مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




٣١ كانون الأول ٢٠٠٧

لحظة مواجهة 2

كان يوم زواجهما مشرقا على غير عادة الأيام في كانون – يونيو.. أقيمت الاحتفالات حتى الفجر.. وبعد زفافهما دخلا سوية القصر الذي أهداه أياه أبوه.. جرب أن يبتسم في وجهها، فهي وعلى الرغم من لؤمها في نظره إلا أنها تحمل وجها ملائكيا سبحان من خلقه.. أراد بابتسامته أن يعلن بداية سلمية لعلاقة سلبية بينهما، إلا أنها ردت بتعبير بارد.. فكر في أنها ما تزال تخاف منه لاعتقادها بأنه صورة عن والده، أراد ان يوحي لها بأنه لا يريد أذيتها لذا تجرأ ومد يده ليحمل يدها بحنان، إلا أنها باغتته بصفعة قاسية وقالت بنبرة ملؤها الحقد والتحدي:" اسمع يا هذا...لم يخلق بعد العربي الذي يلمس جلدي"! ..ثم ركضت مغضبة نحو غرفة النوم وهو يشيعها بناظريه، وبعد لحظة رأى وسادة وغطاء يقذفان من الباب... ثم يغلق الباب بالمفتاح.
أدرك عندما صحى من المفاجأة أنها طردته، وقالت له ضمنا :" انا لا اعتبرك زوجا بل عدوا.. أنا أرقى منك عرقا ونسبا.. وسانتقم منك لأيام الذل والهوان التي ذاقها والدي على يدي والدك!"
هول الصدمة وعنف الواجهة قتلت في نفس خالد أية رغبة في الهدنة.. آلى على نفسه أن يبرّ بقسمه أمام والده قبل الزفاف بأن يذيق جوسلين الذل والهوان.. كان يعتبر هذا الوعد باطلا لأنه جرى تحت التهديد.. لكن الآن اصبح لهذا الوعد صدى في نفسه.. وبينما كانت ترتصف في أذنيه كلمات الوعد الملعون.. كانت تتسارع أمام عينيه صور والده وهو يعنّف المراسلين والموظفين،..وهو يوبّخ الخدم ويصرخ فيهم..تذكر وجه الموظف الذي بسببه ماتت والدته.. أحس بالحنق والكره يندفع في عروقه.. كره أبدي للموظفين وللخدم ..ولزوجته .. وللزواج.. ثم خطر له خاطر..هل كانت أمه تعامل والده بمثل ما تعامله جوسلين الآن لدرجة أن يقتلها تسمما بالكلام؟!
استبعد الفكرةَ تماما طيفُ والدته الحنون ذات الوجه الملائكي والصوت العذب.. لقد كانت والدته تعد العشاء بيديها لوالده حتى في الأيام التي كانا فيها متشاجرين.. لقد بذلت قصارى جهدها للحفاظ على علاقتها بعامر رغم كل شيء..
استجمع قواه.. حصر صور والده في مخيلته وكلامه على رأس لسانه..بل وضع صورة أمه الباكية أيضا نصب عينيه وصمم أن يرى جوسلين تبكي قهرا تماما كما كانت أمه تبكي ألما ذات يوم... فجوسلين تستحق هذا..
دفع بجسده النحيل الباب فانكسر... رأى زوجته وفي يدها كتاب افرنسي وعلى وجهها علامات الرعب.. لم يستيقظ من حمى الغضب إلا أمام باب خشبي كتب عليه "غرفة الخدم" ...نظر في يده اليمنى فرأى شعر زوجته وبين خصلاته بدى وجهها المدمى المحتقن بالبكاء.. وفيه يده اليسرى الوسادة و الغطاء الرقيق.. قذف بما في يديه جميعا إلى داخل الغرفة وأغلق الباب بالمفتاح.. ثم اصابته حمّى الذهول.. وهو يعيد قراءة اللوحة النحاسية وما عليها.. سار وهو مذهول إلى غرفة الجلوس.. جلس على الكرسي وأخذ يتذكر ما حصل..منذ لحظة دخولهما القصر، إلى ابتسامته في وجهها، فكلامها الجارح مرورا بصورة والدته الباكية ووالده العابس ووصولا إلى الباب الذي دفعه فتحطم.. استوقفته فكرة تحطم الباب.. هل كان مغضبا لهذه الدرجة أم أن النجار قد غشه!؟ لكن شريط الذكريات لم يسمح له بالاستمرار أكثر في تأملاته فقد تتابع ليتذكر صورة جوسلين وهي ترتعد بسبب دخوله المفاجئ عليها، حاول أن يتذكر ما حصل بعدها فلم يستطع، ثم قفز شريط الذكريات إلى غرفة الخدم وبالذات إلى وجه جوسلين وهو يمسكها من شعرها.. كان الدم المختلط بالدمع يعلو وجهها الملائكي إلا أنها لم تكن تبكي بصوت مسموع.. لقد كان أنفها يسيل بالدم..عاد شريط الذكريات إلى غرفة النوم وتذكر أنه عندما دخل عليها صفعها بيده ثم مزق الكتاب الذي كان بين يديها وأخذ يشتمها ويشتم "ديغول" و "شيراك" وغيرهما ممن تذكره من الشخصيات الفرنسية.. ثم تجرأ ونزع حذاءه فصفعها على جبهتها فأخذ دمها يسيل على وجهها.. تذكر جميع هذه الأحداث وكأن شخصا آخر هو من قام بها.. لكن صوت والدته رن في أذنيه
( لا تكن قاسيا كوالدك.. إن للمرأة قلبا وكيانا كالرجل تماما، لكن قلبها من زجاج...سرعان ما ينكسر .. وإذا ما انكسر فلا يمكن إعادته إلى ما كان عليه.. أما قلب الرجل فهو كفرع الشجرة..كلما أنكسر نبت غيره!) ... وأكملت صورة أمه الباكية دموية المشهد فقرر صدق المقولة الشعبية "فرخ البط عّوام"... لقد كان نذلا وجبانا كوالده تماما..
أندفع كالمجنون نحو غرفة الخدم حاملا حقيبة الاسعافات الأولية وهو يقول: ما هكذا تعامل الزوجة يا خالد...ليس معك حق فيما فعلت.. من العار أن تكرر مأساة والدتك.. أليس حراما يا مجرم أن تصفع زوجتك بيدك ثم بالحذاء وتسحبها وراءك من شعرها نازلا بها الأدراج نحو غرفة الخدم.. وتلقيها هناك وتلقى وراءها الوسادة والغط..."
توقف فجأة وأختفت من أمامه أطياف أمه.. نعم الوسادة والغطاء..كيف وصلا إلى يديه في تلك اللحظة؟ تراجع شريط الذكريات كثيرا إلى الوراء ليتذكر أن جوسلين هي من القتهما إليه ابتداءا.. عندها ملأت عينيه صورة والده بشاربه المرتفع كراية النصر.. وأختفت اصوات البكاء والنحيب.

صباح اليوم التالي جاء النبأ بوفاة مسيو بيرو..أحس أن مقاومة جوسلين التي كانت تستجمعها طوال الليل بدأت تنهار..ومرّ النهار بهدوء.. في اليوم التالي حاولت اعلان التمرد فنالتها صفعة من يد الاستاذ عامر اسكتتها على الفور.. بل منعتها حتى من البكاء لقسوتها.. وأمر عامر بوضع الحراس على مخارج القصر لمنعها من الهروب..ثم وبمرور الأيام تعمد عامر على معاملتهاكخادمة.. فمرة يطلب إليها تنظيف الطاولة، ومرة تحضير القهوة.. ومن ثم بدأ يناديها "يا بنت" استصغارا لها وإمعانا في إهانتها.. وتجرأ خالد يوما فناداه يا بنت..وهو تعبير تخاطب به الخادمات، ولكنها فاجأته بردها "نعم يا مولاي" ..كان ردها طعنا في دينه مباشره..فهي تشبهه بسلاطين الدولة المملوكية موحية بذلك ان ما يفعله من إذلال مستمد من دينه.. كانت هذه هي الشعرة التي قسمت ظهر البعير.. لم يتردد لحظة في صفعها على وجهها بكل ما أوتي من قوة..فاندفعت تبكي إلى غرفتها والدم ينزف من فمها..وخرج هو لا يلوي على شيء..
عاد في آخر الليل في ليلة شديدة البرودة من ليالي شباط – فبراير.. فتح باب المنزل فشعر بوجود غريب في البيت.. كانت الأضواء المطفأة تشعّ بضوء غريب جعله يتبين ما حوله تماما وكأنها مضاءة. جلس في غرفة الجلوس محاولا إعادة ترتيب أوراقه ...لكن نبضه تسارع فجأة وأحس وكأن أحدا ما في الغرفة..خشي أن يكون هناك لص ..أو أن تكون جوسلين تدبر قتله!..تفتحت حواسه بقوة بدأ يستشعر الغرفة من حوله... اشتم رائحة حريق في المنزل.. قفز كالمجنون نحو غرفة الخدم وفي خاطره أن جوسلين قد انتحرت محرقة نفسها.. فاكتشف أن الرائحة هي لبقايا حادثة يومية جرت في المطبخ كانت نهايتها احتراق الطعام..كانت غرفة الخدم مواجهة للمطبخ، وبابها مغلقا.. وما أن قرأ اللافتة النحاسية من بعيد حتى شعر بوجود هائل يهبط في عقله واشتعلت في رأسه مئات الوساوس.. لقد اعتاد أن يكون وسواسه الداخلي رجلا ذو صوت خشن كصوته.. فما بال هذه الوساوس نسائية؟
أخذ يجمع أفكاره ويحاول فهم ما تقوله الوساوس.. كانت أوضحها ثلاث نبرات.. لم يستطع تمييز صاحب الصوت..أهو صوت والدته أم مربيته ..ام زوجته ...كان الصوت يقول بنبرات مختلفة " أنت تحب السيدة يا سيدي..لا تنكر أنك تحبني يا مولاي..وإلا لماذا اندفعت لغرفتها عندما شممت الحريق يا بني!".. كانت قدماه ما تزالان في حالة حركة وهو يتحرى حقيقة الوساوس عندما اصطدم بباب خشبي قرأ عليه لافتة "غرفة الخدم"..حاول أن يستدير فلمع في ذهنه اسم "جهنم"...تلك الكلمة التي أخافته كثيرا عندما كانت أمه تهدده بها لئلا يخطي ثانية.. تسمّرت قدماه ثم عاود التوجه نحو باب الغرفة.. وبعد صراع نفسي قوي تجرأ وفتح الباب... أنها أولا وأخيرا زوجته..ومن حقه الدخول إلى غرفتها.. دخل كاللص بعد أن نزع حذاءه.. رأى على ضوء الموقد وجه زوجته..قرب هاتفه المحمول إلى وجهها ليرى على نوره الضعيف أنها كانت تبكي لفترة قريبة قبل نومها..فما تزال آثار الدموع على خدها واضحة.. وجفنيها مبتلان بالدموع.. أدرك أنها نامت منذ حوالي نصف ساعة.. اي قبل دخوله المنزل..لم يستطع أن يمنع نفسه من النظر إليها... كانت كملاك صغير ينام في سريره.. اختفى كل كرهه لها فجأة.. وأحس ان تصرفاته وضعف شخصيته هما السبب في فقدانها الاحترام له.. وبالتالي فقدانها الثقة فيه ومعاداته.. لقد كان غبيا عندما عاداها.. وغبيا عندما أظهر لها الوداعة دفعة واحدة..راودته نفسه ان يعتذر منها وهي نائمة..مال بسرعة وقبل أن تلامس شفاهه جبهتها توقف قليلا.. أحس أن ضربات قلبها بدأت تتسارع فعلم أنها ما تزال مستيقظة..خاف وكاد يفرّ من الموقف..لكنه شعر وكأن يدا رقيقة ربتت على راسه فتلامست شفاهه مع جبينها برفق..ترك الغرفة بسرعة وخرج لا يلوي على شيء حتى وصل غرفة نومه.. جلس على سريره ونظر إلى الساعة.. كانت الثالثة صباحا.. لطالما شاهد هذا المنظر كلما استيقظ من النوم بعد أن تطارده الكوابيس..كابوس الحاسب الذي حطمه والده.. وكابوس والدته الباكية..لكنه اليوم لن يسيتقظ على هذا الكابوس.. فجأة تذكر اليد التي دفعت رأسها إلى اسفل وأجبرته على تقبيل جبين زوجته..كانت هي نفسها لمسة والدته..لقد تعودت والدته أن تربت على راسه بهذه الطريقة كلما أخطأ في عمل أو في حل واجب دراسي.. حتى في تأنيبها كانت رقيقة كالملاك! ..عند هذا الحد شعر بالاطمئنان ونام..
في اليوم التالي شعر أنها لم تعد تنظر إليه بحقد..حتى أنها لم ترد عليه عندما ناداها "يا بنت" ..بل خففت كلمتها إلى "يا سيدي".. أما هو فلم يستطع تجنب إهانتها خوفا من أن تتحول مهمة إذلالها إلى والده.. ورغم أن والده لم يكن موجودا إلا أنه خاف أن يعصيه فينقل له الجواسيس ذلك.. وبعد يوم من المعاناة عاد خالد ليودع جوسلين عند الفجر بقبلة على جبينها.. لكنه هذه المرة لم يكن خائفا.. وصعد إلى غرفة نومه لينام على مشهد عقارب الساعة وهي تنطبق عند الثالثة..
تكررت هذه القضية مرات عدة..حتى أصبحت عادة.. شجار في النهار واعتذار في الليل ..بل أصبحت جوسلين تضحك أحيانا عندما يظهر خالد أمامها العنف والرجولة.. ومرة مسحت بيدها على رأسه ثم قالت له "طلباتك أوامر"!


ذات يوم طرح خالد على والده فكرة مشروع ضخم يفيد البلد ويعزز اقتصادها.. وبعد تصفح سريع للمشروع الذي كلف خالد تعب أكثر من ستة شهور رد عامر ببلادة: وما الفائدة من هذا المشروع؟ فمرابحه قليلة جدا ووارده بطيء .. ويستلزم حجز مبلغ ضخم من المال في مشروع لا يدر أرباحا سريعة..هذا المشروع أشبه يجمعية خيرية منه بمشروع اقتصادي..فهو يفيد الفقراء من أبناء البلد أكثر ما يفيد الشركة.. أنسى الموضوع تماما ولا تذكرني به أبدا.."
شعر خالد بالغضب لاستهزاء والده بالمشروع بهذه الصورة..فهذا المشروع هو من أفكاره 100% ويمثل الكثير بالنسبة له.. ورد والده كان مهينا جدا بالنسبة له.. أستغرب خالد كيف يرد عليه والده بهذه الصورة وهو الذي كان يشيد بها قبل ايام..لم يدر بنفسه عندما قال: إذا لم تقم انت بالمشروع فسأقوم بعرضه على شركة أخرى واتخلى عن العمل معك." ضحك عامر بشدة وقال: "ستعرض ماذا؟.. رأيك؟ و تتخلى عن العمل معي؟!.. ومنذ متى ولك رأي تعرضه؟ ثم من قال انك تعمل معي؟..يا مهندس يا محترم أنت تعمل عندي..لا معي..عقد عملك يحدد لك هذا.. كما أنني لا أريد سماع كلمة "رأيي" هذه مرة أخرى.. أنت ليس لك رأي.. أنت أبني أنا.. ولا يحق لك أن تكون شيئا آخر غيري.. شخصيتك هي امتداد لشخصيتي .. وانا المربي والمدرب لك في معركتك مع الحياة..أسمعت؟"
شعر خالد بأن قلبه يتحطم... كلمات مشابهة قالها والده لوالدته كانت كافية لتؤدي إلى وفاتها.. هذا الرجل لا يكن مودة حتى لأقرب الناس إليه..فلذة كبده.. لكن للأسف كان كل ما يقوله والده صحيح.. هو عديم الشخصية إلا أمام تلك المسكينة التي يعتبرها الناس زوجته...تلك المسكينة التي يفرغ عليها عُقدَهُ ومركبات النقص في شخصيته.. ويا لها من صبورة..
خرج من المكتب لا يلوي على شيء..وأخذ يدور في الشوارع بغير هدى حتى الساعة الثانية والنصف.. عندما وجد نفسه أمام قصره.. في ليلة من ليالي تشرين – نوفمبر بدأت فيها تباريح الشتاء تلوح على الأبواب ...دخل إلى البيت وآلاف الشياطين تقرع في رأسه نواقيس الغضب. "اترك العمل مع والدك.. اعمل لنفسك " لكن صوت العقل يجيب " ومن أين المال. ومن سيرضى أن اعمل في شركته وهو يعلم ماذا يعني إغضاب والدي؟" فيجيب الصوت الغاضب " وكرامتك ؟؟.. الرزق على الله! " ويكرر صوت العقل " وهذه المسكينة التي تزوجتها؟ ما مصيرها؟"..
تذكر فجأة زوجته.. كان قد وصل إلى غرفة نومه..نظر إلى الساعة فوجدها قد قاربت الثالثة صباحا.. ابتسم على الرغم من غضبه..ثم بدل ملابسه وتدثر بدثار خفيف من برد الليل في الصالة وانسل نازلا السلالم إلى الطابق الأرضي حيث تنام زوجته.. دخل بهدوء كعادته.. لكنه رأى زوجته نائمة بهدوء ودون ان تكون آثار البكاء على وجهها..فعلم أن والده لم يمر بالبيت.. قبلها كعادته ثم نظر إليها..أحس بسخافته عندما رأى زوجته نائمة بهدوء رغم عام كامل من الاهانات والشتائم.. لقد أدرك في النهاية أن الغالب كان هي لا هو.. لقد حافظت على كرامتها وشخصيتها ولم تنكسر..بينما عجز هو عن امتلاكهما..تذكر كلمات والده الجارحة فهز رأسه يمنة ويسرة كمن يريد ان يبعد أطياف الكلمات عن اذنيه.. حاول أن يغادر الغرفة فشعر ببرودة الممر خارجا كما لم يشعر به من قبل..كان أثاث غرفة الخدم على بساطته أوثر واريح من سريره الناعم.. وكانت رغم الكسور في الزجاج والتي سببها والده.. وعلى الرغم من عدم وجود سجادة أو تدفئة مركزية أكثر دفئا من اية بقعة أخرى على سطح الأرض..لم يدر كيف تجرأ وجلس على السرير بجانب زوجته ...كان المكان مغرقا في الرومنسية..الانوار المتأرجحة القادمة من نار المدفأة الصغيرة ..رائحة الدفء والحنان المبنثعة من التحاف زوجته بالغطاء الرقيق الذي القته يوما إليه، ثم ألقاه إليها في هذه الغرفة.. نور القمر المتسلل من الشباك المكسور والذي الصقت عليه مجموعة من الجرائد ولوحات الورق المقوى لرد البرد..كل شيء في الغرفة كان يدفعه للبقاء أطول فترة ممكنة..كان المكان بجانب زوجته متسعا، وكأنها عرفت انه قادم في هذه الليلة بالذات ليجلس على السرير بجانبها..واتته الشجاعة مرة أخرى فمدد رجليه على السرير..وأسند رأسه إلى الجدار خلفه.. شعر أن لسانه بحاجة أن ينطق فأطلق له العنان... سمع نفسه يقول:" جوسلين الحبيبة... أنا آسف جدا..كنت أعتقد ان عجرفة الذكر هي التي تقود البيت إلى بر الأمان...لكن للأسف.."صمت فترة ليستجمع أفكاره ثم عاد ليقول " هل تعرفين؟! أنا جبان... نعم أقولها بكل صراحة ..انا خالد ابن عامر جبان حتى النخاع... اكتشفت ذلك فجأة عندما تحطمت صورتي التي كنت قد رسمتها لنفسي في مخيلتي بأبهى صورة..ولدا مطيعا وبارا بوالده.. لكنني لست إلا مجرد فأر جبان.. بل لقد كنت طوال عمري جبانا..جبان مع والدتي عندما تركتها تواجه والدي الجبار وحدها..جبان مع والدي عندما لم تركته يستلب شخصيتي ورأيي.. بل يستلب حتى أصدقائي.. جبان مع الشلة الرائعة التي كنت اصادقها..ذلك أنني لم أدافع عن صداقتهم ولم أواجه والدي بأنني لا أريد قطع علاقتي بهم..وجبان مع نفسي عندما لم أواجه نفسي بأنني جبان... جبان معك عندما أعطاك والدك سلاحا هو تكبّر بنت الأصول و أعطاني والدي سلاحا هو عجرفة الذكر.. فاستخدمته ولم تستخدميه.. وما ذاك إلا لأن السلاح بيد الجبان قاتل.. نعم كل هذه الاهانات والشجارات والصراعات بيني وبينك لم تكن إلا بدافع من ابي ومباركة من أبيك.. والدك أراد الانتقام من والدي ووالدي أراد التشفي من خيانة والدك...وكلاهما حاكا اللعبة بحيث أكون أنا المجرم وأنت الضحية.. والدك يريدك أن ترثيني دون أن تصبحي زوجة وأما، ووالدي أرادك خادمة ووصمة عار يذل بها والدك حتى بعد مماته.. فينتقم لكبرياءه وجنون عظمته.. وأنا جئت كالحاسب المبرمج ونفذت البرنامج فيك.. وأخيرا كنت جبانا مع حبي لك عندما لم استطع كشفه لك إلا وأنت نائمة .... أما الآن فلقد زال كل شيء وأنكشفت الأقنعة.. لقد تشاجرت مع والدي وقررت ترك الشركة..فأكتشفت أنني من دونه لا شيء.. وهذا اللاشيء لا يستطيع أن يثبت أنه شيء ما إلا عندما لا تستطيع زوجته أن تقول شيئا.. يقول لها أنا أريدك.. أنا أحتاجك واحتاج حنانك.. وهي نائمة تحلم بتصرفاته الرعناء تجاهها.. هو دائما صادق في الفجر.. وهي دائما نائمة عند الفجر.." وحانت منه التفاتة فرأى جفنيها وقد اطبقا بسرعة.. فتابع بلامبالاة لفكرة كونها مستيقظة " أقصد وهي تفتعل النوم... لكن ما يبرئ ساحتي أمامها أنني كنت على الدوام في حالة انفصام شخصية.. أتصرف معها نهارا وفق برنامجي المبرمج..ثم أقول لنفسي: عندما أكبر واستقل عن والدي لن أفعل هذا ابدا..لكنني الآن بت على يقين أن يوم الاستقلال بعيد..لذا سأظل دوما امارس شخصيتي الحقيقية في الخفاء كاللص.." انزل ساقيه غلى الأرض واستعد للنهض لكنه تمهل وقال لها..: المهم أنك تعلمين الآن تماما من هو الذي كان يهينك طوال عام كامل من الزواج..إنه الحاسب الذي برمجه والدي على هذا وذيل والدك البرنامج بتوقيعه موافقا على نصه..أما خالد الحقيقي فهو ذلك الطيف الذي كان يخرج كل ليلة فجرا من داخل ذلك القمقم المبرمج ليطبع على جبينك آثار شفاهه..يكفي أن تعلمي أن ذلك الطيف يحبك تماما كما كان يحب والدته..وأن في داخله نسخة عن حنان والدته.. إلا أن والده حَشَرَهُ في داخل ذلك الحاسب ومنعه من الخروج..ينفذ ما يريده مبرمجه.. ويندم على التنفيذ.. يجب أن تعلمي أن القمقم الذي أعيش فيه بعكس بيضة الدجاجة.. لا ينكسر ليحررني إلا إذا كسرته بيديك من الخارج.. فجميع نقراتي اليائسة من الداخل لن تؤدي لكسره وتحريري.." وانتصب واقفا وتابعا مرتجفا وقد اغرورقت عيناه بالدموع وتحشرج صوته: وأرجو أن يكون يوم تخليصي على يديك قريبا يا غالية.."
-----------------
سار ببطء نحو منتصف الغرفة.. وفي نقطة معينة من أرض الغرفة تراءت له صورة الموظف المطرود الذي تخلص منه عامر بعد أن أصبح عاجزا ..ضحك في نفسه بمرارة مخاطبا إياها " وهل أنا إلا مثل هذا الموظف ؟!... لقد طردت كما طرد.. وهاأنذا أموت كما ماتت أمي..." أحس بيد خفية تربت على كتفه.. استدار فلم يجد أحدا.. فأدرك أن طيف أمه يريد منه أن يتم عملا ما.. نظر إلى زوجته فوجد جفنها مبللا..اقترب منها وطبع قبلة على جبينها بثقة وهدوء ثم قفل راجعا نحو باب الغرفة.. ولكنه سمع شهقتها وهي تغص بالبكاء.. أحس أنها بحاجة للحنان بعد عام كامل من الغربة المؤلمة.. لكنه أدرك أنه أجبن من أن يتلفت ليراها أو يواسيها.. فتابع خطواته نحو الباب.. امسك بالقبضة وفتح الباب فسمع صوتها تناديه باسمه.. أحس بطعم غريب لم يتذوقه منذ فترة طويلة تمتد شعابها في سنيّ المراهقة..أخذ يتذكر أين سمع هذا الاسم من قبل.. أمه؟ لا فهي كانت تناديه دوما بأبني أو حبيبي..أو باسم "الدلع".. والده؟ لا فهو يناديه بلقبه "باشمهندس" ...حتى جوسلين نفسها لم تناديه يوما باسمه.... عادت به الذاكرة إلى الوراء ليتذكر أيام الجامعة ..أنهم الشلة..اصدقاوءه في الشلة هم فقط من كان يناديه "خالد"..تسارعت الخواطر والذكريات حول الشلة وايام الجامعة السعيدة.. أحسن بخيانته لهم تفتت كبده فانفجر بالبكاء وصدم رأسه بحافة الباب بقوة محاولا إخراج تلك الذكريات منه.. سمع صوت طقطقة خشب السرير فعرف أنها قامت منه..لكنه لم يستطع أن يلتفت.. فكر في الكيفية التي ستخاطبه بها أو سيرد بها عليها.. لقد اصبحا الآن في نفس المقام..كلاهما ابن أكابر.. وكلاهما مفلسان..فكر كيف سينظر في عينيها وقد أخبرها للتو كل تلك الحقائق عن والدها ووالده..بل وعنه هو شخصيا..رفع راسه الدامي من أثر الصدمة بحافة الباب وأخذ يحملق في السقف.. أحس بأنفاسها تتسارع خلفه وتتقطع أحيانا فعرف أنها ما تزال تبكي. لم يستطع تحمل فكرة أنه سبب لها كل هذا الألم فوضع يده على فمه ومال على الأرض كمن يريد منع نفسه من الصراخ..لمست كتفه بيدها فنتفض واغلق الباب بعنف، ثم استند إليه كالمصلوب وأخذ ينشج بالبكاء بصوت مسموع..أمسكته من كتفه وحاولت أن تديره ليواجهها استدار بسهولة كما يستدير كرسي والده الفاخر..لكنه لم يستطع أن يقابلها وجها لوجه..رأت جبينه ينزف لكنها أدركت أن اللحظة التي تعيشها أهم من أن تضيعها بسؤالها عن جبينه وجرحه النازف..كان كلاهما يبكيان عندما أسندت رأسها إلى صدره.. صرخ كفهد جريح مبعدا إياها عنه بلطف: ابتعدي عني..ماذا تريدين؟.. كفاك تعذيبا لي." نظرت إليه وقالت بعيون معاتبه" أهكذا يقابل الزوج زوجته الحبيبة؟".. كرر هذه الكلمة بدهشة "زوجته الحبيبة" وجمدت شفاهه راسمة تعبيرا لا هو بزهو الابتسامة ولا بذبول الحزن.. لكنها لم تقف عند هذا التعبير طويلا فقد تحولت إلى ابتسامة وضاءة عندما لمحت عيناه الحائرتان في وجهها ابتسامة صغيرة. أدرك هو أيضا أن ليس لعجرفة الذكر مكان بين الأزواج..فوضع كفيه على صدغيها حاملا رأسها بينهما.. تذكر كلمات الوعد الذي قطعه على نفسه أمام والده بإذلالها فأدار راسه يمنة ويسرة طاردا شبح هذا الوعد.." أنه الحاسب من قطع هذا الوعد وليس أنا.."
مرر ابهاميه برفق على عيونها ليمسح آثار الدمع ..إلا أن قطرة صغيرة من الدم سقطت على ارنبة انفها..ضحكت مرتبكة بينما ارتبك هو مقدما الاعتذارات المتوالية ثم أخرج منديلا وأخذ يمسح وجهها..تسارع تقاطر الدم من جبينه فقالت بعد أن أدركت انه قد آن الأوان لتمثل دور الزوجة:إنك تنزف! " رد بسرعة:" ليكن.. دعيني انزف كل ذلك الدم السيء الذي ورثته عن والدي " كان تعبير "الدم السيء" تعبيرا فرنسيا يقصد به الطباع الوراثية لهذا ضحكت لتعريبه المصطلح ..أمسكت بيده وأجلسته على كرسي.. ثم أخرجت حقيبة الاسعافات الأولية التي تركها في يوم زفافهما أمام غرفتها وطهرت له جرحه..قال لها: لقد أفلست تماما كما أفلس والدك" ردت بهدوء " ليكن..الرزق على الله".. قال لها " قد تحمدين الله يوما على غرفة الخدم هذه لأنني قد لا استطيع تأمينها لك".. ابتسمت قائلة: لقد أدركت أن المال يضعف الانسان..فالمفلس يستطيع أن يفعل ما يريد لأنه لا يخاف على شيء..فليس لديه ما يخسره... كلانا مفلسان.. لذا سنتحدى العالم سوية .. ولن نخاف" ضحك معلقا : وقد نشحذ سوية!" ردت باسمة : لايهم..فمنظرنا من البؤس بما يكفي ليرد علينا أرباحا مرضية!" ..ضحكا من قلبيهما ..لقد انتهت أيام الرياء..لذا لم يشعرا بنفسيهما عندما ناما على الكرسي..
اسيتقظ في السادسة صباحا... مددت زوجته في السرير ثم توجه للقبو..وأخذ يعبث فيه حتى وجد شيئا أخذ ينظفه بعناية واهتمام.. وفي مساء ذلك اليوم تفاجأت "شلة المهندسين" بكرسي خشبي مخملي عليه الرقم تسعة.. يجلس عليه شاب في الثلاثينيات من عمره..يحمل في يده ملف ضخما لمشروع اقتصادي...وأمامه حقيبة ملابس.. وبجواره صبية فاتنة... إفرنسية الأصل.

هناك ٣ تعليقات:

Unknown يقول...

الله الله.. لم اقراها كلها بعد لكنها تبدو لي جميلة و مشوقة جداا..

لم اكن اعرف انك تكتب القصص..

ما شاء الله

كعبلون يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا أختي حورية على مرورك الكريم

نعم أحاول احيانا ان اكتب بعض القصص
واتمنى قريبا ان نرى انتاجك الفكري والأدبي على مدونتك الخاصة!

Unknown يقول...

الان انهيت المواجهة 2

راااااااائعة في الواقع لم تشوقني روايه هكذا منذ زمن بعيد.ز
اشعر انني اقرأ لاحد الادباء لعظماء..

انت رااائع ..
في الواقع بحق بحق اعجز عن التعبير..

جميلة و متقنه .. انا ايضا اكتب رواية..

كتبت منها 110 صفحات فول سكاب و لم اكمل الان لا تعجبني و اتمنى ان اعيدها قريبا..

انا اعشق الادب و الشعر و الروايات..

سأقرأ لاحقا مواجهة1..

بارك الله فيك..

بوركت و بورك المداد..