مختاراتي من عيون الكلام

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) سورة الكهف




٣١ كانون الأول ٢٠٠٧

لحظة مواجهة ( 1)

أحيانا قد تتضخم النفس الانسانية حتى تطغى على الحيز الاجتماعي الذي كان من المفترض أن تنمو فيه شخصيات من هم قريبون منها.. وقد يسبب النمو العشوائي لهذه النفس إلى ازدحام المكان وأخيرا الانفجار مطيحا بأي هامش كان يجب ان يكون بينها وبين من هم قريبون منها أو يستمدون منها وجودهم.
كانت شلة المهندس خالد في الجامعة هي نفسها تلك الشلة التي درس معها في الثانوية والتي درس معها في الاعدادية والابتدائية، والتي لعب معها وترعرع معها ... كانت فكرة الانتقاء الاجتماعي التي زرعها والد خالد في ذهنه منذ طفولته تقتضي التخلي عن اي صديق أدنى من مستوى معين سواء على الصعيد الاجتماعي أو الفكري.. وعلى الرغم من أن خالد لم يطبق الجانب الأول ،وبالتالي لم يتخل عن زملاءه المهندسين الذين لا ينتمون لنفس طبقته الاجتماعية والذين وجودوا بطريق الصدفة البحتة في المدرسة التي درس بها وانتقلوا معه للجامعة..إلا أن خالدا كان انتقائيا جدا في الجانب الفكري، فلم يكن يصاحب من ليس في مستواه الدراسي وليس باجتهاده، مما سهل على مجموعته البقاء سوية خلال سني الدراسة الطويلة ،بل الالتحاق بنفس الكلية بعد ان تحصلوا على معدلات متقاربة في الثانوية العامة والتخرج في نفس العام أيضا، وبمعدلات متقاربة.
كانت لشلة خالد طقوس معينة، فمثلا كان لهم اجتماع أسبوعي في ركن محدد من مقهى شعبي يعرف بركن المهندسين، وكانت كراسيهم في ذلك الركن مميزة بأرضية من مخمل أحمر لا تحمل مثله بقية الكراسي في المقهى...وكان لهم ارقام هواتف محمولة متسلسلة، ويلبسون ملابس متقاربة، ويتقنون نفس اللغات، ويستعملون نفس الماركات من الملابس، وعلى الرغم من فقر بعضهم وعدم قدرته ماديا على مجاراة الشلة، إلا أن الشلة أوجدت لنفسها نظاما تكافليا خاصا يسمح لها بإعانة الأعضاء للالغاء هذه الفروقات.
من يعرف خالد من بعيد يظن أنه الولد المدلل لوالد ثري لم يرزق إلا بولد واحد توفيت والدته في سن مبكرة. شخصية خالد محببة ولطيفة، وعلى الرغم من ثراء والده الفاحش إلا أن هذا لم يؤثر على طباع خالد المتواضعة. تلك الطباع الحنونة التي لا توحي بالصراع العنيف الذي كان يعيشه خالد في حياته.
والد خالد رجل من ذلك الطرز من الرجال الذي عرك الحياة وعركته فتعلم منها القسوة والجفاء.. حالة الفقر القاتلة التي عانى منها وهو شاب علمته كيف يعصر الحجر فيجعله ذهبا، وكان لطابعه القاسي هذا أثر كبير في طاعة ولده له، بل لربما في طاعة الجميع له، فكلمته لا تصبح كلمتين، وكلامه أوامر دون أن يضطر لرفع نبرة صوته. كانت أصوات خطواته الهادئة كفيلة أن تلقي الرعب في قلوب جميع الشغالين في القصر الذي يسكنه، بل كانت تلقي الرعب في نفس خالد بالذات...ذلك الرعب الذي جعل خالد يصبح ظلا لوالده.. لا يخالفه الرأي في أي موضوع حتى يكاد يختار عنه طعامه وشرابه!
"والدتك يا خالد كانت ملاكا يسير على الأرض".. تنهدت الخادمة وهي تجيب خالدا عن سؤاله عن والدته التي لم يعش معها طويلا.. تابعت الخادمة وقد بدأت قطرات رقيقة من الدموع تترقرق في مآقيها:" كانت النور الذي يهون علينا جحيم والدك.. كان تمسح بيديها الرقيقتين كل الآلام التي يسببها الأستاذ عامر بكلامه القاتل"...قالت الكلمة اللأخير بنبرة مشددة وكأنها تغرز خنجرا في صدر الاستاذ عامر، إلا أنها توقفت عن الكلام ومسحت عينيها بطرف كمّها ثم تابعت إعداد الطعام..كان خالد يعشق أن يغزو المطبخ ليتحدث إلى الخدم على الرغم من منع والده له...كانت تلك "الغزوات" الصباحية أو الليلية تحرك في نفسه الكثير من الاثارة التي يتوق لها بسبب حياته الروتينية القاتلة.
الست هدى كانت شديدة الهدوء، من عائلة راقية شديدة التدين والأدب..وكذلك كانت شديدة الجمال، فارعة القوام بشعر ذهبي طويل وعينين زرقاوتين تشبهان لون البحر.. جمالها الآخاذ وعراقة اسرتها مقارنة بقبح الاستاذ عامر ووضاعته جعلها تعاني الأمرّين في حياتها مع زوج حديث النعمة لا يعرف للاحترام معنى ولا للمحبة سبيلا..كان زواجها سلسلة من الاهانات المتوالية انتهت بوفاتها بشكل مفاجئ بعد شجار هائل مع زوجها سببه أنها منحت موظفا تعويضا ماليا بعد ان طرده زوجها طردا تعسفيا لأنه اصيب بنوبة قلبية منعته من مواصلة العمل الشاق في الحسابات. كان لبّ الشجار محاولة فرض الاستاذ عامر رجولته عليها: أنا الرجل...أنا الآمر الناهي... كيف تعوضين رجلا مهملا كسولا طردته من العمل؟" " أنا السيد هنا، ولولاي لكنت الآن تخدمين في بيوت الناس، أنا من انقذت والدك من الافلاس وسترت عليك.. أنت لا شيء لولاي" " من حقك فعل هذا؟؟..أنت ليس لك حقوق...أنت هنا أمة ..حقوقك أعطيتك إياها حتى آخر ليرة ..فاحمدي ربك يا وجه الفقر " " يا بنت الـ.."
ما تزال هذه الكلمات تراود خالدا في كوابيسه، مازالت صور أمه على عربة الاسعاف وهي تعاني من نزيف دماغي سببه ارتفاع الضغط المفاجئ لا تفارق أحلامه بل يقظته...وما زال صوتها يرن في أذنيه وهي توصيه قبل وفاتها على عربة الاسعاف قبل ان تصل العناية المشددة " خالد..انت صورة مني..أنت جزء مني ، فلا تصبح صورة عن أبيك، أحب من حولك واحترمهم مهما كانت منزلتهم..لا تجعل من نفسك طاغية لئلا يسلط الله عليك من هو أظلم منك.."
لربما كانت الكلمات هي السبب الرئيس الذي منع خالدا من اقصاء الفقراء من شلته... كانت هي وصية أمه الأخيرة وهي تلفظ انفاسها...ورغم هذا الموقف الهائل، إلا أن شخصية الأب القوية منعت خالدا من مجرد التفكير في الانتقام لأمه، لقد ذابت شخصيته تماما في شخصية والده... وهكذا عاش.
كان للأستاذ عامر شريك في العمل ذي اصل افرنسي، وكانت عنده ابنة رائعة الجمال، وعلى الرغم من عاداتها الباريسية في اللباس والتزين والكلام والعمل بل حتى في الطعام والشراب، وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة من السيد "جوزيف بيرو" في إنشاء علاقة ما بين ابنته وابن شريكه، إلا أن الطرفين كانا لا يشعران بوجود بعضهما، فلا خالد استهواه العطر الافرنسي الغالي الذي كانت تضعه "جوسلين" ولا جمال عيني خالد العربيتين وحميّته "الحلبية" الشهيرة كانت تلفت نظر "جوسلين". ببساطة كانا في عالمين مختلفين لدرجة أن جوسلين ذهبت لفرنسا لمدة ست سنوات لتكمل دراسة الاقتصاد ولم يشعر خالد بغيابها!.
لم تكن لدى خالد أي من الأحلام التي كانت تراود والده وشريكه المسيو جوزيف، فرئاسة مجلس إدارة الشركة لم تكن على قائمة الأعمال بالسبة لخالد، بل لم يكن العمل في الشركة من ضمن مخططاته اساسا.. وكذلك كان التقرب من جوسلين أو مجرد فكرة التفكير بها كأنثى مجرد ضرب من المراهقة التفاهة التي لم يكن لدى خالد الوقت ليمارسها
-"والدي..اريد ....أريد ....أريد مبلغا من المال.." تدارك خالد الطرح الجريء الذي طرحه في آخر جملة قائلا بسرعة وخوف "اعتبره كقرض أسدده لك على أقساط"
- ولماذا تريد القرض؟"
- أريد أن افتح مكتبا للهندسة"
- تابعا للشركة؟ لسنا بحاجة لمثل هذا المكتب"
- بل مستقل عنها...أريد ان اشارك زملائي في الشلة لأجد لهم مكتبا ليعملوا فيه"
- ماذا؟! تريد ان تتصدق من مالي على أولئك الشحاذين الذين تسميهم "شلة"؟؟... من علّمك هذا؟..يا لك من ولد مفسد بالدلال.. مثل أمك تماما..ذو قلب غض وفكر مشلول.. انظر ايها التافه..منذ الغد سامنعك من الذهاب للمقهى، وإذا لم تفعل سأجعل اصدقائك يندمون على يوم مولدهم..افهمت؟"
وجد الأصدقاء في يوم الاجتماع الأسبوعي الكرسي رقم تسعة مفقودا، وقد ترك خالد لهم رسالة يشرح فيها الوضع وما آلت إليه الأمور ..لم يستطع أحد أن ينبس ببنت شفة، فقد كان الأستاذ عامر قادرا على الوفاء بتهديده...وهكذا تفرق الاجتماع بدون تعليق...وهكذا انقطع خالد عن حضور الاجتماعات الدورية.
بعد انتهاء خالد من خدمة الجيش الالزامية عينه والده تلقائيا مديرا لمشاريع الشبكات والاتصالات في الشركة.. لقد أصبح لديه مكتبا مليئا بالحواسيب التي لطالما حلم أن يقتني مثلها بدل الحاسب الذي أهدته إياه امه وحطمه والده في نفس اليوم في ساعة غضب..كان جد حزين لفقدانه تلك الهدية، وآلى على نفسه ألا يستخدم ايا من الحواسيب التي أتى له بها والده كبديل.. لقد اصر على تجاهل اغراء الحواسيب الجميلة والحديثة التي كان يأتيه بها والده و فضّل استعمال حواسب الكلية التي يدرس فيها لكل أعماله. لكن الوضع مختلف الآن..فهذه الحواسيب ليست شخصية بل حواسيب تابعة للعمل، لذا لا بأس بـ"العبث بها" قليلا.
منظر الحواسيب الجديدة أحيى في نفسه ذلك اليوم الذي تحطم فيه حاسوبه العزيز... مرت أمام عينيه صورة والدته وهي تبكي امام حطام الجهاز وهو يقف بجانبها كالأبله يمسح شعرها ويطلب منها ان تتوقف عن البكاء.. كان يشعر – على صغر سنة وقتها- أنه السبب في بكاءها لأنه لم يدافع عنها بل ترك والده يحطم هيتها له بدون أن ينطق ولو حرفا أو يصدر حركة أو صوتا تدل على انزعاجه أو اعتراضه...وما انفك هذا الاحساس ملازما له حتى وفاتها..
عندما جلس أول مرة وراء مكتبه طلب إلى أعضاء الإدارة المثول أمامه ليبين لهم أسلوب إدارته – والذي حفظه بالحرف من فم والده- وفجأة دخلت قاعة الاجتماعات "جوسلين" ابنة الشريك الافرنسي بصفتها مندوبة عن والدها وكونها مشرفة على قسم مبيعات الحاسب الآلي وملحقاته... لم يدر خالدلم تلثعم ولم يعرف ماذا يقول ..أنهى الاجتماع بسرعة ثم وزع نسخة مطبوعة من الخطة الجديدة على الموظفين وأمرهم بالانصراف.. وكأنما أحست جوسلين بضعف شخصية خالد فبقيت.. اقتربت منه بهدوء وكفاتحة للحديث معه قالت:" هنيئا لك مكتبك الجديد"
كانت هذه العبارة متداولة للتهنئة بين الموظفين فقط، لذا رد عليها بنبرة حادة " بل إدارتي الجديدة" ردت هامسة مبتسمة ابتسامة خبيثة وقد اسندت مرفقيها إلى مكتبه بحيث اصبح وجهها مقابلا لوجهه:" وهل تعتقد أنك كفؤ لإدارة هذه الشركة ، أو حتى هذا القسم؟.. لقد فشل والدك في هذا من قبل ولولا والدي ما استطاعت الشركة النجاح"
انتابته عدة مشاعر بآن معا... الدهشة من لسانها العربي المبين بعد أن عرفها تنطق الراء غينا وتونث المذكر.. والصدمة لحديثها عن فشل والده في إدارة الشركة واعتماده الكلي على والدها.. والأسى لكون بداية حديثه معها أصبحت بهذا الشكل التنافسي الذي لطالما أبغضه.. إلا أن الشعور الأقوى كان الحمية والكرامة التي اندفعت إلى رأسه تماما كما اندفع الدم إلى أوداجه فقال بنبرة هازئة:" وهل تعتقدين أن بابا جوزيف الدلوع المربى في قصور باريس أو أيا من الفرنسيين يستطيع إدارة تجارة أو عمل؟ يكفيهم تصّيد الحمام وأكل "الكاتوه" وشرب نخب الديمقراطية...وليتركوا التجارة لمن يفهم فيها أبا عن جد"
تضايقت جوسلين لهذا الرد غير المتوقع من خالد فاندفعت خارجة من مكتبه والغضب والألم باد على وجهها.. لم يدر خالد لم شعر بالأسف لاهانتها بهذا الشكل، إلا أنه تذكر بدايتها القاسية معه... فكر في الموضوع قليلا ثم تجاهله كلية، لم تكن جوسلين من ذلك الصنف من النساء الذي كان يشعر خالد تجاههن أنهن نساء..بل لطالما – وعلى الرغم من جمالها وأنوثتها الفائقة- شعر أنها رجل يلبس ملابس النساء.. فلم تكن تهز ولو شعرة من كيانه.
تابع خالد إدارة الفرع بكفاءة ابهرت الموظفين ، إلا أنه لم يتبن اسلوبا خاصا به، بل بقي ينفذ خطة والده بحذافيرها، على الرغم من مستواه العلمي العالي الذي يمكنه من وضع خطط تفوق خطط والده بمراحل..
------------------------------------------------------
أخيرا جاء اليوم الذي كان يطمح إليه، والده مشغول بصفقة مهمة وتسنح له فرصة ذهبية لصفقة حكومية أخرى في مجال الاتصالات فيحول ملفها إلى مكتب ابنه، الأب الذي اضطر للسفر إلى اوربا لاتمام الصفقة المهمة لم يترك حتى ملاحظاته بل ترك الموضوع برمته بين يدي ابنه.. إذا فهي الفرصة الهامة بل الأهم لاثبات الخبرات العملية التي اكتسبها المهندس خالد سواء من خلال دراسته الأكاديمية أو الدورات في مختلف علوم الاقتصاد والإدارة التي اتبعها أو من خلال الصفقات التي أبرمها بوجود والده.
رتب خالد أوراقه وجمع مصادره ورؤوس أمواله، وحدد مصدر الشراء والمسوق و..الخ ثم تقدم بكل ثقله في المناقصة.. أكدت له المصادر التي يعتمد عليها في وزارة التعليم العالي أنه سيفوز بالمناقصة لا محالة فعرضه أفضل العروض من الناحية التقنية والاقتصادية...خرج في يوم إعلان نتائج المناقصة ليتغدى غداء عمل مع شركاءه الجدد في مشروع المناقصة، وهي الحركة التي تعلمها من والده ليوحي لهم أنه متأكد من الفوز لدرجة انه يبدأ بالعمل حتى قبل إعلان النتائج..لكنه صدم بأن المناقصة آلت لشركة أخرى مغمورة... وبسرعة أجرى اتصالاته مع جواسيسه في الوزارة ليكتشف أن عطاء الشركة المنافسة أعلى بنسبة 5% من عطاءه... جمع الموظفين بسرعة وراجع صيغة العطاء الذي قدمه فوجده بالفعل أقل بـ5%... وبسرعة أعادة الاتصال بشخص في الوزارة أرسل له بعد دقائق بالفاكس صورة من العطاء الذي تقدم به إلى الوزارة وصورة من العطاء الذي تقدمت به الشركة المنافسة..كان هناك زيادة وهمية بمقدار 15% أضيفت إلى عطاءه من قبل طرف مجهول بينما تقدمت الشركة المنافسة بعطاء هو صورة طبق الأصل عن عطاءه...اتصل بالسيد بكري والذي كانت مهمته تشبه تماما مهمة جهاز الأمن المركزي..فإليه توكل جميع التحقيقات المتعلقة بالأشخاص والشركات.. كانت مهمة بكري تتلخص في سؤالين:
1- من أضاف الزيادة المزورة إلى عطاء الشركة في اللحظة الأخيرة
2- من هي الشركة المنافسة ومن أصحابها.
استغرقت عملية التحقيق السري فترة ثلاثة أيام لتأتيه النتيجة المرعبة.. آخر نسخة أرسلت إلى الوزارة مرت بشكل سري على مكتب المحاسبة المركزي ويديره موظف لطالما اعتبره والده ذراعه الأيمن، والمفاجأة الثانية كانت أن من مّلاك الشركة المنافسة أقرباء لشريك والده ،بل أن جوسلين نفسها تشارك بنسبة الثلث في رأس المال.
رتب أوراقه واثباتاته وسافر بسرعة إلى روما لعرض الموضوع على والده بعد أن طلب من الجميع التصرف وكأن شيئا لم يكن..اللقاء لم يكن عاصفا كما تخيل..لقد ربت والد على كتفه بهدوء وهنأه على حسن إدارته للمعركة، ثم طلب منه أن يترك الأمور بين يديه وينسى الموضوع برمته.. أحس خالد بالقوة والافتخار تسري في جسده عندما أسند الأستاذ عامر يده إلى كتفه وقال: خالد..لقد بدأت المعركة وأريدك أن تقف بجانبي بقوة... إنني اثق فيك" ....لطالما كره خالد نبرة القوة في صوت والده، أما اليوم فإن لها نكهة أخرى مميزة، نكهة يشعر بها اي ضعيف يستمد القوة من قوي حتى لو كان ظالما..
لم يدر خالد كيف استطاع والده أن يلغي جميع التوكيلات وأغلب العقود التي أبرمتها الشركات العالمية مع الشركة المنافسة، بل أنه ألغى العقد بينها وبين وزارة التعليم بعد أن حصلت الشركة على ثلاثة إنذارات لسوء تنفيذها للعقد.. وبعض النظر عن كون هذه الانذارات حقيقية أم تعسفية فإن خالدا شعر بالمتعة وهو يرى عدوه ينهار بسرعة أمامه، ذلك العدو الذي سرق منه فرصة الفوز بأول مناقصة في حياته... إلا أنه –وبعد أن أسس جهازك الاستخباراتي الخاص به بعيدا عن والده- استغرب أن يقوم الوالد بالحديث مرة أخرى مع شريكه الافرنسي عن صفقة هائلة ومرابحها مضمونة.. والغريب أن خالدا كان يراقب المسيو بيرو وهو يحول أوراق الصفقة بشكل سري إلى شركته الأخرى بدون أن يتخذ والده أي إجراء؟ هل من المعقول ان يكون الجهاز الاستخباراتي لوالده عميلا لبيرو؟
مراقبة مرهقة استمرت ثلاث أسابيع اكتشف بعدها أي داهية كان والده.. لقد حصلت الشركة المعادية على العقد، ثم على شروط جزائية كثيرة، ولتحقيق الالتزامات اضطر بيرو لبيع حصته من شركته مع السيد عامر ليفي بالالتزامات البنكية منعا من دخول ابنته السجن بتهمة اقتصادية، والغريب أن والده اشترى حصة بيرو بسعر سخي، وسمح لبيرو أن ينقذ ابنته وشركتها من دمار محتم.. وعندما يتم الأمر وتفي الشركة المنافسة بجميع الالتزامات يتفاجأ الجميع – بما فيهم خالد – بأن السوق المحلية أغرقت بانتاج صيني مكافئ للبضاعة التي استوردها بيرو وبسعر منخفض جدا، أكدت له مصادره أنه اخفض من سعر المصدر الصيني نفسه... وطبعا أكدت استخباراته أن المصدر الأساسي قادم من شركة شهيرة يملكها بنسبة 100% شخص اسمه الاستاذ عامر..والده بالذات!
نتيجة المعركة كانت مبهرة، وانتهت بزيارة الاستاذ عامر مع المهندس خالد للمسيو بيرو في المستشفى بعد ان اصيب بجلطة قلبية، كانت فكرة أن يتسبب خالد بجلطة لشخص ما فكرة غير واردة اطلاقا ، بل كان خالد يعتبرها جريمة بحد ذاتها، لكن إصابة المسيو بيرو بجلطة كان لها وقع آخر، أدرك بعدها خالد اي متعة كان يشعر بها والده وهو يطيح بأعداءه واحدا تلو الآخر حتى لو كان بمثل هذه الطريقة..
- لِمَ لمْ تقل لي انك تريد شراء هذه الصفقة؟ إنها غالية الثمن ومرابحها شبه معدومة... استشرني يا أخي.. ألسنا شركاء؟! حتى ولو تركت شراكتي فما زلنا أصدقاء! "
هكذا وبكل برود أعصاب تحدث الاستاذ عامر مع شريكه، كانت عينا بيرو تقطر دما وهو يضغط على أعصابه ليحافظ على هدوءه، وبعد نقاش قصير حول مستقبل بيرو قال عامر:
- أنت خبرة اقتصادية هامة، لذلك سأجعلك مستشارا لأبني خالد"
لم يكن يدرك خالد خبرة والده في استخدام الكلمات القاتلة بهذه الحرفية، كان يستمتع فعلا بطعم الانتقام الذي جعله والده يتذوقه، ورغم كل توصيات والدته التي ما زال يسمعها في أذنيه، إلا أنه سمح لنفسه بتذوق لذة النصر الساحق في معركة اطاحت بفرصة ذهبية لإثبات ذاته أمام والده ..بل أمام الجميع...فكلمة مستشار لا تعني أي شيئ، وكونه مستشارا لخالد والذي يعمل أساسا وفق خطة يضعها الاستاذ عامر تعني انه سيوظفه شفقة عليه لا للاستفادة من خبراته!!
عوفي بيرو وعمل في نفس الشركة التي كان يوما مالكا لجزء منها، لكن تحت وطأة العمل ذهبت مصطلحات "يا أخي" ، "يا شريكي السابق" ، " يا صديقي" ليحل محلها الاسم المجرد من الألقاب.. وتكررت الاهانات والتعليقات السامة تحت مسامع خالد الذي لم يكن يتأثر بفكرة أن والده يميت بيرو موتا بطيئا، فهو بنظره خائن يستحق ما يحصل له... حاول ذات مرة أن يفسر البلادة التي يشعر بها تجاه السيد بيرو، لكنه لم يستطع...ربما كان يتقبل فكرة إهانة بيرو لمجرد إنه فرنسي، أو لربما لإنه والد تلك المتعجرفة، والتي –وللغرابة- لم ينلها من تعليقات وانتقام والده شيء!
استيقظ على هاتف بيلغه بأن بيرو في المستشفى بعد جدال عنيف مع والده في صبيحة هذا اليوم.. صرح الأطباء بأن الجلطة التي اصيب بها قاضية ولا مجال لعلاجها لأنها أثرت في الكثير من مناطق الدماغ مما سبب فقدان ذاكرة جزئي وفقدان القدرة على النطق السليم... وبصعوبة استطاع بيرو أن يفضي بمكنونات صدره لشريكه السابق الذي لم ينفك يعتذر عن سوء تصرفه وكونه رفع صوته بانفعال..هذه الاعتذارات التي كان الجميع يدرك بإنها مجرد مناورة دبلوماسية ليس لها حقيقة في نفس عامر... كان الطلب الذي طلبه بيرو غريبا جدا ، لقد طلب إلى عامر أن يزوج خالدا من جوسلين!

كانت فكرة زواج خالد من جوسلين من أوقح واذكى المناورات التي قام بها بيرو في نظره، فجوسلين قوية الشخصية وذكية وفائقة الجمال، وأكيد انها ستستولي على كل شيء لاحقا بعد وفاة عامر، فخالد ليس ذا شخصية قوية تمكنه من المحافظة على أمواله.. كانت هذه خطة الانتقام الأخيرة لبيرو، ولدهشة الجميع وافق عامر بكل ترحاب قائلا: لن أجد يا صديقي فتاة أفضل من جوسلين لخالد!"
كان جواب عامر صاعقة للجميع.. شعر خالد بأن والده دمّر آخر فرصة له في الاستقلال بأن ورّطه بالزواج من فتاة هو يكرهها بشدة! بينما بدت علامات الرضى على وجه بيرو، الوحيد الذي لم تتغير ملامحه كان عامر والذي كان يقول في نفسه: سوف تموت أنت، أما ابنتك فلا تزال حية، ولم يبقى لها من ينقذها من انتقامي المؤجل... سأجلعها تندم أنها لم تمت معك...بل قبلك!"
الشرط الغريب الذي اشترطه بيرو كان " أبنتي لا تحب الأولاد، وهي لا تريد طفلا من خالد، خاصة مع وجود فرق الدين والنسب...يمكن لخالد أن يتزوج امرأة أخرى فلا مانع لدي أبدا..على أن يحافظ على جوسلين ولا يهملها"...كان بيرو يريد لابنته ان تخرج من المعركة كالشعرة من العجين، المال ثم الطلاق ..دون ان يترتب على ذلك اولاد يبقون أي نوع من الشراكة بينها وبين خالد، وللغرابة وافق الاستاذ عامر قائلا: زواج خالد من جوسلين هدفه أساسا المحافظة عليها...ولا مانع في تطبيق شرطها".. كان عامر يفكر في أن جوسلين لا تصلح كأم، ولربما لو أنها أنجبت من خالد لمنعه حبه لحفيده من الانتقام أو لوقف خالد في وجهه ليدافع عن أسرته، هكذا أفضل!..وارتسمت ابتسامة الرضى لأول مرة على وجه عامر.
عقدت الاتفاقية السرية ..زواج مع وقف التنفيذ.. وقبل إتمام العقد نطق خالد واضعا شرطه الوحيد: " سأتعامل مع جوسلين كأخت ما لم تطلب هي عكس ذلك.." كان شرط خالد تحصيل حاصل بطبيعة الأمر ..ضحك كل من الرجلين وهزا رأسيهما موافقين.. كلاهما يعلمان ضمنا أنها لن تسمح لخالد بلمسها، ولعل هذا الشرط يحفظ بعضا من كرامة خالد أمامهما! ..نظرة عامر برضى نحو خالد، هاهو ديكتاتور آخر يبزغ للوجود.. لقد اصبح خالد يفهم مخططاته حتى قبل أن يشرحها له، بل ويتصرف وفقها أيضا... لقد اصبحت الحياة حلوة!

هناك تعليقان (٢):

Unknown يقول...

تريد رأيي..

اجعل مواجهة 2 قصة قصيرة هكذا كما هي مع الغاء مواجهة 1 و سترى انها ستكون من اروع القصص..

وجود كل ذلك التفصيل في 1 اثر على القصة ككل.. او الروايه حسب ما تريدها..

ارجوك اجعلها قصة قصيره تقتصر عهلبى مواجهة 2 قهي هكذا كما هي واضحة و الله فهمت منها كل ما في مواجهة1 ضمنا..

ستكون رائعة لوحدها و ستكون ذا بريق ناقص مع وجود مواجهة 1..


في الواقع للصدفة او لهدف ما جعلني الله اقرأ 2 قبل 1 ..

اتمنى ان تكون قصة قصير "مواجهة" .. و تقتصر على مواجهة 2

الرأي في النهاية بالطبع يعود اليك..

كعبلون يقول...

مواجهة 1 هي محاولة لاعطاء بعض التفاصيل الشخصيات
ربما باعطاء بعض التعديلات على مواجهة 2 يمكن الغءا مواجه 1
سافكر!