بسم الله الرحمن الرحيم
قبيل أن أذهب إلى الحج لم يكن لدي أية فكرة عن ماهية الحج وكيفية أداءه، وما هي مراحله وأنواعه وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالحج، أما الآن فقد وجدت الأسئلة التي كانت تدور في مخيلتي عن كيفية أداء الحج أجوبتها، لكن برزت بدلا عنها أسئلة عن سبب أداء الحج بهذه الطريقة، وعن سبب تسمية كل مشعر أو منطقة في الحج باسمها.
يتضمن الحج عددا من الثنائيات العجيبة التي لا يمكن تصورها في رحلة تعتبر مناط التوحيد، ففي الحج يكون المرء مسؤولا عن أن يرى الله في كل مكان، ومع هذا لا يحرم بالحج إلا من مواقيت معينة، ويرتبط بالأمكنة والأزمنة ارتباطا شديدا. في الحج يكون الإنسان مسؤولا أن يستخلص خلاصة التوحيد بفعل أفعال الوثنية، يكون الإنسان مسؤولا عن أن يتصرف تصرفا متوازنا رزينا مع أن شروط الحج تحثه عل فعل العكس، ولعل الله أشار لهذه الحالة وحذرنا من أن نفقد التمييز بين الشعائر وبين أماكنها، بين تمجيد الله وتمجيد المشاعر:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(28)ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ(29)ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(30)حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ(31)ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ(33) الحج
فهناك ثنائية حرجة بين تمجيد شعائر الله وبين النجاة من الإشراك، فلا يجوز للمسلم أن لا يمجد هذه الشعائر بدعوى تنزيه نفسه عن الإشراك، كما لا يجوز له تمجيدها تمجيدا فائقا يكاد ينحرف به إلى الشرك.
يبدأ الحج بالإحرام، وهو لبس غير المخيط الأبيض، والتنزه عن التطيب وقص الشعر وغيرها من الأمور التي ترفه الإنسان، وما أن يدخل الحرم (مناطق الحرم بعد الميقات) حتى يطلب منه أن يهمل نفسه (من حيث التطيب والغسل والتأنق ولبس الملابس) ويهتم بالآخرين (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). يطلب منه أن يهمل حاجاته ويهتم بحاجات الآخرين، وتتنوع الطرائق التي يفرض فيه الحج على الحاج البدء بالجدال والشجار، فالكثير من مناسك الحج تتطلب حصول ازدحام شديد على المواقيت والمشاعر، ومنها طواف القدوم والإفاضة وتقبيل الحجر الأسود وصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم ورمي الجمرات والنوم بمنى والنفور من وإلى عرفة ومزدلفة، وغيرها كثير، وهنا تتنوع الثقافات ويظهر بجلاء للمسلمين اختلاف الأدبيات العامة، فالبعض يفهم فهما واعيا الأحاديث التي ترتبط بهذه المواقف،ويعيها سلوكا عمليا في الحج، فطواف القدوم هو إعلان الطاعة وطلب الهدى، ولا يكون هذا بالازدحام والشجار، وتقبيل الحجر الأسود هو إعلان المبايعة على السير في الطريق، ولا تكون المبايعة بالمدافعة والتزاحم، فهو عهد فردي لا يمكن إقراره للمزاحمين، وهنا يكاد يبدو للبعض أدب الآخرين على أنه سذاجة، أو ضعف في الدين وعدم إتباع لسنة محمد (، ويظهر بجلاء البون الشاسع بين فقه الواقع وفقه الكتب، فالكثير مما يوجد في فقه الكتب (مثلا سنة الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى للطواف، أو سنة تقبيل الحجر واستلام الركن اليماني في كل شوط أو الطواف ملاصقا للبيت العتيق) لا يمكن تحقيقه عمليا في مكان يطوف فيه الناس فرادى وبغير تنظيم، فمن يطوف الأشواط الأولى رملا يعرقل ويتعرقل بمن يطوف الأشواط الأربع الباقية، وحتى لو رَمَل الناس كلهم في وقت واحد (كما فعل الرسول ( وأصحابه) فإن الشاب النشيط يتعرقل برَمَل الشيخ العجوز، وقد حصل لي هذا الأمر شخصيا عندما كنت امشي بهدوء لوجود شيخ كبير ونساء أمامي، فجاء رجل وربت على كتفي يطلب مني أن استعجل في الطواف لأنه كان خلفي مباشرة وهو مستعجل! قلت له: إنني مستمع بوجودي بجوار الكعبة، فإذا كنت مستعجلا وتريد الخلاص منها فتجاوزني).
تتجلى هذه القضية أيضا في ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم والتي غالبا ما تعرقل الطائفين الذين يصطدمون بوجود مصلين في مسار الطواف، وكذلك في الدعاء عند الجمرات وغيرها كثير، فما يتركه البعض رحمة بالمسلمين، يعتبره البعض الآخر نقصا في الدين! وما أمر به رب العزة أو سنّه سيدنا محمد ( لحكمة في الحج ( كرفع المرأة النقاب أوحجاب الوجه والكفين أثناء الطواف) يغيره البعض لعدم فهمهم حكمة الحج ويرون في تشويههم لهذه الحكمة (زيادة في التقى)، ولعمرى ما قال الله تعالى فيهم قوله هذا عبثا:
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ *ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا* وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(15)*قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ* وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(16) (الحجرات)
أول ما يفعله الحاج ليصل إلى حقيقة التوحيد هو فعل الوثنية ظاهراً (الطواف حول كعبة من حجر) فإذا ما انتهى من هذا الطواف قام بفعل أشد وثنية منه ظاهراً وهو تقبيل الحجر الأسود، ثم عاد ليسعى بين جبلين، فإذا ما انتهى بات بمنى ثم وقف بعرفة ثم بمزدلفة ثم رمى الجمار، وكلها أفعال لا تمت للتوحيد ظاهريا بصلة، وليس لها تطبيق عملي في واقع حياة المسلم، بل تبدو رحلة الحج كلها – لمن لم ينر الله قلبه بالتقوى - رحلة عبثية لا طائل منها إلا التعبير عن الطاعة العمياء، وقد حيرتني رمزية هذه الأفعال فلم أجد ملجأ من حيرتي إلا الله أسأله عن معانيها، ولعلي حصلت على معانيها الظاهرة ، وبقيت لي معانيها الباطنة.
رحلة الحج هي رحلة العمر، وهي رحلة يقوم بها الإنسان مرة واحدة في الأعم الأغلب، وقد وعد رسول الله ( أن من يقوم بها بشكلها المبرور غفر له ما تقدم من ذنبه أو لم يكن له جزاء إلا الجنة أو رجع كما ولدته أمه أو...الخ ... وعلى هذا فليس من المعقول أن تكون هذه الرحلة ببساطة أن تقبل لمجرد القيام بالأفعال السابقة بشكل صحيح فقط، بل لا بد من رموز على المرء أن يستجليها من خلف الحجب ليرى إلى ماذا ترمي هذه الأفعال، فيجد لها تطبيقا عمليا في حياته، بحيث يعود للفطرة التي عبر عنها النبي ( بقوله (رجع كما ولدته أمه)، وما جعلها الله تشابه أفعال الوثنية إلا ليدلنا على أنها رمز وليست أصلا في حد ذاتها، فبضدها تتمايز الأشياء.
إن قصة الحج ما هي إلا قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهي قصة ثنائية المراحل، قصته عندما كان وحيدا، وقصته عندما كان متزوجا (سواء من السيدة سارة أو من السيدة هاجر). لقد بدأ سيدنا إبراهيم رحلته مع التوحيد برفضه فكرة تعدد الآلهة، فهو يرى أن وحدة الخلق تستدعي وحدة الخالق، ومن هنا جاءت رمزية طواف القدوم، فما أن يسير فكر الإنسان بلا ارتباط بقيود العصر والثقافة المحلية حتى يجد نفسه في تناسق مع المنطق السباعي للكون الذي يدور في أفلاك ثابتة لا تتغير معبرة عن خلود الخالق، إن رفض سيدنا إبراهيم لما آمن به قومه هو ما أوصله إلى بداية الطريق إلى الله.
يمثل الطواف في مرحلة إبراهيم الأولى حالة انعزال الإنسان عن المؤثرات الخارجية ليبقى مع نفسه، وتنعكس حركته المادية على حركته الفكرية، فيسير فكره بخطوات متناسقة متسلسلة ليصل إلى بداية الحقيقة، وهنا لا بد له من العودة للاتصال بالعالم الخارجي ليصل إلى الحقيقة كاملة، فيأتي دور السعي، وللسعي معنيين مختلفين وفقا لمراحل حياة سيدنا إبراهيم.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا(41)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43)يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا(46)قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(47)وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48)فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا(49)وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا(50) مريم
هنا
للطواف في حياة سيدنا إبراهيم الثانية معنى مختلف، فهو الانتظام مع حركية الكون من حيث استجابته لأمر الله، فلقد مضى سيدنا إبراهيم في الانتظام في هذه الحركية رغم كل المغريات، فهو يعلم أن الكون انتظم فيها طواعية، ولولا ذاك لانتظم فيها كرها، ولأنه كان قد وصل لحقيقة التوحيد، لم يرى بدّا من الانتظام طوعا، ولو أدى ذلك لتحديه للنمرود، أو لدخوله النار، أو لتركه زوجته وابنه في واد غير ذي زرع استجابة لأمر الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ* فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*(36)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) إبراهيم
فالطواف في حياة إبراهيم هو معرفة تناسق الكون، والتيقن من واحدية الخالق، ومن اضطرار العالمين لإتباع الحركية التي وضع هذا الخالق هذا الكون وفقها، وبالتالي يكون إتباع أي حركية أخرى مخالفا للمنطق ومعاكسا لحركية الكون، ويرمز طواف القدوم لمرحلة الطواف الأولى، فهو مرحلة يبدأ فيها الحاج رحلة الحج وهو قادم من العالم الخارجي ليعيش في معتزل الحج أياما معدودة، وفيها يدرك الحاج أنه في مكان ليس له هدف سوى الله، وأن كل ما يفعله هو لمرضاة الله وليس تكريما للبنيان والأحجار، فيبدأ في مرحلة التجريد، ليصل في النهائية لتقبل فعل أي شي إذا كان في هذا رضاء لله (كالإحرام وتمضية عدة أيام لا يستر جسمه إلا قماش خفيف، عدم الحلق والتطيب وتمشيط الشعر وقص الأظافر وغيرها، وهي أمور لا تربك حجاج هذه الأيام بالقدر الذي أربكت الصحابة الذين قضوا أياما ليصلوا من ميقات المدينة إلى الحرم، وكذلك طبيعة النوم في منى ومزدلفة والوقوف بعرفة ورمي الجمار وغيرها من الأمور التي لا فائدة ظاهرية منها في تحقيق التوحيد) ومن ثم يبدأ فكره يعمل في معرفة ما وراء هذه الأفعال، فالحج ليس معسكرا حربيا يجبر فيه المجند على فعل أمور لا تتعلق بطبيعة التدريب العسكري إرضاء لنزوات المدرب، بل لكل شيء فيه معنى, حتى الأسماء ومواقع الأماكن بل وأشكالها ويأتي طواف الإفاضة معبرا عن تجاوز الحاج مرحلة التفكير لمرحلة الانصياع التام، لهذا كان الحج عرفة، فعندها تكون مرحلة الانتقال السابقة.
إن المرحلة التي تلي مرحلة الطواف الأولى هي مرحلة السعي، وليس السعي مشيا بين جبلين فحسب، فهو في مرحلة إبراهيم الأولى يمثل سعيه إلى الحقيقة، وهذا السعي له نوعان توضحهما سورة الحج نفسها:
1- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ(3)كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(4)
2- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ(9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(10)
فالنوع الأول من البشر يبدأ مرحلة اليقين بحقيقة ما قبل أن يبدأ مرحلة السعي وذلك بإتباعه هواه أو أقوال من سبقه ويبدأ بنشرها على أساس أنها الحقيقة، فهو ضال مضل، وهو حال قوم إبراهيم وفق ما تشير له الآيات التالية:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ(52)قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ(53)قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(54)قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ(55)قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ(56) الأنبياء
أما النوع الثاني فهو من يكون لديه هدى من كتاب أو ذكر أو منطق، فيعرض عنه ويسعى ليجد طريقه وحده، هذا الطريق الذي يكون غالبا موافقا لهواه أيضا، وهو حال النمرود وفق ما تصفه الآيات:
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) البقرة
فالسعي في الدنيا هو إما لإيجاد الهدى في عالم ليس فيه هدى (كحال إبراهيم في مرحلته الأولى) عبر دراسة الكون وتنسيقه واستجلاء واحدية الخالق عبر هذه الدراسة،فينعكس اليقين العقلي يقينا قلبيا بضرورة وجود خالق واحد لهذا الكون، أو سعي لإيجاد حقيقة الهدى باستقراء الآيات ودراسة النصوص الإلهية ومعرفة مقاصدها العليا، وإيجاد العلاقة الواقعية بين ما وجده من يقين قلبي، وما هو الكون عليه، فيحصل بذلك اليقين العقلي.
سعي سيدنا إبراهيم الأول كان عبر استجلاء حقيقة تنسيق الكون لإدراك واحدية الخالق، وعلى هذا تنص الآيات التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75) َلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ(76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79)وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)*وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ *نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84) الأنعام
أما السعي اللاحق فهو سعيه في التحقق من موافقته لهذا التنسيق عبر الانصياع التام للأوامر الإلهية، ونرى ذلك في الآيات:
بسم الله الرحمن الرحيم
*وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا* قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125)وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127)رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128)رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129)وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(130)*إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ*(132) البقرة
ويأتينا سعي من نوع آخر، وهو ما قامت به السيدة هاجر عندما تركها سيدنا إبراهيم وحدها في وادي مكة مخبراً إياها انه ينصاع لأمر الله، لقد كان سعيها هو بحثها الواثق عن مساعدة الله لها، فلما انتهت من سعيها ووجدت أن لا فائدة من سعيها ما لم يقدر الله لها أن تنجو، جاءتها المساعدة الإلهية من حيث لا تحتسب.
وقد جاء التشريع الإسلامي ليبيح جعل السعي مقترنا بطواف القدوم، بحيث يبدأ الحاج بالسعي سعي سيدنا إبراهيم الأول ثم الالتزام (السعي بعد طواف القدوم وقبل عرفة) أو تأخيره ليقترن بطواف الإفاضة بحيث يبدأ الحاج بالالتزام ثم السعي سعي السيدة هاجر ...سعي الواثق بكون الله وليه في الدنيا والآخرة. فالسعي يكون بين الصفا والمروة، فكلما صفا ارتوى ، وكلما ارتوى أصطفي لشوط آخر فيعود ليصفو فيرتوي...
المبيت بمنى يوم التروية هو معتزل أولي يقصد به إنهاء مراحل الاصطفاء، فالحاج في منى يكون في حال صفاء عال وقابل لتلقي الهدى، فيروى وهو عَطِشٌ للمزيد، فإذا ما أدرك معنى التروية نفر إلى عرفة، وهو الموقف الأهم في الحج.
عرفة مكان منبسط محاط بالجبال، يقع جبل الرحمة في طرفه تقريبا، يكون الموقف في عرفة وقت الزوال موقف شتات، ففي وقت الزوال لا يكون لشيء ظل معين يمكن الاستدلال به على الجهات، وكذلك حال الحاج بعد يوم التروية، فهو يكون في حال من الصفاء عال، لكنه لا يعرف كيف يعكس هذه الصفاء على العالم الواقعي حوله، ويتميز اجتماع الناس في عرفة عنه في منى أنه اجتماع مفتوح لا يقام في الخيام، ويكون فيه اختلاط الحجاج في مكان واحد من مختلف الجنسيات والآراء (طبعا هذا في ما مضى، أمام الآن فموقف عرفة لا يختلف كثيرا عن موقف منى)، وبعد الزوال يتيه أغلب الحجاج عن ما يجب عليهم فعله، ويبقون في حالة ضياع حتى حلول وقت العصر، حينها يتدارك الإنسان ما فاته من وقت ليبدأ عمليا في الوقوف بعرفة.
من الصعب القول أن عرفة موقف يتعرف فيه الإنسان إلى ربه كما يبدو من الاسم، بل هو مكان يفقد فيه الإنسان معرفته لربه بالشكل التقليدي ليعرفه بشكل آخر، يعرفه كما عرفه سيدنا لإبراهيم في النار، وكما عرفته السيدة هاجر في وادي مكة، لا إله غيره، ولا رازق سواه، ولا تدبير لأمور الكون بغير علمه.
موقف عرفة يذكرني بالآيات التالية من سورة الحج:
1- يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)
2- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11)يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(12)يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ(13)
3- مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ(15)
4- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(18)
الغريب في الأمر أن الوقوف بعرفات لم يذكر بشكله الصريح في آيات القرآن كما هو الحال مع الطواف و السعي أو الهدي و الإفاضة من مزدلفة أو في المبيت بمنى أو في غيرها، إلا أنه المكان الوحيد الذي ذكر باسمه من بين المواقف الثلاثة (عرفة ومنى ومزدلفة)، ويأتي الرسول ( ليخبرنا أن الحج عرفة! وكأن سر عرفة ترك لكل إنسان ليعرفه بنفسه، وهذا ما توحي به الآيات التالية:
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ(34)الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(35) الحج
وبالفعل تبقى حالة عرفة تجربة شخصية بحتة كل امرئ يخبر عنها بشكل مختلف عن الآخر، إلا أن الجميع متفقون أن الساعات الأولى من عرفة (قبيل وبعيد الزوال) تكون ساعات تائهة لا يعرفون ماذا يفعلون بها.
الرحلة التي مشاها سيدنا رسول الله ( من عرفة إلى مزدلفة بليل رحلة ذات خصوصية (ضاعت في زحمة الباصات المتحركة على الطريق في أيامنا هذه) فهي تشبه موقف حشر مبسط حيث يمشي الإنسان من اللامكان إلى اللامكان، بما يشبه رحلة الإنسان في حياته الدنيا، فهو يسير في الظلام لا يستدل إلى وجهته إلا بإشارات على الطريق، وهو يعلم أنه جاء من مكان غير معروف المعالم (عالم الذر والمتمثل هنا بعرفة) وذاهب إلى مكان غير معروف المعالم (عالم الروح يوم القيامة والمتمثل بمنى) وهو يسير في طريق وحيدة لا يملك تغييرها، وعليه خلال هذه الطريق أن يتجنب المزالق وأن يتجنب أذى الناس كما كان يفعل الرسول ( الذي دأب على أن يأمر الناس بالسكينة في ارتحالهم من عرفة لمزدلفة، وهو يعلم تمام العلم أنه لن يبقى فيها بل سيبيت فيها ليلة واحدة ويقوم ركعتين قيام الليل ويصلي الصبح ثم يغادر...وتكون مزدلفة صلة الوصل التي يدرك فيها الحاج علاقته باليوم الآخر وبعالم الذر.
من المفترض أن تنتهي هذه الرحلة برمي جمرة العقبة، وهذا يشير إلى نهاية هذه الرحلة عندما يتخلص الإنسان من سيطرة النفس عليه، وهو يرميها بعد شروق الشمس حيث تكون نفسه قد أشرقت بالهدى...ولكن رحلته مع الهدى ما انتهت بعد.
استوقفني سؤال مهم: ما المقصود برمي الجمرات الثلاثة على ثلاثة أيام متوالية رغم أننا رجمناها في يوم العيد؟ وما المقصود برمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى فالعقبة؟ ولماذا اشترط المبيت بمنى حين رمي الجمرات؟
كان هذا السؤال مركزيا في رحلة الحج، ولرحمة من الله كنا قد انصعنا لتنفيذ الأمر حتى دون أن نعرف الجواب، والذي وجدنا أنفسنا نطبقه قبل أن نعرف أنه هو الجواب، فقد تسلمنا عدة مهمات أجبرتنا على أن نكون في موقف منى كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا حاج تائه دللناه إلى مخيمه، وهذا حاج لا يقرأ العربية ترجمنا له ما يريد، وهذا رجل لا يعرف أين الجمرات أو كيف يرميها..... لقد كانت ليالي منى ليال القيام على عباد الله، ولم يرد - فيما أعرف – في السيرة أو في الصحاح ما فعله رسول الله في منى، لكنني أعتقد أنه فعل ما فعلناه من حيث أنه كان دائما يهتم بشؤون الحجاج، وقد أمضينا وقتا جميلا ونحن نبحث في مخيمات الحجاج عن مخيم السوريين، وخلالها شاء الله أن يطلعنا على حال الأمة ويعرفنا إلى ما آلت إليه أمور المسلمين من الجنسيات المختلفة العربية وغير العربية، وخلاصة الأمر أن منى هي المناط الحقيقي لرحلة ما بعد عرفة. وأنني لأستحي أن أقول أن منى هي مقياس تحضر الأمة الإسلامية، بل هي في وقتنا الحاضر مقياس لتخلف الأمة، فالأمة في تراجع من ناحية الأخلاق. إن تناسق وتآلف المسلمين في منى ووحدة حالهم تعبر عن وحدة الأمة، فكلما زاد التآلف بين الناس وبين أنماط مبيتهم في منى زاد توحد الأمة وزاد قربها من مفهوم الحج الحقيقي، وبالعكس كلما تمايزت مخيمات الأفارقة عن مخيمات الآسيويين، وكلما عجت مخيمات المصريين بالبشر بينما وجدت مخيمات دول الخليج يقوم فيها الحجاج فرادى علمت أن الأمة بعيدة عن التوحد.
بقي رمز الجمرات سرا حتى رميت أول جمرة، وكانت نيتي فيها مختلفة (كالعادة) عن نية سائر المسلمين ، فقد نويت أن ارمي الجمرات بشرط أن يعرفني الله لماذا أرميها، وجاءني الجواب سريعا لم أدركه، لكنه يتعلق بالنفس وهمومها... وبمراجعة قصة سيدنا إبراهيم وجدت حلا للغز الجمرات، وقد أكد لي أخي في الله مازن ما توصلت إليه نسبيا:
1- الجمرة الصغرى هي جمرة المجتمع، فلقد كفر سيدنا إبراهيم بما وجد عليه آبائه وسعى ليحصل على المعنى الحقيقي للعبودية، وقد رفض هذه الأصنام كونها لا تعبر عن واحدية الخالق، وكونها لا تملك من مقومات القوة ما يؤهلها لتكون آلهة، وكونها لا تؤثر بشكل مباشر على حياته من حيث الرزق والنصرة وما إلى ذلك...وبهذا رمى ثلاثا أول صنم (جمرة) كان الشيطان يضل بها الكثير من الناس.
2- الجمرة الوسطى هي جمرة العقل، فكثيرا ما يؤدي العقل إلى الضلال إذا ترك يعمل وحده، وقد استطاع سيدنا إبراهيم بهدي من الله أن يحصل على اليقين العقلي عبر مطالعة حقيقة الخلق وضرورة واحدية الخالق، وقد رماه في ثلاثة مواضع بثلاثة براهين عقلية:
أ- أولها إظهار الله له ملكوت السماوات والأرض وعظمة خلقها وعجز الآلهة المزعومة عن القيام بمثل هذا الخلق.
ب- وثانيها تلقينه الحجة في مناظرته لنمرود في كون الإله الحق قادر على التصرف في ملكوته مما تعجز عنه الآلهة المزعومة.
ج- وثالثها القدرة على منح وسلب الحياة مما تعجز عنه تلك الآلهة.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260) البقرة
وقد لخص هذه النتائج الثلاثة دعاء النبي يوم عرفة:
حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فالله واحد في تدبير ملكه، واحد في رزقه، واحد في خلقه.
3- الجمرة الثالثة هي جمرة النفس، وهي الأهم وهي مناط رحلة الحج، وقد رجمها في ثلاثة أماكن مختلفة:
أ- عندما لم يخف من نمرود وكان واثقا من معونة الله له حتى وهو يلقى في النار.
ب- عندما لم يخف على أهله وترك زوجته وولده الرضيع في واد غير ذي زرع امتثالا لأمر الله
ج- عندما لم يتردد في الامتثال لرؤية رأى فيها أنه يذبح ابنه الأكبر إسماعيل.
ونلاحظ أن عائلة سيدنا إبراهيم كانت معه في رمي هذه الجمار، فلا السيدة هاجر أنكرت عليه، ولا سيدنا إسماعيل كرهه كونه تركه في صغره هو وأمه، أو كونه أراد ذبحه أو لأي أمر آخر.
وخلاصة رحلة الحج التي جاء بها سيدنا إبراهيم هي ما دعا ربه أن يحققه:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(36)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) ابراهيم
ونتيجتها هي ما وصفه الله به:
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(121)وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(122)ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(123) النحل
وما علينا إلا أن نكون على هذا النهج:
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(161)قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(165)
هذه لمحات ونظرات ذكرتني بها بهجة اقتراب موعد الحج
رزقنا الله وإياكم متعة القيام به مرارا وتكرارا
قبيل أن أذهب إلى الحج لم يكن لدي أية فكرة عن ماهية الحج وكيفية أداءه، وما هي مراحله وأنواعه وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالحج، أما الآن فقد وجدت الأسئلة التي كانت تدور في مخيلتي عن كيفية أداء الحج أجوبتها، لكن برزت بدلا عنها أسئلة عن سبب أداء الحج بهذه الطريقة، وعن سبب تسمية كل مشعر أو منطقة في الحج باسمها.
يتضمن الحج عددا من الثنائيات العجيبة التي لا يمكن تصورها في رحلة تعتبر مناط التوحيد، ففي الحج يكون المرء مسؤولا عن أن يرى الله في كل مكان، ومع هذا لا يحرم بالحج إلا من مواقيت معينة، ويرتبط بالأمكنة والأزمنة ارتباطا شديدا. في الحج يكون الإنسان مسؤولا أن يستخلص خلاصة التوحيد بفعل أفعال الوثنية، يكون الإنسان مسؤولا عن أن يتصرف تصرفا متوازنا رزينا مع أن شروط الحج تحثه عل فعل العكس، ولعل الله أشار لهذه الحالة وحذرنا من أن نفقد التمييز بين الشعائر وبين أماكنها، بين تمجيد الله وتمجيد المشاعر:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(28)ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ(29)ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(30)حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ(31)ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ(33) الحج
فهناك ثنائية حرجة بين تمجيد شعائر الله وبين النجاة من الإشراك، فلا يجوز للمسلم أن لا يمجد هذه الشعائر بدعوى تنزيه نفسه عن الإشراك، كما لا يجوز له تمجيدها تمجيدا فائقا يكاد ينحرف به إلى الشرك.
يبدأ الحج بالإحرام، وهو لبس غير المخيط الأبيض، والتنزه عن التطيب وقص الشعر وغيرها من الأمور التي ترفه الإنسان، وما أن يدخل الحرم (مناطق الحرم بعد الميقات) حتى يطلب منه أن يهمل نفسه (من حيث التطيب والغسل والتأنق ولبس الملابس) ويهتم بالآخرين (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). يطلب منه أن يهمل حاجاته ويهتم بحاجات الآخرين، وتتنوع الطرائق التي يفرض فيه الحج على الحاج البدء بالجدال والشجار، فالكثير من مناسك الحج تتطلب حصول ازدحام شديد على المواقيت والمشاعر، ومنها طواف القدوم والإفاضة وتقبيل الحجر الأسود وصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم ورمي الجمرات والنوم بمنى والنفور من وإلى عرفة ومزدلفة، وغيرها كثير، وهنا تتنوع الثقافات ويظهر بجلاء للمسلمين اختلاف الأدبيات العامة، فالبعض يفهم فهما واعيا الأحاديث التي ترتبط بهذه المواقف،ويعيها سلوكا عمليا في الحج، فطواف القدوم هو إعلان الطاعة وطلب الهدى، ولا يكون هذا بالازدحام والشجار، وتقبيل الحجر الأسود هو إعلان المبايعة على السير في الطريق، ولا تكون المبايعة بالمدافعة والتزاحم، فهو عهد فردي لا يمكن إقراره للمزاحمين، وهنا يكاد يبدو للبعض أدب الآخرين على أنه سذاجة، أو ضعف في الدين وعدم إتباع لسنة محمد (، ويظهر بجلاء البون الشاسع بين فقه الواقع وفقه الكتب، فالكثير مما يوجد في فقه الكتب (مثلا سنة الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى للطواف، أو سنة تقبيل الحجر واستلام الركن اليماني في كل شوط أو الطواف ملاصقا للبيت العتيق) لا يمكن تحقيقه عمليا في مكان يطوف فيه الناس فرادى وبغير تنظيم، فمن يطوف الأشواط الأولى رملا يعرقل ويتعرقل بمن يطوف الأشواط الأربع الباقية، وحتى لو رَمَل الناس كلهم في وقت واحد (كما فعل الرسول ( وأصحابه) فإن الشاب النشيط يتعرقل برَمَل الشيخ العجوز، وقد حصل لي هذا الأمر شخصيا عندما كنت امشي بهدوء لوجود شيخ كبير ونساء أمامي، فجاء رجل وربت على كتفي يطلب مني أن استعجل في الطواف لأنه كان خلفي مباشرة وهو مستعجل! قلت له: إنني مستمع بوجودي بجوار الكعبة، فإذا كنت مستعجلا وتريد الخلاص منها فتجاوزني).
تتجلى هذه القضية أيضا في ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم والتي غالبا ما تعرقل الطائفين الذين يصطدمون بوجود مصلين في مسار الطواف، وكذلك في الدعاء عند الجمرات وغيرها كثير، فما يتركه البعض رحمة بالمسلمين، يعتبره البعض الآخر نقصا في الدين! وما أمر به رب العزة أو سنّه سيدنا محمد ( لحكمة في الحج ( كرفع المرأة النقاب أوحجاب الوجه والكفين أثناء الطواف) يغيره البعض لعدم فهمهم حكمة الحج ويرون في تشويههم لهذه الحكمة (زيادة في التقى)، ولعمرى ما قال الله تعالى فيهم قوله هذا عبثا:
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ *ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا* وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(15)*قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ* وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(16) (الحجرات)
أول ما يفعله الحاج ليصل إلى حقيقة التوحيد هو فعل الوثنية ظاهراً (الطواف حول كعبة من حجر) فإذا ما انتهى من هذا الطواف قام بفعل أشد وثنية منه ظاهراً وهو تقبيل الحجر الأسود، ثم عاد ليسعى بين جبلين، فإذا ما انتهى بات بمنى ثم وقف بعرفة ثم بمزدلفة ثم رمى الجمار، وكلها أفعال لا تمت للتوحيد ظاهريا بصلة، وليس لها تطبيق عملي في واقع حياة المسلم، بل تبدو رحلة الحج كلها – لمن لم ينر الله قلبه بالتقوى - رحلة عبثية لا طائل منها إلا التعبير عن الطاعة العمياء، وقد حيرتني رمزية هذه الأفعال فلم أجد ملجأ من حيرتي إلا الله أسأله عن معانيها، ولعلي حصلت على معانيها الظاهرة ، وبقيت لي معانيها الباطنة.
رحلة الحج هي رحلة العمر، وهي رحلة يقوم بها الإنسان مرة واحدة في الأعم الأغلب، وقد وعد رسول الله ( أن من يقوم بها بشكلها المبرور غفر له ما تقدم من ذنبه أو لم يكن له جزاء إلا الجنة أو رجع كما ولدته أمه أو...الخ ... وعلى هذا فليس من المعقول أن تكون هذه الرحلة ببساطة أن تقبل لمجرد القيام بالأفعال السابقة بشكل صحيح فقط، بل لا بد من رموز على المرء أن يستجليها من خلف الحجب ليرى إلى ماذا ترمي هذه الأفعال، فيجد لها تطبيقا عمليا في حياته، بحيث يعود للفطرة التي عبر عنها النبي ( بقوله (رجع كما ولدته أمه)، وما جعلها الله تشابه أفعال الوثنية إلا ليدلنا على أنها رمز وليست أصلا في حد ذاتها، فبضدها تتمايز الأشياء.
إن قصة الحج ما هي إلا قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهي قصة ثنائية المراحل، قصته عندما كان وحيدا، وقصته عندما كان متزوجا (سواء من السيدة سارة أو من السيدة هاجر). لقد بدأ سيدنا إبراهيم رحلته مع التوحيد برفضه فكرة تعدد الآلهة، فهو يرى أن وحدة الخلق تستدعي وحدة الخالق، ومن هنا جاءت رمزية طواف القدوم، فما أن يسير فكر الإنسان بلا ارتباط بقيود العصر والثقافة المحلية حتى يجد نفسه في تناسق مع المنطق السباعي للكون الذي يدور في أفلاك ثابتة لا تتغير معبرة عن خلود الخالق، إن رفض سيدنا إبراهيم لما آمن به قومه هو ما أوصله إلى بداية الطريق إلى الله.
يمثل الطواف في مرحلة إبراهيم الأولى حالة انعزال الإنسان عن المؤثرات الخارجية ليبقى مع نفسه، وتنعكس حركته المادية على حركته الفكرية، فيسير فكره بخطوات متناسقة متسلسلة ليصل إلى بداية الحقيقة، وهنا لا بد له من العودة للاتصال بالعالم الخارجي ليصل إلى الحقيقة كاملة، فيأتي دور السعي، وللسعي معنيين مختلفين وفقا لمراحل حياة سيدنا إبراهيم.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا(41)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43)يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا(46)قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(47)وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48)فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا(49)وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا(50) مريم
هنا
للطواف في حياة سيدنا إبراهيم الثانية معنى مختلف، فهو الانتظام مع حركية الكون من حيث استجابته لأمر الله، فلقد مضى سيدنا إبراهيم في الانتظام في هذه الحركية رغم كل المغريات، فهو يعلم أن الكون انتظم فيها طواعية، ولولا ذاك لانتظم فيها كرها، ولأنه كان قد وصل لحقيقة التوحيد، لم يرى بدّا من الانتظام طوعا، ولو أدى ذلك لتحديه للنمرود، أو لدخوله النار، أو لتركه زوجته وابنه في واد غير ذي زرع استجابة لأمر الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ* فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*(36)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) إبراهيم
فالطواف في حياة إبراهيم هو معرفة تناسق الكون، والتيقن من واحدية الخالق، ومن اضطرار العالمين لإتباع الحركية التي وضع هذا الخالق هذا الكون وفقها، وبالتالي يكون إتباع أي حركية أخرى مخالفا للمنطق ومعاكسا لحركية الكون، ويرمز طواف القدوم لمرحلة الطواف الأولى، فهو مرحلة يبدأ فيها الحاج رحلة الحج وهو قادم من العالم الخارجي ليعيش في معتزل الحج أياما معدودة، وفيها يدرك الحاج أنه في مكان ليس له هدف سوى الله، وأن كل ما يفعله هو لمرضاة الله وليس تكريما للبنيان والأحجار، فيبدأ في مرحلة التجريد، ليصل في النهائية لتقبل فعل أي شي إذا كان في هذا رضاء لله (كالإحرام وتمضية عدة أيام لا يستر جسمه إلا قماش خفيف، عدم الحلق والتطيب وتمشيط الشعر وقص الأظافر وغيرها، وهي أمور لا تربك حجاج هذه الأيام بالقدر الذي أربكت الصحابة الذين قضوا أياما ليصلوا من ميقات المدينة إلى الحرم، وكذلك طبيعة النوم في منى ومزدلفة والوقوف بعرفة ورمي الجمار وغيرها من الأمور التي لا فائدة ظاهرية منها في تحقيق التوحيد) ومن ثم يبدأ فكره يعمل في معرفة ما وراء هذه الأفعال، فالحج ليس معسكرا حربيا يجبر فيه المجند على فعل أمور لا تتعلق بطبيعة التدريب العسكري إرضاء لنزوات المدرب، بل لكل شيء فيه معنى, حتى الأسماء ومواقع الأماكن بل وأشكالها ويأتي طواف الإفاضة معبرا عن تجاوز الحاج مرحلة التفكير لمرحلة الانصياع التام، لهذا كان الحج عرفة، فعندها تكون مرحلة الانتقال السابقة.
إن المرحلة التي تلي مرحلة الطواف الأولى هي مرحلة السعي، وليس السعي مشيا بين جبلين فحسب، فهو في مرحلة إبراهيم الأولى يمثل سعيه إلى الحقيقة، وهذا السعي له نوعان توضحهما سورة الحج نفسها:
1- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ(3)كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ(4)
2- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ(9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(10)
فالنوع الأول من البشر يبدأ مرحلة اليقين بحقيقة ما قبل أن يبدأ مرحلة السعي وذلك بإتباعه هواه أو أقوال من سبقه ويبدأ بنشرها على أساس أنها الحقيقة، فهو ضال مضل، وهو حال قوم إبراهيم وفق ما تشير له الآيات التالية:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ(52)قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ(53)قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(54)قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ(55)قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ(56) الأنبياء
أما النوع الثاني فهو من يكون لديه هدى من كتاب أو ذكر أو منطق، فيعرض عنه ويسعى ليجد طريقه وحده، هذا الطريق الذي يكون غالبا موافقا لهواه أيضا، وهو حال النمرود وفق ما تصفه الآيات:
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) البقرة
فالسعي في الدنيا هو إما لإيجاد الهدى في عالم ليس فيه هدى (كحال إبراهيم في مرحلته الأولى) عبر دراسة الكون وتنسيقه واستجلاء واحدية الخالق عبر هذه الدراسة،فينعكس اليقين العقلي يقينا قلبيا بضرورة وجود خالق واحد لهذا الكون، أو سعي لإيجاد حقيقة الهدى باستقراء الآيات ودراسة النصوص الإلهية ومعرفة مقاصدها العليا، وإيجاد العلاقة الواقعية بين ما وجده من يقين قلبي، وما هو الكون عليه، فيحصل بذلك اليقين العقلي.
سعي سيدنا إبراهيم الأول كان عبر استجلاء حقيقة تنسيق الكون لإدراك واحدية الخالق، وعلى هذا تنص الآيات التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75) َلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ(76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79)وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)*وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ *نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84) الأنعام
أما السعي اللاحق فهو سعيه في التحقق من موافقته لهذا التنسيق عبر الانصياع التام للأوامر الإلهية، ونرى ذلك في الآيات:
بسم الله الرحمن الرحيم
*وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا* قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125)وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127)رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128)رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129)وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(130)*إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ*(132) البقرة
ويأتينا سعي من نوع آخر، وهو ما قامت به السيدة هاجر عندما تركها سيدنا إبراهيم وحدها في وادي مكة مخبراً إياها انه ينصاع لأمر الله، لقد كان سعيها هو بحثها الواثق عن مساعدة الله لها، فلما انتهت من سعيها ووجدت أن لا فائدة من سعيها ما لم يقدر الله لها أن تنجو، جاءتها المساعدة الإلهية من حيث لا تحتسب.
وقد جاء التشريع الإسلامي ليبيح جعل السعي مقترنا بطواف القدوم، بحيث يبدأ الحاج بالسعي سعي سيدنا إبراهيم الأول ثم الالتزام (السعي بعد طواف القدوم وقبل عرفة) أو تأخيره ليقترن بطواف الإفاضة بحيث يبدأ الحاج بالالتزام ثم السعي سعي السيدة هاجر ...سعي الواثق بكون الله وليه في الدنيا والآخرة. فالسعي يكون بين الصفا والمروة، فكلما صفا ارتوى ، وكلما ارتوى أصطفي لشوط آخر فيعود ليصفو فيرتوي...
المبيت بمنى يوم التروية هو معتزل أولي يقصد به إنهاء مراحل الاصطفاء، فالحاج في منى يكون في حال صفاء عال وقابل لتلقي الهدى، فيروى وهو عَطِشٌ للمزيد، فإذا ما أدرك معنى التروية نفر إلى عرفة، وهو الموقف الأهم في الحج.
عرفة مكان منبسط محاط بالجبال، يقع جبل الرحمة في طرفه تقريبا، يكون الموقف في عرفة وقت الزوال موقف شتات، ففي وقت الزوال لا يكون لشيء ظل معين يمكن الاستدلال به على الجهات، وكذلك حال الحاج بعد يوم التروية، فهو يكون في حال من الصفاء عال، لكنه لا يعرف كيف يعكس هذه الصفاء على العالم الواقعي حوله، ويتميز اجتماع الناس في عرفة عنه في منى أنه اجتماع مفتوح لا يقام في الخيام، ويكون فيه اختلاط الحجاج في مكان واحد من مختلف الجنسيات والآراء (طبعا هذا في ما مضى، أمام الآن فموقف عرفة لا يختلف كثيرا عن موقف منى)، وبعد الزوال يتيه أغلب الحجاج عن ما يجب عليهم فعله، ويبقون في حالة ضياع حتى حلول وقت العصر، حينها يتدارك الإنسان ما فاته من وقت ليبدأ عمليا في الوقوف بعرفة.
من الصعب القول أن عرفة موقف يتعرف فيه الإنسان إلى ربه كما يبدو من الاسم، بل هو مكان يفقد فيه الإنسان معرفته لربه بالشكل التقليدي ليعرفه بشكل آخر، يعرفه كما عرفه سيدنا لإبراهيم في النار، وكما عرفته السيدة هاجر في وادي مكة، لا إله غيره، ولا رازق سواه، ولا تدبير لأمور الكون بغير علمه.
موقف عرفة يذكرني بالآيات التالية من سورة الحج:
1- يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)
2- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11)يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(12)يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ(13)
3- مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ(15)
4- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(18)
الغريب في الأمر أن الوقوف بعرفات لم يذكر بشكله الصريح في آيات القرآن كما هو الحال مع الطواف و السعي أو الهدي و الإفاضة من مزدلفة أو في المبيت بمنى أو في غيرها، إلا أنه المكان الوحيد الذي ذكر باسمه من بين المواقف الثلاثة (عرفة ومنى ومزدلفة)، ويأتي الرسول ( ليخبرنا أن الحج عرفة! وكأن سر عرفة ترك لكل إنسان ليعرفه بنفسه، وهذا ما توحي به الآيات التالية:
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ(34)الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(35) الحج
وبالفعل تبقى حالة عرفة تجربة شخصية بحتة كل امرئ يخبر عنها بشكل مختلف عن الآخر، إلا أن الجميع متفقون أن الساعات الأولى من عرفة (قبيل وبعيد الزوال) تكون ساعات تائهة لا يعرفون ماذا يفعلون بها.
الرحلة التي مشاها سيدنا رسول الله ( من عرفة إلى مزدلفة بليل رحلة ذات خصوصية (ضاعت في زحمة الباصات المتحركة على الطريق في أيامنا هذه) فهي تشبه موقف حشر مبسط حيث يمشي الإنسان من اللامكان إلى اللامكان، بما يشبه رحلة الإنسان في حياته الدنيا، فهو يسير في الظلام لا يستدل إلى وجهته إلا بإشارات على الطريق، وهو يعلم أنه جاء من مكان غير معروف المعالم (عالم الذر والمتمثل هنا بعرفة) وذاهب إلى مكان غير معروف المعالم (عالم الروح يوم القيامة والمتمثل بمنى) وهو يسير في طريق وحيدة لا يملك تغييرها، وعليه خلال هذه الطريق أن يتجنب المزالق وأن يتجنب أذى الناس كما كان يفعل الرسول ( الذي دأب على أن يأمر الناس بالسكينة في ارتحالهم من عرفة لمزدلفة، وهو يعلم تمام العلم أنه لن يبقى فيها بل سيبيت فيها ليلة واحدة ويقوم ركعتين قيام الليل ويصلي الصبح ثم يغادر...وتكون مزدلفة صلة الوصل التي يدرك فيها الحاج علاقته باليوم الآخر وبعالم الذر.
من المفترض أن تنتهي هذه الرحلة برمي جمرة العقبة، وهذا يشير إلى نهاية هذه الرحلة عندما يتخلص الإنسان من سيطرة النفس عليه، وهو يرميها بعد شروق الشمس حيث تكون نفسه قد أشرقت بالهدى...ولكن رحلته مع الهدى ما انتهت بعد.
استوقفني سؤال مهم: ما المقصود برمي الجمرات الثلاثة على ثلاثة أيام متوالية رغم أننا رجمناها في يوم العيد؟ وما المقصود برمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى فالعقبة؟ ولماذا اشترط المبيت بمنى حين رمي الجمرات؟
كان هذا السؤال مركزيا في رحلة الحج، ولرحمة من الله كنا قد انصعنا لتنفيذ الأمر حتى دون أن نعرف الجواب، والذي وجدنا أنفسنا نطبقه قبل أن نعرف أنه هو الجواب، فقد تسلمنا عدة مهمات أجبرتنا على أن نكون في موقف منى كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا حاج تائه دللناه إلى مخيمه، وهذا حاج لا يقرأ العربية ترجمنا له ما يريد، وهذا رجل لا يعرف أين الجمرات أو كيف يرميها..... لقد كانت ليالي منى ليال القيام على عباد الله، ولم يرد - فيما أعرف – في السيرة أو في الصحاح ما فعله رسول الله في منى، لكنني أعتقد أنه فعل ما فعلناه من حيث أنه كان دائما يهتم بشؤون الحجاج، وقد أمضينا وقتا جميلا ونحن نبحث في مخيمات الحجاج عن مخيم السوريين، وخلالها شاء الله أن يطلعنا على حال الأمة ويعرفنا إلى ما آلت إليه أمور المسلمين من الجنسيات المختلفة العربية وغير العربية، وخلاصة الأمر أن منى هي المناط الحقيقي لرحلة ما بعد عرفة. وأنني لأستحي أن أقول أن منى هي مقياس تحضر الأمة الإسلامية، بل هي في وقتنا الحاضر مقياس لتخلف الأمة، فالأمة في تراجع من ناحية الأخلاق. إن تناسق وتآلف المسلمين في منى ووحدة حالهم تعبر عن وحدة الأمة، فكلما زاد التآلف بين الناس وبين أنماط مبيتهم في منى زاد توحد الأمة وزاد قربها من مفهوم الحج الحقيقي، وبالعكس كلما تمايزت مخيمات الأفارقة عن مخيمات الآسيويين، وكلما عجت مخيمات المصريين بالبشر بينما وجدت مخيمات دول الخليج يقوم فيها الحجاج فرادى علمت أن الأمة بعيدة عن التوحد.
بقي رمز الجمرات سرا حتى رميت أول جمرة، وكانت نيتي فيها مختلفة (كالعادة) عن نية سائر المسلمين ، فقد نويت أن ارمي الجمرات بشرط أن يعرفني الله لماذا أرميها، وجاءني الجواب سريعا لم أدركه، لكنه يتعلق بالنفس وهمومها... وبمراجعة قصة سيدنا إبراهيم وجدت حلا للغز الجمرات، وقد أكد لي أخي في الله مازن ما توصلت إليه نسبيا:
1- الجمرة الصغرى هي جمرة المجتمع، فلقد كفر سيدنا إبراهيم بما وجد عليه آبائه وسعى ليحصل على المعنى الحقيقي للعبودية، وقد رفض هذه الأصنام كونها لا تعبر عن واحدية الخالق، وكونها لا تملك من مقومات القوة ما يؤهلها لتكون آلهة، وكونها لا تؤثر بشكل مباشر على حياته من حيث الرزق والنصرة وما إلى ذلك...وبهذا رمى ثلاثا أول صنم (جمرة) كان الشيطان يضل بها الكثير من الناس.
2- الجمرة الوسطى هي جمرة العقل، فكثيرا ما يؤدي العقل إلى الضلال إذا ترك يعمل وحده، وقد استطاع سيدنا إبراهيم بهدي من الله أن يحصل على اليقين العقلي عبر مطالعة حقيقة الخلق وضرورة واحدية الخالق، وقد رماه في ثلاثة مواضع بثلاثة براهين عقلية:
أ- أولها إظهار الله له ملكوت السماوات والأرض وعظمة خلقها وعجز الآلهة المزعومة عن القيام بمثل هذا الخلق.
ب- وثانيها تلقينه الحجة في مناظرته لنمرود في كون الإله الحق قادر على التصرف في ملكوته مما تعجز عنه الآلهة المزعومة.
ج- وثالثها القدرة على منح وسلب الحياة مما تعجز عنه تلك الآلهة.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260) البقرة
وقد لخص هذه النتائج الثلاثة دعاء النبي يوم عرفة:
حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فالله واحد في تدبير ملكه، واحد في رزقه، واحد في خلقه.
3- الجمرة الثالثة هي جمرة النفس، وهي الأهم وهي مناط رحلة الحج، وقد رجمها في ثلاثة أماكن مختلفة:
أ- عندما لم يخف من نمرود وكان واثقا من معونة الله له حتى وهو يلقى في النار.
ب- عندما لم يخف على أهله وترك زوجته وولده الرضيع في واد غير ذي زرع امتثالا لأمر الله
ج- عندما لم يتردد في الامتثال لرؤية رأى فيها أنه يذبح ابنه الأكبر إسماعيل.
ونلاحظ أن عائلة سيدنا إبراهيم كانت معه في رمي هذه الجمار، فلا السيدة هاجر أنكرت عليه، ولا سيدنا إسماعيل كرهه كونه تركه في صغره هو وأمه، أو كونه أراد ذبحه أو لأي أمر آخر.
وخلاصة رحلة الحج التي جاء بها سيدنا إبراهيم هي ما دعا ربه أن يحققه:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(36)رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37)رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(38)الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39)رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ(40)رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) ابراهيم
ونتيجتها هي ما وصفه الله به:
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(121)وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(122)ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(123) النحل
وما علينا إلا أن نكون على هذا النهج:
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(161)قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(165)
هذه لمحات ونظرات ذكرتني بها بهجة اقتراب موعد الحج
رزقنا الله وإياكم متعة القيام به مرارا وتكرارا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق