبها بهذا اللقب نعتي بأشد الألفاظ، وكان منهاجه في هذا مفهوم الولاء و البراء، فهو تبرأ مني لأنني (واليت) المشركين حسب زعمه، رغم أن الفتاة لم تكن من أهل التثليث، بل كانت قد ارتدت منذ زمن عن فكر التثليث إلى فكر التوحيد هي وعائلتها (بما يدعى البروتستانتية)!!! وقد أصيبت الفتاة بصدمة كبيرة وهي تتعامل مع مثل هذا المنطق، وزادها ألما محاولتها فهم الإسلام من مصادره المباشرة (من المواقع السلفية) وفوجئت بهم يطردونها شر طردة، ولم يتلقها بالأحضان إلا فئتان، الشيعة والقاديانية !!! حاولت بشدة أن أبين لها أن هؤلاء الذين تعاملوا معها بعنف هم فئة من المسلمين ممن حجب الله عنهم نور المحبة فأصبحوا يكرهون كل المسلمين وغير المسلمين ممن لا ينتمون إلى فكرهم، وأن ما عليها إلا أن تتجاوزهم، وأننا نحن الأغلبية من المسلمين هم من يمثل الإسلام الحق، لكنها أهملت جوابي ببساطة، و اضطررت فيما بعد لإلغاء المنتدى لكثرة ما تعرضت له من هجومات مماثلة!
راسلتني بعد عدة أشهر ودعتني لمجموعة على الانترنت اكتشفت فيما بعد أنها أسستها هي وجماعة من القاديانيين، ولما بينت لهم بالدليل القاطع خطأ مذهبهم (وهم يعتقدون بالقرآن فقط وينفون الحديث برمته يقولون بجواز استنباط الأحكام من القرآن المترجم وغير هذا من الأفكار الضالة) كان رد فعلها باردا وقالت لي إن لم يعجبك هذا النمط من الإسلام فما عليك إلا أن تتجاوز ما يقوله البعض، وذكرتني بجوابها هذا بما قلته لها عن هؤلاء، وراحت نداءاتي لها أدراج الرياح فقد أصبحت مقتنعة تماما بما يقوله هؤلاء! وبأن الإسلام الذي هو دين محبة وإخاء لا يمكن أن يكون بين هؤلاء الذين طردوها وهي تبحث بينهم عن دين الله!
موقف آخر آلمني في عمرتي الثانية، عندما التقيت في الحافلة وأنا في طريقي إلى مكة بأخ تركي لا يتحدث العربية، وطلب إلى أن أعينه في فهم أصول العمرة وما يقوله حراس الحرم المكي وغير هذا مما يتطلب فهم اللغة العربية، ووجدتها فرصة لأتعرف إلى وضع الإسلام في تركيا، وقد كان هذا الرجل صريحا معي فحدثني عن مذهبه الصوفي (وهو من جماعة المولوية من أتباع جلال الدين الرومي) وكيف كان قد حج في السبعينيات (1395هجري) و..و.. وعندما أخبرني عن حجته وكيف كانت وكيف كان شيخه قد أخبره الكثير عن الرسول صلى الله عليه وسلم شعرت أنه كاد يبكي، وكان مجهزا نفسه للقاء حميم مع رسول الله يعاهد فيه الرسول عند قبره على إتباعه كما أمر و وأراني وريقات فيها أصول الزيارة وأدعية وغيرها، ناقشت هذا الرجل العجوز فلم أرى في نفسه أية إشراك لرسول الله فيما هو من فعل الله، لكنه كان محبا صادقا وتخيلت كيف سيكون عليه الأمر عندما يحاول الوقوف أمام قبر النبي ليعاهده، فتذرف عيناه بالدموع، فيأتي رجل شرطة ويدفعه ناعتا إياه بالمشرك!!! و لربما رحمه الله فاكتشف أن الوقت لا يكفيه للذهاب إلى المدينة فاكتفى بالعمرة وعاد!
لقد اتهمت بالتشيع لأنني تكلمت في حب آل البيت في أحد المنتديات، أو لأنني هاجمت بعض الآراء الغريبة للمتسلفين، ونعت بالمتصوف الضال عندما تحدث عن حب الرسول وضرورة أن نشعر بوجوده حولنا يشهد أعمالنا، وعندما شرحت باستفاضة أحاديث الحوض المشهورة، كما نعت بالتسلف (السلفية) عندما نقضت فكرة أن يكون الدعاء عند القبور والتوسل بالصالحين شرطا لقبول الدعاء، اتهمت بالعمالة عندما تحدث في فقه الدعوة وميزت بين مهاجمة أعداء الإسلام ومهاجمة المسيحيين الذين لا يناصبون الإسلام عداء معلنا، واتهمت بالقاديانية عندما قلت أن الحديث ولو كان موجودا في صحيح البخاري ومسلم لا يؤخذ به إذا عارض مورد نص قرآني، واتهمت بعداوة السنة بل ونقضها وحربها عندما ميزت بين ما هو سنة مؤكدة ورد فيه أحاديث واضحة متواترة كسنن الوضوء والصلاة وغيرها، وبين مجمل الأحاديث التي قد يكون فيها خطأ في النقل ولو كانت قد صحت سندا، يجب دراستها متنا و تفريدها وشرحها بل و حتى نقضها إذا خالفت ما هو عليه القرآن، وهو قول قال به الكثير من علماء السنة والحديث المنصفين، و تلقيت الكثير من الاتهامات نتيجة تبني آراء أخذ بها بعض علماء الأمة ولم تنتشر لمجرد أن صاحبها لم تعرف كتبه أو لم تعتمد كمرجع في احدى الجماعات الإسلامية، فأفكار ابن قيم عرفت لأن جماعة أهل السنة والجماعة تبنتها، وأفكار ابن العربي انتشرت لأن جماعة المتصوفة تبنتها، وأفكار فلان انتشرت لأن جماعة كذا تبنتها، وبقي الكثير من علم أساطين الإسلام مسجى في الكتب لعدم إطلاع عامة المسلمين عليه، وأصبح حمل آراء هؤلاء خروجا عن الإسلام !!!!
إن من كبار مصنفي الحديث وعلماءه من قال عن علماء حديث آخرون أنه مدلس!، ومن كبار علماء الدين من قال عن صاحب كتاب "الإتقان في علوم القرآن" أنه حاطب ليل، والكثير من علماء الفقه والحديث وغيرهم انتقدوا بعض أحاديث وردت في الصحاح وردوها وضعفوها، بل لقد وصلت النقاش بين المسلمين لدرجة أنكر فيها الكثير فكرة الناسخ والمنسوخ في القرآن، وأبطل فيها الكثير من علماءهم الكثير من آراء علماء السلف أو علماء التصوف أو علماء الأشعرية و..و.. واتسع رحب صدر الإسلام لكل هؤلاء، ولما كنا في أغلب عقيدتنا مقلدين، فلا أجد بأسا في تبني رأي أي منهم ما دامت حججه أبلغ – في منظوري- من حجج الآخرين. وفي آخر الأمر يحاسبني الله بخير إذا اجتهدت فأصبت، كما يحاسبني بخير إذا اجتهدت فأخطأت، والكثير من من ينسبون أنفسهم لجماعة السلفية ينصبون أنفسهم قائمين بأعمال الله، فيكفرون كل من قال بالتصوف، رغم أن الإمام ابن القيم له تجارب هامة في التصوف وأهمها كتابه القيم "مدارج السالكين". ويعتبر الأغلبية الساحقة من أهل السنة أن الانتماء للمذهب الجعفري ضلال ما بعده ضلال ويعتقدون أن الإمام جعفر الصادق من أئمة الضلال الذين يجب حربهم وحرب مذهبهم، ويستغرب بل ينكر الكثيرون علي عندما أؤكد لهم أن هذا الإمام هو معلم الإمام الحنفي والذي هو بدوه أحد أساتذة الإمام الشافعي والذي هو بدوره أحد أساتذة الإمام أحمد ابن حنبل!!!... لا أنكر أن المذهب الجعفري دخله الكثير من الخلط والأخطاء، لكن إذا نظرنا لإفتاء الإمام جعفر نفسه وجدناه لا يسرح بعيدا عما أفتى به بقية تلامذته من علماء السنة!. بل أن الكثير مما نسب إليه هو محض افتراء عليه، فهو لا يقول بالخمس ولا يقول بزواج المتعة ويحرمهما، كما يحرم سب الصحابة ويعترف بفضل الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل إنه لا يفضل آل البيت على غيرهم من الصحابة، وغير هذا من الأمور التي تعتبر خلافيات بين السنة الشيعة.
لقد أصبح فقه الدعوة عند الكثير من المسلمين هو أن ندعو كل من قال بحب آل البيت رافضيا، وأن ندعو كل من دعا لحب الرسول متصوفا ضالا، وأن ندعو كل من دعا للنظر في موروثاتنا من الأحاديث على أساس المتن لا السند "عدوا للسنة"، وان ندعو كل من خالفنا الرأي " مضل لا يتبع هدي محمد"، وندعو كل من خالفنا في الدين "كافرا" ونكرهه، وندعو من يحاول التقريب بين مذاهب السنة "مدلسا "، ناهيك عن تكفير من يدعو لحل الأزمة المعضلة بين السنة والشيعة، فهو كافر ومصيره إلى نار جهنم و بئس المصير...ففقه الدعوة الحديث هو فقه "التسميات والتهم الجاهزة" ولعمري هذا ما أطاح ببني إسرائيل ليلعنهم الله، فهم كانوا يقتلون كل من لا يفتي على هواهم، وكانوا يأخذون من علوم علمائهم وأنبيائهم ما يريدون ويرمون بالباقي، ولعمري كلما تحدثت مع أحد هؤلاء وجدتني أتذكر الآية الكريمة:
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون(125( الأنعام
وكأني بمن أخاطبه بغير ما يدين به يضيق صدره بي وأشعر بالكره يخرج بواحا من عينيه، وليس هذا غيرة على دين الله بل ضيقا بسماع الرأي الآخر، لقد أنكر النبي أصحابه قتل رجل أعلن الشهادة تحت حد السيف، وقال لفاعلها:أاطلعت على قلبه؟" فكيف بنا ونحن ننسب بواحا تهمة الإشراك للكثير ممن قطعوا المسافات ليحجوا بيت الله ويزوروا الحرم المدني؟ وهل يحق لنا أن نطلق لقب بدعة على كل أمر يفعله المسلمون ولا نجد له نصا صريحا في السنة أو القرآن؟ ألم تصبح كلمة "بدعة" سيف يجز به بعض دعاة التدين رؤوس المسلمين؟ ألم تصبح فكرة الولاء والبراء محكمة تفتيش يرسل عبرها الكثير من المؤمنين إلى الموت؟ أليس فقه التصحيح أصلح لوضع أمتنا من فقه التفريق والتمييز؟
إن فقه الدعوة يمر بمرحلة خطيرة نعادي فيها بعضنا البعض، ولقد أخفقت دعوة الإخوان المسلمين عندما تجاوزت هذه الفوارق المذهبية والفكرية وادعت أنها حركة فكرية اجتماعية سياسية وليست مذهبا دينيا، فقد تفككت من الداخل قبل أن يضربها العدو من الخارج، ورأينا الكثير من قياداتها يتفرق بعضهم عن بعض، ويفتي بعضهم بغير ما يؤمن بعضهم الآخر، والكثير من أبنائها يضرب بعضهم بعضا بناءا على اختلافات مذهبية، ولعلي أرى في التنازع الفئوي الذي ابتلى به الله المسلمين خطرا اكبر يتهدد وحدتهم ، ولعلي لي في الآية الكريمة أنسا لما يجب فعله في المرحلة القادمة:
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون( 159( الأنعام
والله أعلم.
__________________
يسوؤني كما يسوء الكثير ممن يعملون في مجال الدعوة الإسلامية على الإنترنت وغير الإنترنت وجود الخلافات العقدية البسيطة التي يجعلها المشككون وأنصاف الدعاة فروقا شاسعة كافية لتدخل الإنسان النار أو تحرمه من الجنة، و يؤسفني تدخل بعض أولئك الذين يفهمون عقيدة الولاء والبراء بشكل مقيت في سير الدعوة الإسلامية بحيث تنقلب عداء للمسلمين ولمن يقتربون من الإسلام من غير المسلمين، وقد تعرضت أنا نفسي لكثير من هجوماتهم بينما كنت أحاول تقريب بعض المفاهيم الإسلامية لأذهان غير المسلمين وخصوصا الأمريكيين الذين يتميزون عن غيرهم بضعف الثقافة وتغلب عواطفهم على عقولهم، وكنت قد بقيت سنتين أجادل بعض المسيحيين الصليبيين على الانترنت في أحد منتديات شركة ياهو الأمريكية، وقد وفقني الله وأقتنع الكثير من المسيحيين غير الصليبيين في هذا المنتدى من الأمريكيين وغيرهم بأن الإسلام دين سماوي وليس بدعة ابتدعها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبقي عليهم التعرف إلى هذا الدين بشكل أقرب، ولما كان هذا يتطلب جوا من الهدوء والتسامح وحرية الفكر بعيدا عن ضوضاء المشككين من جماعة التنصير، افتتحت لنفسي مجموعة خاصة ودعوت إليها كل هؤلاء الذين وجدت في نفوسهم هدوءا وموضوعية بحيث يمكنني على الأقل وإن لم استطع جعلهم مسلمين، أن اجعلهم دعاة إلى الإسلام عبر تصحيحهم للغير من أصدقاءهم المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، وانضم إلى مجموعتي بعض الشباب ممن توسمت فيهم الصلاح، ولكنني فوجئت بأحدهم يطلب مني عدم مخاطبة أحدى الأخوات المسيحيات بلقب "أختاه"، رغم أنني كنت قد توصلت إلى مراحل رائعة معها أقرت فيها بصواب القرآن وبتحريف الكتاب المقدس بل كانت تبحث لها عن زوج مسلم ليهديها الله إلى الإسلام على يديه وتتعلم منه الإسلام حيث كان من الصعب لها اتخاذ قرار صعب كالإسلام وهي تسكن مع أهلها، ولما أوضحت له أنها معنا وتقر بديننا عاود ليطالبني بأن ادعوها ما شئت إلا لقب "أختاه" فهذا اللقب – بزعمه - مخصص للمسلمين (الذين نحبهم)، ولما رفضت إلا أن ألقبها بهذا اللقب نعتي بأشد الألفاظ، وكان منهاجه في هذا مفهوم الولاء و البراء، فهو تبرأ مني لأنني (واليت) المشركين حسب زعمه، رغم أن الفتاة لم تكن من أهل التثليث، بل كانت قد ارتدت منذ زمن عن فكر التثليث إلى فكر التوحيد هي وعائلتها (بما يدعى البروتستانتية)!!! وقد أصيبت الفتاة بصدمة كبيرة وهي تتعامل مع مثل هذا المنطق، وزادها ألما محاولتها فهم الإسلام من مصادره المباشرة (من المواقع السلفية) وفوجئت بهم يطردونها شر طردة، ولم يتلقها بالأحضان إلا فئتان، الشيعة والقاديانية !!! حاولت بشدة أن أبين لها أن هؤلاء الذين تعاملوا معها بعنف هم فئة من المسلمين ممن حجب الله عنهم نور المحبة فأصبحوا يكرهون كل المسلمين وغير المسلمين ممن لا ينتمون إلى فكرهم، وأن ما عليها إلا أن تتجاوزهم، وأننا نحن الأغلبية من المسلمين هم من يمثل الإسلام الحق، لكنها أهملت جوابي ببساطة، و اضطررت فيما بعد لإلغاء المنتدى لكثرة ما تعرضت له من هجومات مماثلة!
راسلتني بعد عدة أشهر ودعتني لمجموعة على الانترنت اكتشفت فيما بعد أنها أسستها هي وجماعة من القاديانيين، ولما بينت لهم بالدليل القاطع خطأ مذهبهم (وهم يعتقدون بالقرآن فقط وينفون الحديث برمته يقولون بجواز استنباط الأحكام من القرآن المترجم وغير هذا من الأفكار الضالة) كان رد فعلها باردا وقالت لي إن لم يعجبك هذا النمط من الإسلام فما عليك إلا أن تتجاوز ما يقوله البعض، وذكرتني بجوابها هذا بما قلته لها عن هؤلاء، وراحت نداءاتي لها أدراج الرياح فقد أصبحت مقتنعة تماما بما يقوله هؤلاء! وبأن الإسلام الذي هو دين محبة وإخاء لا يمكن أن يكون بين هؤلاء الذين طردوها وهي تبحث بينهم عن دين الله!
موقف آخر آلمني في عمرتي الثانية، عندما التقيت في الحافلة وأنا في طريقي إلى مكة بأخ تركي لا يتحدث العربية، وطلب إلى أن أعينه في فهم أصول العمرة وما يقوله حراس الحرم المكي وغير هذا مما يتطلب فهم اللغة العربية، ووجدتها فرصة لأتعرف إلى وضع الإسلام في تركيا، وقد كان هذا الرجل صريحا معي فحدثني عن مذهبه الصوفي (وهو من جماعة المولوية من أتباع جلال الدين الرومي) وكيف كان قد حج في السبعينيات (1395هجري) و..و.. وعندما أخبرني عن حجته وكيف كانت وكيف كان شيخه قد أخبره الكثير عن الرسول صلى الله عليه وسلم شعرت أنه كاد يبكي، وكان مجهزا نفسه للقاء حميم مع رسول الله يعاهد فيه الرسول عند قبره على إتباعه كما أمر و وأراني وريقات فيها أصول الزيارة وأدعية وغيرها، ناقشت هذا الرجل العجوز فلم أرى في نفسه أية إشراك لرسول الله فيما هو من فعل الله، لكنه كان محبا صادقا وتخيلت كيف سيكون عليه الأمر عندما يحاول الوقوف أمام قبر النبي ليعاهده، فتذرف عيناه بالدموع، فيأتي رجل شرطة ويدفعه ناعتا إياه بالمشرك!!! و لربما رحمه الله فاكتشف أن الوقت لا يكفيه للذهاب إلى المدينة فاكتفى بالعمرة وعاد!
لقد اتهمت بالتشيع لأنني تكلمت في حب آل البيت في أحد المنتديات، أو لأنني هاجمت بعض الآراء الغريبة للمتسلفين، ونعت بالمتصوف الضال عندما تحدث عن حب الرسول وضرورة أن نشعر بوجوده حولنا يشهد أعمالنا، وعندما شرحت باستفاضة أحاديث الحوض المشهورة، كما نعت بالتسلف (السلفية) عندما نقضت فكرة أن يكون الدعاء عند القبور والتوسل بالصالحين شرطا لقبول الدعاء، اتهمت بالعمالة عندما تحدث في فقه الدعوة وميزت بين مهاجمة أعداء الإسلام ومهاجمة المسيحيين الذين لا يناصبون الإسلام عداء معلنا، واتهمت بالقاديانية عندما قلت أن الحديث ولو كان موجودا في صحيح البخاري ومسلم لا يؤخذ به إذا عارض مورد نص قرآني، واتهمت بعداوة السنة بل ونقضها وحربها عندما ميزت بين ما هو سنة مؤكدة ورد فيه أحاديث واضحة متواترة كسنن الوضوء والصلاة وغيرها، وبين مجمل الأحاديث التي قد يكون فيها خطأ في النقل ولو كانت قد صحت سندا، يجب دراستها متنا و تفريدها وشرحها بل و حتى نقضها إذا خالفت ما هو عليه القرآن، وهو قول قال به الكثير من علماء السنة والحديث المنصفين، و تلقيت الكثير من الاتهامات نتيجة تبني آراء أخذ بها بعض علماء الأمة ولم تنتشر لمجرد أن صاحبها لم تعرف كتبه أو لم تعتمد كمرجع في احدى الجماعات الإسلامية، فأفكار ابن قيم عرفت لأن جماعة أهل السنة والجماعة تبنتها، وأفكار ابن العربي انتشرت لأن جماعة المتصوفة تبنتها، وأفكار فلان انتشرت لأن جماعة كذا تبنتها، وبقي الكثير من علم أساطين الإسلام مسجى في الكتب لعدم إطلاع عامة المسلمين عليه، وأصبح حمل آراء هؤلاء خروجا عن الإسلام !!!!
إن من كبار مصنفي الحديث وعلماءه من قال عن علماء حديث آخرون أنه مدلس!، ومن كبار علماء الدين من قال عن صاحب كتاب "الإتقان في علوم القرآن" أنه حاطب ليل، والكثير من علماء الفقه والحديث وغيرهم انتقدوا بعض أحاديث وردت في الصحاح وردوها وضعفوها، بل لقد وصلت النقاش بين المسلمين لدرجة أنكر فيها الكثير فكرة الناسخ والمنسوخ في القرآن، وأبطل فيها الكثير من علماءهم الكثير من آراء علماء السلف أو علماء التصوف أو علماء الأشعرية و..و.. واتسع رحب صدر الإسلام لكل هؤلاء، ولما كنا في أغلب عقيدتنا مقلدين، فلا أجد بأسا في تبني رأي أي منهم ما دامت حججه أبلغ – في منظوري- من حجج الآخرين. وفي آخر الأمر يحاسبني الله بخير إذا اجتهدت فأصبت، كما يحاسبني بخير إذا اجتهدت فأخطأت، والكثير من من ينسبون أنفسهم لجماعة السلفية ينصبون أنفسهم قائمين بأعمال الله، فيكفرون كل من قال بالتصوف، رغم أن الإمام ابن القيم له تجارب هامة في التصوف وأهمها كتابه القيم "مدارج السالكين". ويعتبر الأغلبية الساحقة من أهل السنة أن الانتماء للمذهب الجعفري ضلال ما بعده ضلال ويعتقدون أن الإمام جعفر الصادق من أئمة الضلال الذين يجب حربهم وحرب مذهبهم، ويستغرب بل ينكر الكثيرون علي عندما أؤكد لهم أن هذا الإمام هو معلم الإمام الحنفي والذي هو بدوه أحد أساتذة الإمام الشافعي والذي هو بدوره أحد أساتذة الإمام أحمد ابن حنبل!!!... لا أنكر أن المذهب الجعفري دخله الكثير من الخلط والأخطاء، لكن إذا نظرنا لإفتاء الإمام جعفر نفسه وجدناه لا يسرح بعيدا عما أفتى به بقية تلامذته من علماء السنة!. بل أن الكثير مما نسب إليه هو محض افتراء عليه، فهو لا يقول بالخمس ولا يقول بزواج المتعة ويحرمهما، كما يحرم سب الصحابة ويعترف بفضل الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل إنه لا يفضل آل البيت على غيرهم من الصحابة، وغير هذا من الأمور التي تعتبر خلافيات بين السنة الشيعة.
لقد أصبح فقه الدعوة عند الكثير من المسلمين هو أن ندعو كل من قال بحب آل البيت رافضيا، وأن ندعو كل من دعا لحب الرسول متصوفا ضالا، وأن ندعو كل من دعا للنظر في موروثاتنا من الأحاديث على أساس المتن لا السند "عدوا للسنة"، وان ندعو كل من خالفنا الرأي " مضل لا يتبع هدي محمد"، وندعو كل من خالفنا في الدين "كافرا" ونكرهه، وندعو من يحاول التقريب بين مذاهب السنة "مدلسا "، ناهيك عن تكفير من يدعو لحل الأزمة المعضلة بين السنة والشيعة، فهو كافر ومصيره إلى نار جهنم و بئس المصير...ففقه الدعوة الحديث هو فقه "التسميات والتهم الجاهزة" ولعمري هذا ما أطاح ببني إسرائيل ليلعنهم الله، فهم كانوا يقتلون كل من لا يفتي على هواهم، وكانوا يأخذون من علوم علمائهم وأنبيائهم ما يريدون ويرمون بالباقي، ولعمري كلما تحدثت مع أحد هؤلاء وجدتني أتذكر الآية الكريمة:
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون(125( الأنعام
وكأني بمن أخاطبه بغير ما يدين به يضيق صدره بي وأشعر بالكره يخرج بواحا من عينيه، وليس هذا غيرة على دين الله بل ضيقا بسماع الرأي الآخر، لقد أنكر النبي أصحابه قتل رجل أعلن الشهادة تحت حد السيف، وقال لفاعلها:أاطلعت على قلبه؟" فكيف بنا ونحن ننسب بواحا تهمة الإشراك للكثير ممن قطعوا المسافات ليحجوا بيت الله ويزوروا الحرم المدني؟ وهل يحق لنا أن نطلق لقب بدعة على كل أمر يفعله المسلمون ولا نجد له نصا صريحا في السنة أو القرآن؟ ألم تصبح كلمة "بدعة" سيف يجز به بعض دعاة التدين رؤوس المسلمين؟ ألم تصبح فكرة الولاء والبراء محكمة تفتيش يرسل عبرها الكثير من المؤمنين إلى الموت؟ أليس فقه التصحيح أصلح لوضع أمتنا من فقه التفريق والتمييز؟
إن فقه الدعوة يمر بمرحلة خطيرة نعادي فيها بعضنا البعض، ولقد أخفقت دعوة الإخوان المسلمين عندما تجاوزت هذه الفوارق المذهبية والفكرية وادعت أنها حركة فكرية اجتماعية سياسية وليست مذهبا دينيا، فقد تفككت من الداخل قبل أن يضربها العدو من الخارج، ورأينا الكثير من قياداتها يتفرق بعضهم عن بعض، ويفتي بعضهم بغير ما يؤمن بعضهم الآخر، والكثير من أبنائها يضرب بعضهم بعضا بناءا على اختلافات مذهبية، ولعلي أرى في التنازع الفئوي الذي ابتلى به الله المسلمين خطرا اكبر يتهدد وحدتهم ، ولعلي لي في الآية الكريمة أنسا لما يجب فعله في المرحلة القادمة:
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون( 159( الأنعام
والله أعلم.
__________________
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق